أهم العناوينتدوينات

عن الأسير المريض بسام السايح – الحلقة الأولى

بقلم الأسير عدنان حمارشة_

مع أنه ولد في مدينة نابلس إلا أنه ابن فلسطين كلها، عاش حياته وأخوته مجاهدين، لم يفكر يوما أنه سيتم اعتقاله وهو يدخل إلى قاعة المحكمة في معسكر سالم الصهيوني القريب من مدينة جنين والمقام على امتداد سهل مرج ابن عامر، حيث تجري محاكمة زوجته المجاهدة “منى السايح” والتي ضربت المثل الأجرأ في الوقوف أمام شياطين الصهاينة في مركز تحقيق الجلمة، وأمام قضاة فاسدين لا يعلمون عن العدل شيئا.

لكن هذا ما حصل، تم اعتقاله بالطرقة الأمثل التي يعرفها الاحتلال، الطريقة الهمجية، وكنت قد سألته عن طريقة اعتقاله … فقال لي وهو ينظر إلى سقف الفورة والساحة، وكأنه يرى في شبك السقف المربع فيلم اعتقاله :” كنت عرفت وقت محاكمة منى في وقت متأخر وكان يجب علي في نفس اليوم أن أذهب إلى المستشفى لأخذ جرعة كيماوي، لم أستغرق كثيرا في التفكير فقد قررت وبلا تردد أن أذهب إلى محاكمة منى، وبالفعل نمت ليلا وأنا أرسم خطواتي في الصباح .. أني سأذهب وماذا سأقول لها عندما أراها…

كان شاقا جدا على نفسي أني أنعم بالحرية وهي تعاني في الزنزانة، وفي التحقيق، وكلما فكرت أكثر بهذه التفاصيل جن جنوني، ولم أعد أستوعب شيئا، وأتى الصباح، لم أنم في الليل إلا دقائق متقطعة، وقمت مرهقا وكأني أحمل هم السنين كلها، ومع ذلك وقفت أمام مرآتي ومشطت شعري كي تراني بالطريقة التي تعجبها .. فلا أقل من أن أجعلها تسر لرؤيتي، وأخرجت من الخزانة ملابسي التي كانت تحب أن ألبسها كلما ذهبنا إلى مناسبة معينة.

وهكذا انطلقت من نابلس باتجاه جنين وجلست في السيارة والآلام تغزوني، فقد بدأ مفعول الكيماوي الذي أخذته في الجلسة قبل يومين ينتهي، وكان موعد الجلسة هذا اليوم، إلا أني أصررت في نفسي أن أرى منى وأكون في جانبها ولو بضع لحظات، كنت فقط أريد أن أراها، أن أجعلها تشعر أني ما نامت عيني للحظة إلا وكانت هي بين جفوني وفي سويداء القلب، كل آلام الأمراض لم تكن مثل ألم فراقها، هي التي عاشت معي في السراء والضراء، وهي التي دخلت إليها يوما ولم يكن في بيتنا ما نأكله إلا أقل القليل .. فقالت لي ضاحكة : ولا يهمك، يكفي أنك هنا، فأنت أفضل من الأكل بالنسبة لي.

آلام فراقها جعلتني أتذكر اللحظات التي كنت أقترب فيها من الموت، كانت تقترب هي مني أكثر، وكأنها تصارع الموت حتى تفوز هي بي، وكأني كنت أظن أنها مني حتى تكون أقرب إلى نفسي حتى نفسي التي بين جنبي.
كل هذا أعدت رؤتيه كشريط مصور على زجاج شباك السيارة، وفجأة تغير الجو، وزادت الرطوبة وانتبهت إلى أني أصبحت على أطراف مدينة جنين وبدأ يمتد أمامي سهل مرج بن عامر، وما هي إلا دقائق إلا وكانت السيارة قد وصلت إلى حاجز سالم الصهيوني حيث ستكون منى في المبنى المقابل، والذي يحوي على عدة قاعات منها قاعات المحاكم التي تتم فيها محاكمة الفلسطينيين الموقوفين، وطبعا الموقوفات أيضا.

كنت أتوقع أن تكون الإجراءات سيئة خاصة أني أسير سابق، وكنت أظن أن الحراس قد لا يسمحون بدخولي إلى محكمة بسبب كوني أسير سابق، إلا أني استغربت، حال وصولي إلى البوابة و إذ بالحراس يفتحون الباب ويأخذون هويتي، ويشيرون لي بالسماح بالعبور إلى داخل المبنى، وبالفعل دخلت، ولكن اقتادوني إلى ممر طويل، ولم يكن نفس الممر الذي أدخلوا الآخرين إليه، وتغير الممر إلى ممر جانبي آخر ودخلت إلى إحدى الغرف، وهناك انقضوا علي كالوحوش، قيدوني وشدوا القيود حتى ظننت أن معصمي قد انخلع من مكانه .. جاء أحد الضباط وقال لي: أنت معتقل، وقد كنا ننتظرك، وها قد أتيت وحدك، وبدأ الجنود بجري بعنف إلى الأمام وضربني أحدهم إلا أني كنت سرحت في داخلي واخذت أفكر بزوجتي، وهل سأراها أم لا؟! وابتسمت وأنا أفكر أني ربما قد أراها الآن، وأنا وهي نخضع لنفس الابتلاء، سرني التفكير، وكأني بذلك أدفع لها عربون محبتي وانتمائي لقلبها …

وجن جنون الجنود وهم يرونني أبتسم، وصرخوا: بعد قليل ستعرف فقط كيف تبكي، ولن تجد مكانا لضحك في قلبك، وكانوا مخطئين في ذلك ،، فقط بقيت ابتسم .. وسأبقى .. “

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق