أهم العناوينمن الذاكرةمنوعات

الأرشيف الشفوي الفلسطيني خطوة هامة نحو تأريخ القضية

كان الراحل سليمان ناطور دائمًا يقول مُنهيًا حكاياته عن الشيخ عباس: (ستأكلنا الضباع إن بقينا بلا ذاكرة، ستأكلنا الضباع)، تلك الذاكرة التي نحتاجها لننجو من الموت إنما هي الذاكرة الجماعية التي تحمي إرثنا وتراثنا وهويتنا وتصونها من التخريب وتمنع عنها سُوس الصهيونية الذي ينخر عميقًا ليسقطنا أرضًا كما وقع سُليمان النبي -عليه السلام – لمّا أكلت دابة الأرض منسأته.
فلا يخفى على عاقل أهمية التأريخ والتدوين في الصراع الفلسطيني – الصهيوني، وحاجتنا الماسة لحفظ تاريخنا وتدوينه وجمعه وأرشفته والاستفادة منه في معركة الصراع بين الحق الفلسطيني والاحتلال .. وجليٌّ بالنسبة لنا كيف يستخدم عدونا هذه الأداة لقلب الحقائق وتزييف الواقع وإفقادنا الجذر العميق الذي يُمكننا أن نستند إليه في معارك الصراع على الهوية الثقافية والتراثية والتاريخية.
ولعل أهمية التاريخ الشفوي فلسطينيًا تنبع من كونه الذاكرة الجماعية للشعب، وفيه حدود الوطن وروحه وتراثه وبطولاته وأساطيره وأحلامه وذكريات الزمن وعلاقة الإنسان بالمكان وفيه راحة برتقال يافا وسحر البحر وشموخ عكا وبسالة نابلس وقداسة القدس، فيه الألوان الزاهية والنقوش الجميلة، واللهجات العديدة، فيه الوطن بكل جمالياته وسحره.
إن التأريخ للقضية الفلسطينية يجب أن لا يتوقف عند رؤية النخبة والمثقفين وكبار الكُتّاب على أهمية ما عندهم، إذ للجماهير العريضة والفئة الكبيرة من عموم الشعب صوت وحكايات كانت قد شاهدتها وعايشتها ولم يُقدر لها أن تحكيها.
ولذا وجب علينا أن لا نُهمِلَها وأن نُسابق الزمن إليها جمعًا وتدوينًا لأنها جزء مهم من تاريخنا وإرثنا المحكي وعلاقتنا بالمكان والجغرافيا والوطن.
لقد تأخرنا كفلسطينيين في تدوين التاريخ الشفهي وجمعه، ذلك أن تسارع الأحداث وما آلت إليه البلاد من هزيمة للثورة الكبرى (36-39) ثم نكبة فلسطين 1948 ونكسة 1967 وتشريد الناس وتهجيرهم جعلت الاهتمام الأساسي للمحافظة على البقاء.
ومنذ السبعينات بدأت حركة النبش في الذاكرة وجمع التاريخ الشفهي والوثائقي وتتبع أهم المصادر والرُواة، فقد بَذَلَ عددٌ من الباحثين والمُبادرين جُهودًا لا بأس بها في الركض عكس عقارب الساعة ومُسابقة الزمن الذي يسير باتجاهٍ مُعاكس لمشاريع التدوين والتأريخ الشفوي.. ذلك أن الموت يُلاحق الأجيال المُعمرة التي عايشت الأحداث المهمة قبل النكبة والتي امتازت بحفظها للإرث والمرويات القديمة.
وبحسب جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني فإن نسبة الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 60 سنة في العام 2016 لا تتجاوز 4.5% من مجموع السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتالي فإن المُهمة تزداد صُعوبة كُل يوم.
هناك ملاحظات كثيرة حول التـأريخ الشفهي ولست هُنا بمعرض بحثها وتناولها لكن ينبغي أن لا تكون تلك الملاحظات حاجزًا يقف أمام قفزنا خُطوة للأمام في مشروع إعداد تصور عملي لإنشاء أرشيف وطني لكل الروايات الشفوية وجمعها من مصادرها المختلفة، فما تم نشره في السنوات الأربعين الماضية من مقابلات في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام المرئية والإذاعات المحلية، وما بذله بعض الباحثين والمُختصين من تصوير وتسجيل وجمع وتوثيق يحتاج إلى جهد كبير لأجل جمعه وأرشفته وهو جُهد لا يقدرُ على إنجازه فرد أو مبادرة اجتماعية صغيرة.
إن التاريخ الشفوي لا يُمكننا الاستغناء عنه فلسطينيًا إذا أردنا تتبع تاريخنا وتدوين مآثرنا وحياتنا الاجتماعية، ففيه ما أهمله التاريخ الرسمي وما غاب عن تاريخ الإقطاع والنخب السياسية.. ولو أردنا مثلًا تناول الظاهرة الثورية وأهم الهّبات الشعبية في المائة سنة الماضية لوجدنا أنفسنا نقف عاجزين عن التأريخ إلا باللجوء إلى حقل الرواية الشفوية التي حملت تاريخ الأبطال وبطولاتهم ومآثرهم رغمًا عن سياسة الاحتلال البريطاني ثم الصهيوني.
ولعل حالة الثائر أبو جلدة وعصابته الشهيرة شاهد ونموذج صارخ على أهمية الرواية الشفوية في كتابة تاريخ القضية الفلسطينية والصراع مع المشروع الصهيوني، ذلك أن شخصية أبو جلدة تكاد تكون مُغيبة عن التاريخ الرسمي وغير مألوفة في كتابات النّخبة، في الوقت الذي سيطر أبو جلدة على حيز مكاني كبير من ذاكرة الفلاحين الذين رووا عنه القصص والبطولات والأشعار المُمجدة به وبرفاقه الذين شكلوا حالة ثورية خلال السنوات (1930-1934).
أخلص للقول بأن التاريخ الشفوي مُهم وضروري وينبغي أن لا يُستهان به، غير أن الواجب الأكبر هو أن يُبادر بشكل جدي لأرشفة هذا التاريخ وتصنيفه وأن تُبذل الجهود اللائقة والمناسبة لحجم هذا الحقل الغني وأن لا يبقى مشاعًا لا يحميه إلا مُبادرون رُواد يكاد يقتلهم شغفهم مع قلة الإمكانيات ومُسابقة الزمن.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق