شرعي

من طبائع الاستبداد وأدواته

ظاهرة الاستبداد موجودة في واقع البشر وتاريخهم الطويل، لكنها تتفاوت في قوتها وآثارها مع اختلاف الزمان والمكان، وهي في حقيقتها وجوهرها واحدة؛ فالاستبداد يعني: الظلم والقهر، والاستعلاء بالباطل، والاستفراد بكل مقاليد الحكم: تشريعاً وقضاءً وتنفيذاً، ورفض قبول الرأي الاخر، بل حتى وجود الآخر، وملاحقة كل نفَس مخالف حتى وان كان محقّاً؛ لأنه يمثّل الباطل بكلّ تفاصيله، فهو يكره الحقّ وأهله!

تعالوا بنا نتحدث عن أبرز طبائع الاستبداد وأدواته، ولكن حتى تكون الصورة واضحة وجليةً أكثر، فإنني سأسقط هذا الموضوع على رمزٍ من رموز الاستبداد، بل ربما أبرزهم عبر التاريخ، ألا وهو فرعون، وحيث ذكر فرعون ذكر الاستبداد في قمة علوه وطغيانه.

فمن طبائع الاستبداد: الفساد بشتّى صوره وأشكاله، في السياسة والمال، والحكم والمعتقد، وقد عاث فرعون فساداً في كل نواحي الحياة في مصر حتى قال علوٍّ وكبرياء:

أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ ٱلْأَنْهَٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ “؟ وقال لقومه بكلّ صلَفٍ واستخفاف: “مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِى“! قال ذلك وغيره وهو يبرر لنفسه ما يقوم به من فسادٍ في الأرض.

ومن طبائع الاستبداد: الظلم والعدوان، وتغييب صوت الحق والعدالة من واقع الناس: “قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَٰهِرُونَ”

ومن طبائع الاستبداد: الاستعلاء في الأرض، والاستقواء على الضعفاء والمقهورين: “إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ”.

وللمستبدين وسائلهم وأدواتهم في فرض سلطانهم وهيبتهم، ومحاربة مخالفيهم، ومن ذلك: قمع المخالفين وتهديدهم بألوانٍ من العذاب قال فرعون للسحرة لما آمنوا: “فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ”.

ومن أبرز وسائل الاستبداد في محاربة الخصوم: التضليل الاعلامي، فهو لا يقلّ خطورةً وأثراً عن القمع والتنكيل! فهذا فرعون الطاغية يستدعي السحرة في مواجهة موسى عليه السلام: وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوٓاْ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَٰلِبِينَ”؟ لاحظ: إعلام مأجور!

ثم ها هو فرعون يُمْعن في التضليل وقلب الحقائق فيقول لقومه: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ”، ما المبرر! قال: إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ”! الله أكبر! فرعون يخشى من موسى أن يُفسد في الأرض !! إذاً هو أسلوب تشويه الضحية وإظهارها بمظهر المفسد في الأرض.

هذا الأسلوب يُستخدم اليوم على نطاقٍ واسع، خاصّة من قبل الأنظمة المستبدة في عالمنا العربيّ والإسلاميّ للأسف، فتجد وسائل الإعلام عندهم قد جندوها بكل أنواعها للدفاع عن بغيهم وفسادهم، وتشويه صور الضحايا والمستضعفين في الأرض، فهم-أي المقهورون ظلماً-مفسدون في الأرض، إرهابيون، قتلة ومجرمون، متستّرون بالدين! وصدق فيهم قول الشاعر الثائر أحمد مطر في تصوير حال المستبدين:

يضربني ويدّعي أن وجهي قام بلطم كفّي!     يذبحني ويدّعي أن دمي لوّث حدّ سيفي!

والهدف من هذا الأسلوب أولاً:

تشويه صورة الضحية لدى الرأي العام في الداخل والخارج، ومنع أي تعاطفٍ مع المظلومين فهم مجموعةٌ قليلةٌ خارجةٌ عن القانون، تهدّد الأمن والسلم الأهليّ في البلد!

“. إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ “قال فرعون:

ثانياً: هذا مبرر قوي للسلطة الحاكمة، وضوء أخضر لقمع هؤلاء المساكين المسحوقين، والتنكيل بهم دون أدنى رحمة، كل ذلك تحت سمع وبصر العالم المنافق، وصمته بل ومباركته!

وفي الختام أقول: مهما طغى الباطل واستبدّ في طغيانه، ومهما علا وتجبّر فإن مصيره إلى زوال، والتاريخ أكبر شاهد؛ وإلاّ فأين فرعون؟ وأين النُّمرود؟ وأين قارون؟ وأين كل الطغاة عبر التاريخ؟ فليعتبر طغاة كلّ هذا العصر.

فالحقّ باقٍ ما بقيت السماوات والأرض؛ لأنّ الله هو الحقّ، وهو ناصرٌ أولياءه على أعدائه، وعدّتنا للنصر على الظالمين: صبر وإعداد، وإيمانٌ وجهاد، والله مع الصابرين.

فالحق وربّي منتصرٌ          ومصيرُ الباطل خذلان

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق