اشرقات ثقافية

المعلمون بين الواقع والمأمول

الناشط النقابي أ. يوسف أبوراس

من الطبيعي أن تكون عملية إصلاح العملية التعليمية من القضايا الأكثر تعقيدا وتشابكا  وجدلا داخل المجتمعات ، ويعود ذلك لطبيعة التعليم والأهداف المنوطة  به  من حيث تقديم خدمة لأبناء المجتمع ذات فوائد متعددة لفئاته المختلفة، ولان التعليم يشكل مرجعية وأساسا  لقضايا المجتمعات ومشكلاتها  السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والأمنية والتنموية ….، لذا تسعى من خلال المؤسسة التربوية لحل مجمل المشاكل التي تعاني منها المجتمعات، حيث  أن التعليم يمثل البوصلة للنهوض والتطوير ومواكبة روح العصر , لهذا كان ولا زال يشكل جدلية وحراكا مجتمعيا يشارك فيه أصحاب القرار وصناع السياسات العامة مع باقي أطياف المجتمع .

ولان  المعلمين الفئة التنفيذية لسياسات وبرامج وزارات التربية والتعليم ، والمعقود عليهم الأمل في النهوض والتطور ومعالجة المشاكل المجتمعية ، يعتبر الشريك الأهم في عملية إصلاح العملية التعليمية ، وسياساتها ونظمها المعمول بها , ولقد جاء هذا المقال كمدخل لنقاش أوسع حول دور المعلمين في هذه العملية الإستراتيجية المهمة للمجتمع , ويهدف لإثارة حالة من العصف الذهني وحراك مجتمعي لدى صناع القرار وأصحاب الشأن ، وأطياف وشرائح المجتمع المختلفة ،حول دور المعلمين الخفي ربما أو غير المعلن أو المهمش بفعل الظروف التي نعيشها في مجتمعنا الفلسطيني ، لذا عمدنا الى عنونته ( المعلمون بين الواقع والمأمول ) .

 ولأن العملية التربوية سلسلة متكاملة تبدأ بالسياسات العليا ثم السياسات العامة فالمنهاج ثم الإدارات التربوية ، ثم المعلم ، والأساليب والوسائل  انتهاء بالكتاب المقرر ، ولا شك أن قوة السلسلة مرهون بأضعف حلقاتها ، فلو كانت كل حلقاتها قوية تكون السلسلة متينة ، أما إذا كانت إحداها ضعيفة فإنها تكون بالتأكيد ضعيفة بمجملها .

فلا فائدة من صرف  الأموال الطائلة على المنهاج  الجيد والأهداف الممتازة  والأبنية المدرسية  المريحة المجهزة بكل وسائل الراحة مع وجود خلل لدى الجهاز التربوي خاصة فئة المعلمين ،  لا شك أن الجهود السابقة تعتبر قليلة أو عديمة  الفائدة ، لان المعلم هو حجر الزاوية في العملية التعليمية التعلمية وهو الأداة التنفيذية للعملية بأسرها ، وللأسف فالمدرس هو أضعف الحلقات في العملية التربوية وهذا يعود للعديد من الأسباب ، من أبرز الأسباب أن مهنة التعليم وضعت  في أدنى السلم الاجتماعي ، مقابل المهن الأخرى  مثل الطب والهندسة  والصيدله …. ، لان المكانة الاجتماعية ارتبطت بالمال في مجتمعنا .

كما أن مهنة التعليم أصبحت مهنة غير جاذبة للخرجين ولطلبة العلم المميزين فانصرفوا لدراسة تخصصات أخرى غير المهن التعليمية ، وهذا يجعل ولوج المعلم لمهنة التعليم مكرها أو لعدم وجود بديل آخر ، ودون أدنى شك هذا يؤثر على الأداء الوظيفي للمعلم .

فالدول المتقدمة تضع مهنة التعليم في أعلى السلم الاجتماعي والاقتصادي لعلمها بأهمية دور المعلم في التنمية وبناء الحضارة والحفاظ على كينونة مجتمعاتها وشعوبها ، وعليه تصبح المهنة  جاذبة للكفاءات العلمية من الطلبة الأذكياء والمميزين ، ومن المستحيل النهوض بالعملية التربوية ، بحيث تؤدي رسالتها على أكمل وجه ،ما لم ننهض بالمعلم اجتماعيا واقتصاديا ، ونخرجه من حالة التهميش الاجتماعي والعوز الاقتصادي ، عندها نكون قد وثّقنا أهم حلقة من السلسلة التربوية في بلدنا ، لذا فإننا سنركز على دور المعلمين في تقوية هذه الحلقة المهمة للنهوض بعملية إصلاح حقيقة للتعليم في وطننا الحبيب ، بعيدا عن الشعارات والعناوين الكبيرة التي تتصدر وسائل المشهد دون أن نلحظ لها نتائج في الميدان ومخرجات العملية التربوية ، بحيث يكون النهوض على – مستوى المعلم –  لذا يأمل التطوير في الجوانب الآتية  :

  1. جسم نقابي يمثله : يأمل المعلم ويسعى الى أن يكون له جسم نقابي يحق له من خلاله  الترشح والاقتراع بشكل حر وديمقراطي بلا قيود  أو  تدخل من أي جهة كانت ، لانتخاب من يمثله ويحمل همومه والتحدث باسمه ، أسوة بالنقابات الأخرى .
  2.  المستوى الاجتماعي :- يأمل  أن يقدر المعلم عبر رفع مكانته الاجتماعية في المجتمع ، والتي ستشكل رافعة لمهنة التعليم بحيث يجعلها مهنة جاذبة لطموحات  الشباب والكوادر الأكاديمية المميزة في المجتمع   ويكون ذلك عبر زيادة مشاركة المؤسسات :المجتمع المدني, والمؤسسات  , والشركات  الخاصة في التعبير عن معاني التقدير للمعلم ، ولن يكون ذلك بشكله الجمعي الا من خلال جسم نقابي منتخب و فاعل ونشيط .
  3. المستوى القانوني والتشريعي :- العمل على تعديل وتطوير  قانون الخدمة المدنية المعدل ولائحته التنفيذيه لمعالجة بعض الاجحافات  من ابرزها ( أدنى مربوط الدرجة ) ، وتعديل قانون التقاعد من حيث رفع نسبة التقاعد , وربط راتب المتقاعد بجدول غلاء المعيشة ,ومعالجة الخلل الذي وقع بحق المرأة العاملة في القانون ، تشريع قانون حماية المعلم والمؤسسات التربوية في فلسطين ، لأنه منوط به تحقيق هيبته وكرامته والتأكيد على مكانته الاجتماعية والعلمية ، وتجريم الاعتداء عليه ، وتوفير الأمن الوظيفي له حتى لا يكون عرضة لانتهاك حقوقه من الجهات التنفيذية ، وتوفير الأمن الشخصي عبر تقييد تدخلات السلطة التنفيذية في استدعائه والتحقيق معه على أي خلفية كانت إلا بعد إعلام وموافقة نقابته ووزارة التربية والتعليم ، و التعاقد مع مؤسسات حقوقية لتقديم الاستشارات القانونية للمعلمين ، وإنشاء دائرة خاصة بقضايا المعلمين لمتابعة مشاكلهم القانونية والتربوية والعمل على حلها .
  4. المستوى الاقتصادي:- العمل على إقرار نظام مهننة التعليم على أن يشمل في بنوده أن تكون الرتب حقا وامتيازا لكل معلم تنطبق عليه شروط ومعايير  الترقية بعيدا عن وجود شاغر له ، على أن تكون المعايير التي يقييم بها الأداء واضحة قابلة  للقياس لا تختلف عليها الأفهام ، مع الاستفادة من التوابع والأثر المالي لكل رتبة ، مع تطبيق اتفاق رفع علاوة طبيعة العمل وتعزيز ذلك ، وبالتأكيد أن للنقابة المنتخبة  الفاعلة دورا في تعزيز بعض المشايع الاقتصادية التي تحسن من وضع المعلمين .
  5. العدالة والنزاهة :- العمل على تعزيز الشفافية والنزاهة بعيدا عن الواسطة والمحسوبية  في التعيينات والترقيات ، ضمن معادلة تعزيز وتكريم المجد والمجتهد , وتعزير الكسول المخفق في عمله ، وهذا الامر ذو أهمية كبيرة في عملية النهوض والإصلاح التربوي في بلادنا إن تحقق .

بين الواقع والأمنيات :-

ربما يتبادر لذهن القارئ الكريم أن هذا المقال يمثل قفزة في الهواء ودربا من دروب الخيال والأمنيات ، وأنا هنا أعذره لسببين ؛ أولاهما أننا لم نعش تجربة العمل النقابي الحقيقي المنبثق من إرادة المعلمين والممثل لها  ، عبر سنوات السلطة الفلسطينيه إن ما عايشناه  هو ظاهرة  موظفين نقابين اعتبروا العمل النقابي بالنسبة لهم مجرد وظيفة ليس أكثر، لذا من الطبيعي أن ينعكس هذا الشعور على أدائهم في إدارة  العمل النقابي في فلسطين ويصاب العمل بحالة من الجمود والترهل وافتقاره للإبداع والابتكار والمشاركة الفاعلة في العملية التربوية والخدمات المقدمة للمعلمين .

والسبب الثاني عدم تَعَوُد وزارة التربية والتعليم والقائمين عليها على نمط نقابي متكامل في التواصل في  الشؤون التربوية كافة، غير النمط المعتاد على ركيزة وحيدةٍ من الإضراب عن العمل لتحقيق بعض القضايا المادية، أو  المراجعة في بعض القضايا الإدارية لبعض الموظفين .

ولا شك أن هذه الآمال  بحاجة لجسم نقابي يمثل إرادة المعلمين الفكرية والسياسية التي هي انعكاس لإرادة الجماهير بالتالي هي الأقدر على تمثيل إرادة الجماهير في صياغة فلسفة وزارة التربية والتعليم خدمة لأهداف وتطلعات المجتمع وآماله وطموحاته ، و هي التي تعمل على تحقيق العدالة بين أبناء المجتمع  في التوظيف والترقية في الوظائف الإشراقية والقيادية للمؤسسة التربوية، ويأتي ذلك عبر الدور الرقابي له على الأداء الحكومي في وزارة التربية والتعليم ، و الشراكة الحقيقية المتكاملة مع الحكومات في صياغة السياسات العامة والأهداف  العليا للعملية التربوية ، وتصميم  المناهج والتعيينات للمعلمين والقيادات التربوية ، آملين أن يتحقق ما يصبو اليه المعلم خدمة له وللعملية التربوية بأسرها .

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق