اشرقات ثقافيةتدوينات

نتيجة حتميّة

تميّز الإنسان قديما – أو قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي- بالعقل المُميّز وبالعلم النافع – أحياناً-  وعليه كان المرء يطرح فكرته، بغض النظر عن صوابها من عدمه، بطريقة تكون أقرب للتسويق الناجح، وكان يتحيّن الفرص ويهتبلها ليكون سياق طرحه في صالحه، وبالتالي يضمن تمرير ما يريد من مواقف وأحكام وتعليقات دون أن يوجد من يعارضه.

وبالنسبة لعالمنا الإسلامي والعربي، وتحديداً العربي، فالصورة مختلفة جداً عن التعميم في بداية هذا المقال، فنحن نحيا في بلدان لا مجال فيها لا لتعبير ولا حتى لخائنة عين، فالأنظمة الموجودة في مرحلة ما بعد الاستعمار أشدّ قمعاً من جيوش الاستعمار نفسه، وبالتالي نكون نشأنا في عالم قمعي واستبدادي بصورة مجحفة، ولم يكن لدينا فرصة للتعبير عمّا يختلج في صدورنا، وكذلك لم يكن لدينا مجال للتعبير عن مواقفنا حول الكثير من القضايا.

وبعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي بصورتها الشعبية – أي أنّه يمكن لأي إنسان التعبير عن رأيه وموقفه من أي قضية مباشرة ودون رقيب- صارت القضايا المثارة تدخل المتابع في حالة من الجدل العميق والعقيم في نفس الوقت، فلا مجال عند الناشرين – على اختلاف مشاربهم- لقبول رأي مختص، أو حتى تأسيس مرجعية معينة للحكم على النص المنشور، فالكلّ يستغل هذا الفضاء الإلكتروني لتسجيل رأيه وموقفه من غير تأصيل أو مراعاة للسياق حتى، وهذا الذي نحن فيه هو نتيجة حتميّة لعدّة أمور ناتجة عن قرون كاملة من القمع والاستبداد والتغوّل الفكري والثقافي وحتى السياسي، وعليه فإننا سنسعى في هذه المساحة لمحاولة فهم هذه الأمور التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة من الجعجعة المبالغ فيها حول كل قضية تحدث.

أول الأسباب المؤثرة في حالتنا الراهنة هي النخبوية  الفئوية العميقة، والمقصود أن أنظمة القمع التي تحكمنا سمحت لفئة معينة من الكتاب والناشرين والإعلاميين بالتعبير عن المواقف وصياغة الآراء والتوجهات، وهذه النخب الزائفة مرتبطة عضويّاً بالأنظمة المستبدة وتعتبر سادن معابد الفكر والثقافة في ظلّ الأنظمة، وعليه تكون الآراء الأخرى ممنوعة ومقصاة، وبالتالي يكون كلّ من يخالف التوجه العام للأنظمة غير موجود أساساً، ويكون البديل الأسرع هو وسائل التواصل الاجتماعي، وهي مجانية ومتوفرة ويمكنك التعبير عن نفسك حتى دون أن يعلم أحدهم من تكون، فيعتبر الناشر على هذه الوسائل – في بعض الأحيان- نفسه معارضاً للنظام، ورأيه هو النصّ المقدس وكلّ من يخالفه فهو إمّا جبان أو تابع للنظام بصورة ما، فتكون النتيجة ظهور نخبة مضادّة تمارس نفس الإلغاء والإقصاء بحجة التبعيّة للنظام، وهنا نرى غياب أساس فعلي للحكم على الرأي أو الفكرة.

وثاني الأسباب هو القضاء على الوسطيين دينياّ وفكرياً، فقد مارست الأنظمة الاستبداديّة قمعاً وإقصاءً ضدّ حمل الفكر والتدين الوسطي، وهذا خوفاً من تكرار ما حدث في الربيع العربي المفترى عليه، بحجة منع التطرّف والتشدّد ومكافحة الإرهاب، وبالتالي تمّ إفراغ الساحة الفكرية والدينيّة والثقافية من صوت، كان من المفروض أن يلحق به التالي ويرجع إليه الغالي، حسبما ورد عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وهذا السبب نرى نتائجه في نقاش المسائل الفقهية والدينية، فتجد أنصاف بل أرباع المتفقهين، يحفظون مسألة أو اثنتين، ومن ثمّ يمارسون التعميم على المسائل الأخرى، ويقيس أحدهم بعقله المطلق، دون أن تتوفر فيه أدنى شروط طالب أو محبّ العلم الشرعي، فلغته أعجمية تقريبا، وكتابته أقرب لكتابات الكهوف قبل ظهور الحرف والكتابة، ورأيه الفقهي ربما يكون صحيحاً إذا اعتمدنا أحكام ديانة وضعية لم تعد موجودة، فهو يحمل النصّ المقدّس كقطعة واحدة وينزله على جزئية من الواقع وهي مبتسرة من سياقها، فلا مناط يحققه، ولا تكييفه الفقهي واقعي أو مطابق للشرع، ولا نتيجة اجتهاده قابلة للوجود أصلاً، عوضاً عن كونها حكم يمكن الأخذ به.

فمحاربة التيّار الوسطي، أنتجت نوعين من المتدينين، نوعٌ مغالٍ ومتنطع، يتبع مدرسة بعينها، ويرى غيرها كفراً بواحاً، ويستعمل الواقع المتردي كدليل على ضرورة التشدّد على غير علمٍ والكلام على غير هدىً، والمخالف له أو المنتقد يكون خوّاراً ومميعاً ومتنازلاً عن الثوابت العقدية والفقهية، ومع ذلك هذا النوع يمكن نقاشه بصعوبة وغالباً ما ينزل عند الدليل الذي غاب عنه.

والنوع الثاني من المتدينين الناتج عن محاربة التيّار الوسطي، هو المتدين المفرّط، أو المتساهل، وغالباً ما يكون هذا النوع قد نتج تدينه عن جهود ذاتية، بما أنّ المسجد محارب ولا يوجد من ينهل عنه، وغالبا ما يكون شيخ هذا النوع من المتدينين هو محرك بحث “جوجل”، أو تطبيق “اليوتيوب”، فهو ينتقي ويختار ما يريد، وما يعضل عليه فهمه أو استيعابه فهو عنده متروك ومردود، وهذا النوع هو لبّ إثارة الخلاف وتزكية الاختلاف، لأنه بكلّ بساطة لا مجال لظهوره إلّا في بيئة من الجدال العقيم والاختلاف المذموم، وكون صياغة علمه قد نتجت عن مصادر ذاتية قابلة للتحكّم تبديلاً وتعديلاً، فلا مجال لتصحيحه ولا حتى انتقاده، لأنّ كلا الأمرين يعني الدخول في معمعان معركة هامشية تستهلك الوقت والجهد دون طائل.

آخر الأسباب المؤدية لحالتنا الراهنة، هو الغرور المطلق، فكلّ من ينشر محتوىً معيّن، ويجد من يتفاعل معه، ستجده في حالة من الأنا المتعالي، يكاد يدخله جنون العظمة، وقد وقع في هذا السبب الكثير من الأفراد وكذلك الجماعات، وذلك أنتج حالة الدوران في فلك الأشخاص أخذاً وتعصباً، فبدل نقاش الأفكار في سياقها يكون النقاش في فلك الأشخاص الناشرين، وهذا الدوران في فلك الأشخاص نتيجة حتمية لحالة التيه التي نحياها، فالأفكار موجودة نظريّاً ولكن تطبيقها يعتمد على حاملها، وغالباً ما يكون حامل هذه الأفكار غير مدرك لما يحمل، وتدخله حالات المتابعة والإعجاب في غرور ومرض شهرة، فيكون الأصل عنده صوابية رأيه بصورة مطلقة، ولا مجال لنقد أو تصويب، وإلّا فأنت من خارج المجرّة ولا أساس هنا أيضاً للاحتكام إليه.

ختاماً، يرى المتابع عن كثب أنّ ما نحن فيه من دوامة الزوبعات الإعلامية، ناتج عن قشورية الفكر، وضحالة الفهم عند البعض، وترك الأهم نزولاً للمهم، وخشية البعض من مواجهة الناس بحقيقة ما يكتبون وينشرون، مما جعل غير المؤهلين واجهة العلم والفكر والثقافة، وعليه نكون قد سمحنا بصمتنا بإنشاء نخبة مغرورة وشبه جاهلة في مواجهة نخب الأنظمة الفاسدة والمفسدة.

والمطلوب أن ينهض كلّ بتخصصه، وأن نواجه الغلو والتفريط في آن واحد، فمن صمت في موضع كان يجب أن يتكلم ويبيّن فيه، فهو مساهمٌّ مباشر في تدعيم أركان الباطل من خلال تشجيع التجهيل والتمييع، وهما ركنان أساسيان لبقاء الباطل.

(واللهُ غالبٌ على أمره ولكنّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق