اجتماعيةتدوينات

المواطن المستقر

عند قراءة العنوان، أو سماعه، يتبادر إلى ذهن القارئ أنه وصف لأمر إيجابي عن حياة المواطن ومستقبله الخالي من المشاكل والتحديات الحياتية، مواطن يعيش حياةً من الهدوء والاستقرار.

لذلك تكثر تصريحات المسؤولين وأكثرهم من السياسيين، بضرورة توفير الاستقرار في حياة المواطنين، كأنَّ هدفَ الحكوماتِ تهدئة جوعه، وتطبيب أوجاعه، وتدجينه وطنياً إلى الحد المسموح.

فنجد المواطن المستقر بناءً على ما سبق ينقسم إلى:

  • المواطن المستقر الذي تريده الدولة.
  • المواطن المستقر في معناه الحقيقي.

الأول: هو المواطن الذي تسعى الحكومات المستبدة إلى تأصيله في شخصية مواطنيها، في انقيادهم وقبولهم وتبعيتهم لأجزاء متناثرة من حياتهم، فالاستقرار عندهم في هذه الحالة يعني: التنقل الطبيعي للمواطن بين بيته وعمله وعبادته، والاستماع إلى تلفزيون الحكومة وبياناتها الإذاعية ومشاهدة مبارياتها الرّياضية، وعدم إبداء الرأي وتجاوز السقف المسموح، لأنه مجرد مستمع يتلقى فقط، وعليه أن يشكر الله على نعمة الحكومة، ويثني على القادة من رأس الهرم حتى القاعدة التنظيمية في الدولة، وبمعنى آخر، أن هذا المواطن يشعر بالاستقرار حال وفرت الحكومة له جملةً من الاحتياجات الأساسية، والتي غالباً ما تربطها بسلسلة إنجازاتها، حتى لا يفرق المواطن بين حقوقه الأساسية، وبين آماله وتطلعاته، وإن اختل أحدها تصبح حياته تترنح بين فقد وضياع وخوف من المستقبل.

لذلك فالمواطن المستقر هو: نتيجة سلسلة عمليات تطويع وقمع بدأت من ساعة ولادته في المشفى الحكومي، ورافقته في حبوه على بلاط بيته، ولاحقته مع مناهج الروضة والمدرسة، حتى الجامعة، وخطب الجمعة وعناوين الصحف والأخبار، وأفلام التلفاز والسينما، وبيانات المسؤولين، وسلطة الأمن على أبواب البيوت والجامعات والمدارس.

وتسمح الحكومة له أن يتعرَّف على حقوقه السياسية، وأن يلامسَ بعضها، فيقوم بعملية انتخاب مدروسة كل بضع سنوات أو تزيد، حيث تملك الحكومة حق إلغائها أو تعديلها، أو ملاحقة المعارضين لها، فأمن الوطن وإيراداته الممثلة بالقائد وحاشيته أهم من قصاصات ورقية توضع في صندوق بلاستيكي شفاف، قد تقلب موازين الاستقرار الوطني.

حتى أنها لا تمانع أن يخرج هذا المستقر في مظاهرات ومسيرات مؤيدة للثوابت المجهولة للقيادة؛ لتُرفع صورته وعلمه الخاص، ولُتبحّ الحناجر، وتلتهب الأوتار فداءً للوطن الذي يحرسه، ولكن شرطها أن يكون ذلك في مربع محدود، ضمانة لعدم تعطيل حركة السير! وعدم الإخلال باستقرار ونظام البلد.

ومن كرمها لا تمانع الحكومة من تلاوة آيات الحيض والنفاس والطلاق، والصوم والصلاة والحج، والتسامح بين الأديان، وأن يرددها حتى طلاب المدارس في طوابير الصباح، وأن يدعو الجميع للقائد بالصحة والعافية.

ويشبه هذا المواطن القطار الذي يسير على سكة حديدٍ ذهاباً وإياباً، مبرمجٌ بشكل دقيق، حتى لا يخرج عن الطريق الذي رسم له، فيُعطي مقداراً محدداً مدروساً من الثقافة والعلم، والدين والمال (الراتب)، وحتى الصحة والدواء، يُعطى ما يلزمه؛ ليبقى محافظاً على استقراره وتدجينه وخنوعه، حتى يذهب في نهاية حياته المتوقعة بعد التقاعد لأداء فريضة الحج ويجلس في بيته منتظراً ملك الموت.

لذلك نجده يستشيط غضباً ضد الدول التي تبيح زواج المثليين، بحجة أن ذلك ضد شريعة الله؛ لكنه لا يفتح فمه في كلمة مهما بلغ عدد المعتقلين السياسيين في بلاده ظُلماً، وعدد الذين ماتوا من التعذيب!

يقول المفكر الفرنسي (إيتيان دولا بواسييه) في كتابه العبودية الطوعية:

“أنه عندما يتعرض بلد لقمع طويل الأمد لا ينفك تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية، ولا تحلم بها، ولا تتوق إليها، أجيال تتلاءم مع الاستبداد والقهر، وتعيش معه، ويظهر في المجتمع ما يمكن أن نسميه ظاهرة المواطن المستقر الخامل الذي يعيش في عالم خاص به، وتنحصر اهتماماته في ثلاثة أشياء هي: الدين ولقمة العيش وكرة القدم.”

هذا المواطن لا يقوم بأي خطوة جديدة في حياته، إلا إذا كان موقناً أنها لن تمس استقراره الحياتي، حتى أنه قد لا يجرؤ على تغيير مكان سكنه، أو حتى وظيفته، أو ينتقل من فكر سياسي لآخر، فكل ما يشكل تهديداً محتملاً ولو بنسبة بسيطة لاستقراره الخادع سيبتعد عنه، فهو لا يعبأ إطلاقاً بحقوقه السياسية، ويعمل فقط من أجل تربية أطفاله حتى يكبروا.

ويقوم المواطن المستقر بالمهام التي قام بها والده من تربية لأولاده، وتعليمهم وتزويجهم، ومساعدتهم بجهود عائلية محدودة، ويحمد الله على نعمة الراتب والوظيفة، وأن المشفى والمدرسة قريبة منه، بغض النظر عن محتواهما وجودتهما، يركب المواصلات العامة، ويقنع نفسه بأنَّ اقتناء سيارة خاصة يضر به، أو حتى امتلاك منزل صحي سيكلفه كثيراً، ويهدد استقرار حياته.

هذا الصنف الفريد من المواطنين متواجد في المجتمعات العربية بشكل كبير، وأغلبهم يدورون في فلك الحاكم، وحزبه وسياسته، يلعنون ما يلعن، ويؤيدون تأييده، ويؤمنون ويكفرون كما يفعل، كيف لا والمفتي الأعظم لهم هو بوق الحاكم! وحزبه.

فالدين عند المواطن المستقر لا علاقة له بالحق والعدل، وإنما هو مجرد أداء للطقوس، واستيفاء للشكل المرسوم له من حكومته، لا ينصرف غالباً إلى السلوك، فالذين يمارسون – بلا حرج- الكذب والنفاق والرشوة، يحسون بالذنب فقط إذا فاتتهم إحدى الصلوات! وهذا المواطن لا يدافع عن دينه إلا إذا تأكد أنه لن يصيبه أذى من ذلك، ويفعل الفاحشة والفساد في بلاده جهاراً وبعد ذلك يحمد الله!

أما المواطن المستقر في معناه الحقيقي وهو النوع الثاني: فهو كتلة من السلبية، وأداة في معول الهدم، وعقبة أمام التطوير والإبداع والانفتاح، مواطن يشكل عقبة أمام كل تغيير، فخوفه وعبوديته الاختيارية، والتي شكلت له ضمانة معيشية كانت بالأساس إغلاقٌ لكم هائل من حقوقه وفرديته، وتميزه وإبداعه في الحياة.

مواطن مستقر، أي المواطن الذي تم تدجينه ليبقى سداً اجتماعياً أمام أي إصلاح، ليثور أمام كل مصلح يشكل تهديداً لاستقراره، وهو العائق الحقيقي أمام كل تقدم ممكن، ولن يتحقق التغيير إلا عندما يخرج هذا المواطن من عالمه الضيق، وهذا يذكرنا في عبيد المنازل وعبيد المزارع فترة العبودية في أمريكا، حينما ثار عبيد المزارع على ظروفهم القاسية، وتصدى لهم عبيد البيوت؛ لأنهم كانوا أحسن حالاً، ونسي الطرفان أنهم مجرد عبيد!

التغيير المطلوب أن يشعر كل مواطن بحقوقه ويعيشها، وأن يخلع الجميع عباءة العبودية والانقياد والانخلاع التام مما كان، ويرتدي عباء المواطن الثائر؛ لتنطلق بعد ذلك إبداعات البشر كما هي دون تأطير ولا خوف ولا تهديد، فالمواطن الحقيقي هو المواطن الفعال المُصلح، الذي يقود بنفسه حركة تحرره للمطالبة بنظام شامل إصلاحي في كل المجالات يضمن حريته ورفاهيته، لا استقراره الخادع.

 ويجب أن يعلم (المواطن) أنَّ المواطنة حق وحرية، وحقوق ومساواة وعدل، وأن لا وطن ولا قيادة دون مواطنين، فالمواطن هو أساس كل وطن ووطنية، وأن الأوطان تبقى بسواعدهم وتضحياتهم، كما قال الشاعر ابن الرّومي:

وَلِي وَطَـنٌ آلَيْـتُ أَلاَّ أَبِيعَـهُ         وَأَلاَّ أَرَى غَيْرِي لَهُ الدَّهْرَ مَالِكا

فقد كرّم الله -تعالى- الإنسان وجعله أشرف الكائنات وأهمها، وسخّر له ما في الأرض والسماء؛ ليستعين بهذا كله في حياته، وطاعته والجهاد في سبيله، فكرامة الإنسان في الإسلام تستند إلى نظرية متكاملة وواضحة، وأبرز آثار الكرامة الإنسانية مساواة حياة الفرد في قيمتها مع حياة النوع البشري واستمراريته، حيث قال الله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}. (المائدة:32)

فأعطى الإسلام الكرامة الإنسانية والحفاظ عليها أولوية، فهي سبيل إلى حفظ باقي حقوقه، وأهم ذلك حق الحياة، كما منع الإسلام ارتكاب أي فعل يمس بكرامة الإنسان، كالانتقاص منه أو تعذيبه، أو الاعتداء عليه أو على عرضه وأملاكه، بل لم يقف تكريم الإسلام للإنسان عند هذا الحد؛ بل احتفظ بحق الكرامة الإنسانية حتى بعد الموت.

ويعد الإسلام أساس الحرية، فقد أوجب هذا الحق حفاظاً على كرامة الإنسان، وعلى الكيان الذي يقوم عليه الكون، وهو استخلاف الإنسان في الأرض، فسعى الإسلام إلى نشر الحرية؛ وذلك عن طريق تحرير الناس من كل ما يُقيدهم، فأعطى الإنسان قدرةً على التصرف كيفما يشاء، ما لم يؤذِ نفسه أو غيره، وأوجب على الإنسان أن يتحرر من العبودية لغير الله تعالى.

وقد اتّبع الإسلام نهجاً إلى تحرير الإنسان لم يسبقه إليه أحد، فقد عمل على إلغاء نظام الرّق والعبودية، والذي يشبه اليوم مفهوم المواطن المستقر، فبدأ الإسلام يقلّص هذا المفهوم حتى تم إلغاؤه.

كما أمر الإسلام بالمشاركة في الرأي، وجعل الحكم بالشورى؛ ليكون لأولي الحكمة رأيٌ، وحرية في التعبير عن رأيهم، فجعل الإسلام الحرية للفرد غير محدودة، سوى حدود الله التي تتضمن أصول الدين وأركانه والقيم، ومراعاة المصالح العامة.

انتهت

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق