قصة قصيرة

المَوءودَةُ

كانتْ تَشْعُرُ بِالبردِ مُرْتَجِـفةَ الأطرافِ، وَقَطَراتُ دُموعٍ مُتلاحِقةٍ سَوْداءَ صَبغَتْها عُيونُها تَـنْسابُ على وجهِها، وَاهتِزازُ سيارةِ الشُّرطَةِ يُحاوِلُ أَنْ يوقِظَ فيها شَيئاً قَـد ماتَ في مَتاهاتِ الحَياةِ، تَسيرُ السَّيارَةُ بِبُطْءٍ في عَتْمَةِ الشارع، وَبِنظراتٍ مُتَـقَطّعة تُطِلُّ مَصابيحُهُ عَليها، كأنّها تُعاتِبُها مع كل نَظرة.

وقَـفتِ السَّيارَةُ عِندَ بابِ السِّجنِ وتَسْمَعُ صَوْتَ إِحدى السَّجاناتِ مِنْ خَلْفِها…

  • هل أَحْضَرتُم القاتِلَةَ؟!

أَغْمَضَتْ عَينيْـها ِبُـرْهَـةٍ لِتَسْتَــوْعِبَ هَـوْلَ الكَلِمةِ، كَأنَّها تُحاوِلُ أنْ تَشرَحَها لِنَفْسِها، وَلكنَّ السَّجانَـةَ اخْتَصَرَت ذلك؛ لِتُرَحِّبَ بِها بِطَريقَتِها المُعتادَةِ، وتُمْسِكَ بِها مِنْ كَـتِــفِـها بِخُشونَـةٍ وَازْدِراء، وَبِصَوْتِها المُسْتَـنْكِرِ صَاحَت فيها:

  • انزِلِي يا قاتِلة!

تَسيرُ بِسَلاسِلَ مُلتَـفَّةً حَوْلَ قَـدَمَيْها كَخَلْخالٍ مِن نارٍ، خُطواتُها قَصيرَةٌ كَسَنواتِ عُمْـرِها الَّتي مَضَت، حتى وَصَلَتْ زِنزانَةً في آخِرِ المَمَرّ، ويُغْلَقُ بابُها بارتجاجٍ فَـطَرَ قَلبَها، كَمُستَـقرٍ أخيرٍ في رِحْلَتِها.

اسْتَنَدَتْ إِلى الجِدارِ بالقُربِ مِنَ النّافِذَةِ المُغلَقةِ بالأَسْلاكِ الشّائِكَـةِ، وَتُرَفرِفُ بقايا قُماشيَّة مُمزَّقـة عليها، كَأَنَّها ما زالتْ تُودِعُ حُريّةَ مَن جَاءُوا قَبلَها، لِيَـبدأَ لَيْـلٌ جَديدٌ لمْ تَعْرِفْـهُ مِن قبل، لَيلٌ ليسَ فيهِ أَضواءٌ وَلا حتى وَميضٌ باهتٌ، لا أصواتَ، ولا رسائلَ من أحدٍ لتَتَفقدَها كَما كانَتْ تَـفْعَـلُ كُلَّ لَيْـلَةٍ، لَيلٌ يسكُنُ فيهِ كُل شَيءٍ، إلا قَطَراتُ “حَنفيّة” الماءِ المجاورة، والنَّدَمُ الّذي يَنزِفُ في داخِلِها.

  • ياسَمين، عشرون عاماً، تَدرُسُ آخِرَ فَصلٍ لَها في الجامعةِ، وَوالِـدُها يَعمَلُ حارِسَاً بعدَ تقاعُدِهِ مِنْ وَظيفتِهِ، وَأُمُّها تَرعى بيتَها بِما تَبَـقى لَها من صَبر…

هكَذا اسْتَطاعتْ أَنْ تُجيبَ المُحقّقَ في صباحِ اليومِ التّالي على سؤالهِ، وَتَغيبُ في صمتٍ جَديدٍ، فَلا جَوابَ عِندَها لأَسئِلَتِهِ وَلا لِصُراخِهِ، فَداخِلُها يَصْرُخُ مَعَهُ ولكنْ دونَ صوت.

تَعودُ إلى الزّنزانَةِ من جَديد؛ يتملَّكُها رُعْبٌ لا يُقاومُ، خائِفَةً ضعيفةً صاكَةً أسنانَها حتى كادَتْ تَتَكسّرُ، تَـلتَفُ حَوْلَ جَسدِها المُتْـعَبِ لِتعيشَ الأَلمَ وَحدَها كما كانتْ تَسهَرُ وَحدَها، وتَبكي كما كانت تَضحَكُ بِجَمْعِ “الإعجاباتِ” وتَخْتَـنِقُ بِداخِلِها الكلماتُ كُلَّما تَذَكَّرتْ مِئات المُجامَلات.

ياسمينُ الجميلةُ، -آخرُ العنقودِ كما يَقولون- عاشَتْ حَياةَ الشَّبابِ بِطَيْشِهَا، وَحاصَرَتْها التَّـفاهاتُ في صُورَةِ أُمنياتٍ وَأَحْلامٍ، كَثيرونَ أَمْطَرُوها بِوُعودٍ ابتَدَعُوها؛ لِينالوا نَصيباً مِنها، وَتَرْتَـفِعُ كُلَّ يَومٍ فَوْقَ قِـمَمِ المَدائِح وَالغَزَلِ، وَصَلَتِ الْقَمَرَ يَوْماً، ونجمةً مشهورةً في آخَرَ، وافْـتَرَشَتْ قَصْراً، وَرَكِبَتْ أَفخَمَ السَّيَّاراتِ، وَنالَتْ بَعْضَ الهدايا.

عاشَتْ حَياةً افتِراضِيَّةً تُسْتبَاحُ فِيها كُل تَفاصيلِ حَياتِها، دَخَلَ الكَثيرونَ دُونَ عَناءِ كَسْرِ قَـفلٍ واحد، وَلا حَتّى فَـتْحِ الباب، كُل شيءٍ كأَنَّه يَتعرّى أَمامَ العامَّة، حتى الطعامُ والشراب واللباس، وزيارةُ العائلةِ والأقاربِ. غابَت الخُصوصيَّةُ لِتعرضَ كُلَّ شَيءٍ إلى العَلَنِ لِتَـنالَ نَصيباً من التباهي، وَتَـفـقِـدُ قُدسِيّةَ خُصوصيّاتِها تَحتَ مَدعاةِ الفرح والبهجة.

وَكُلّما أَعْطَتْ أَكثَرَ نَقَصَتْ شَيئاً ثَميْناً تَعيشُهُ بِفِطرَتِها، وَلكنَّها تَعتقِدُ أنّها زادَتْ مَدَنِـيّةً وانفِتاحاً، وَأَصبَحتْ تَتَحرّرُ من قُيودٍ عاشَتها، فِخاخٌ كَثيرَةٌ تُحيطُ بِحياتِها، وَحضيضٌ تَتّجِهُ نَحْوَ قاعِهِ بَعد أنْ انْكَفّتْ عَن حَبْلِ النّجاة.

تَراكُماتٌ أَثْـقَلَتْ حِيلَتَها وَشَلَّتْ تَفكيرَها، أَخْطاءٌ صَغيرَةٌ تَجاهَلَتها الأمُّ، وَخَطايا غَابَ عَنْها الأَبُ، تَتَجمَّعُ لِتُشكِّلَ جَبَلاً ثقيلاً مِنْ آثامٍ تَعْجَزُ عَنْ حَمْلِها لِتَـنْهارَ تَحتَ رُكامِها.

دَفَنت نَفسَها بثَـقيلٍ يعلوهُ ثِقـلٌ، رِمالٌ تَتَراكمُ فَوقَ جَسدِها الصّغير، وَتَخْـنُقُ كُلَّ رُوحٍ فِيها، تَناسَتْ أَخْلاقاً أيفَعَت مَعها، وَغابَت عَنْ فِطْرَةٍ أَصيلَةٍ لِتَدفِنَ جُزْءاً مِنها دُونَ أيِّ وَزنٍ لِلحياةِ، دُونَ ذَنبٍ أو عِداءٍ وفرصة لتشعرَ بالدّفءِ

أطلَّتْ عَليهَا شَمسُ يومٍ آخرَ، وَلكنَّها ما زالَتْ تَشعرُ بالبردِ.

تَعودُ إِلى التَّحقيقِ مِنْ جَديدٍ، والسَّجانَةُ تُمْسِكُ ذِراعَها، وَتُحاوِلُ أَنْ تَضْبِطَ ارْتِجافَها، فَتَجِدُ نَفْسَهَا أَمامَ مُحققٍ آخَرَ، ولكنَّهُ أَكثرَ هُدوءاً.

  • من هو يا ياسمين؟

رَفَعَـتْ رَأْسَها بِاستحياءٍ وَأَشارَتْ إلى عَقْـلِها الَّذي غَابَ عَنْ مُحاكَمَةِ حَياتِها، فَقد أذْعَنَتْ إِلى قلبِها وَعواطِفِها وَكانتْ قَمَراً في قلبِهِ، ولكنَّها لَمْ تَتَوقعْ لَحظَةَ الخُسوفِ.

لقد تَعَرَّفَتْ عَلى (جميل) أَثناءَ مُشارَكَتِها في إِحدى المُؤْتَمراتِ حَولَ المرأَةِ، فَكانَ مُتَحَدِّثاً بارِعاً مُناصراً لها، وَداعِياً إلى تَحَرُّرها، وَيَعيشُ حياتَهُ؛ كَيْ يُخْرِجَها من تَقاليدَ بائدةٍ، وقيودٍ مُتَخَـلِّفَةٍ -كَما أَسماها- أَحَبْت كَلامَهُ، وَبَدَأَتْ تَسبَحُ بينَ كَلِماتِهِ وَيَداها تَنْزَلقُ رُويداً رُويداً عَنْ طَوْقِ النَّجاةِ الَّذي أَحاطَتْ نَفسَها بِهِ، وَكانَتْ حِبالُهُ مُتَشَعِّبَـةً بينَ أبويْنِ عَطوفَينِ، وَعائِلَةٍ أَصيلَةٍ.

وَيَوْمَاً بَعْدَ آخَرَ تَرسَّخَتِ العَلاقَةُ لِتُصْبِحَ زَمالَةً وَصَداقَةً، ثُمَّ حُبْاً تُحيطُهُ الوعودُ الزَّوجِـيَّةُ، وَبناءَ الأَحْلامِ فَوْقَ غُيومِ الأَمَلِ.

في صباح أحد الأيام، وبينما كانت تنتظر ركوب السيارة إلى الجامعة بادرها بدعوة إلى شرب “النسكافيه”، فأشواقهما التي كتباها لَيْلاً في مواقِعِ التَّواصُلِ لم تَكْفيهِما، و”أُلبوم” الصور المتبادلة لم يُطفِئ وَساوِسَ الشَّيطانِ. و”المسنجر” لم يَعُـدْ يتسعُ إلى حُبهِما والأشواق، فَضاقت بهما العبارات…

  • سَأُحَدِّثُكِ عن الموسيقى والرَّقصِ، وأُعلّمُكِ فُنونَ الحياة، وسنركَبُ السَّيارةَ بينَ الأشجارِ؛ لِنستمعَ إلى العصافيرِ ونفترشَ الزهور.

ويكملُ الشَّيطانُ فِعلَتَهُ وَتَخطُّ يَدُهُ الآثمةَ سَطريْنِ على ورقةٍ مَنزوعَةٍ من كُرَّاسِها على عَجَلٍ مُقنِعاً طَيْشَهُما أنّ العرفَ لا يَخْتَلِفُ عن الجذعِ.

  • أتزوَّجُكِ، ويشهدُ علينا…….

 وتصبح ياسَمينُ مُباحَةً سَهْلَةَ الوصولِ، وَتُحاوِلُ أنْ تَستَجمِعَ قُواها الرّافِضَةَ ولكنَّ سُلطانَ فُؤادِها أَغلَقَ على عقلِها بإحكامٍ لتنغرسَ مَخالِـبُهُ في جسدِها الصَّغيرِ، فِتَسْتَسلِمُ غارِقَةً لِمدِّ الأفعالِ وجميلِ الأقوال، لِيَتَغيَّرَ الطَّقْسُ فَجْأَةً، وَتَرى بعضَ الغيومِ السَّوْداءِ تَعلوهُما؛ لِتَسْتُرَ فِعْلاً أَغْضَبَ السَّماءَ وَالأَرضَ، وَقَطَراتٌ مُتناثِرةٌ من المَطَرِ تَـنْـقُرُ على جَسَديْهِما وَيَغوصا في الوحْلِ وينهارُ الجِدارُ الفاصِلُ بينَ كُلِّ الشَّهوات.

وَتستمرُ السَّاعَةُ في دقاتِها كُلَّ يومٍ، وَتُرافِقُ قَـلْبَها في الانتِظارِ، وَعُيونُها مُنْتَـفِخَةٌ مثلَ مَصابيحَ سَوداءَ، يَتَملَّكُها رُعْبٌ لا يُجابَهُ.. وتُحاوِرُ نفسَها بِصَوْتٍ مُحَشْرَجٍ مِـثْلَ عَجوزٍ مُصابٍ بِالسُّلِّ..

  • كَلّا… لا أَجْرُؤُ على قوْلِ ما حَدَثَ، من سَيُصَدِّقُنِي وَيَحميني؟

دارَتْ بَكَرَةُ الأَيَّامِ إِلى نِهايَتِها؛ لِتُصْبِحَ بَـقِـيَّـةً مِنْ حَـظٍ مُـلقاةً عَلى هامِشِ الانْتِـظارِ، وَتعيشُ الغَثَيانَ على أَطْرافِ نافِذَةِ المِرْحاضِ والدُّنيا أَصْبَحَتْ ضَيَّـقَةً كُلَّما ضاقَ جَسَدُها، وَتَنْمُو بِذْرَةَ طِفْـلٍ في أَحْشائِها مُعْلِنَـةَ الحياةَ مُنادِيَةً مَظاهِرَ الأُمومَةِ لِتَـتَحَضَّرَ وَتَسْتَعدَ.

 وَتُخاطِبُ نَـفْسَهَا مُتَحَسِّرَةً:

  • هَل غَابَ جَميلٌ في سَفَرٍ مُعْتاد؟ أَمْ هَرب من تعهداتِهِ؟ أم كنتُ نَزْوَةً عابِرَةً وَمَضَتْ؟!

وتَتَذكَّرُ القُصاصَةَ الوَرقِيَّةَ في حَقيبَتِها عَلَّها تَجِدُ فِيها ما تُـقْنِعُ نَفسَها بِهِ قَبلَ غَيرِها، فَتَنْكَسِرُ مثلَ فرعٍ نَخَرَهُ السّوسُ مُنْـفَصِلاً عن عائلته.

وَتَنْـقَطِعُ اللَّهفَةُ والحِكاياتُ الجَميلَةُ وَتُمْسَحَ الرَّسائِلُ وَتُطفَأَ الوعودُ، فقد انتَزعَ منها أَجَلُّ ما يمكن، لِتُـطوَى في دَفتَرِ يومياتِهِ، ويُحَـوِّمُ الخوفُ في دَهْماءِ حَياتِها، والرَّجاءُ أصبحَ بَعيْـداً، مَرارَةٌ في الطَّعامِ والماءِ، وكَوابيسُ اللَّيْلِ رَفيقٌ دائِمٌ حَيثُ يَشُدُّها الأَمَلُ حِيناً عِندَما كانت في كُلِّ اتِّصالٍ تَتَلقَّـفُ العبارَةَ الأولى:

  • متى اللقاء؟

لتحلَّ مكانها:

  • لا يمكنُ الوصول…!”

وحيدةً خائفةً، وحَولُها كُلُّ الأَهلِ والأَصدِقاءِ، مُتعَبَةً ومَريضَةً رغمَ كُل الدواء. أفكارٌ حَزينَةٌ، وأمنياتٌ للموتِ والانتحارِ رافَقَتْ لياليها.

تُحِسُّ صَدمةً في بطنِها تَعقُبُها أُخْرى؛ وتتراخى أفكارُها قبلَ قُوَّتِها قائِلَةً في نفسها:

  • لنْ تَـقتُلَـنِي على كُلِّ حالٍ!

وعِندَ أَوَّلِ صَرخَةٍ للطفلِ أَدْرَكَتْ أَنَّهُ يُناديها، يَسْتَـنْجِـدُ فيها الأُمومَةَ والإِنسانِيَّـةَ، ولكنَّهُ أَحَسَّ فِيها تَتَصدى لِمَفاهيمِها الدّينيَّةِ والثَّـقافِيَّـةِ، وبِجَزَعٍ وتَخَـلٍّ رَآها، تهدم تَرْنيْـمَةَ الطُّفولَةِ وتَمْسَحُ القصصَ الَّتي كانَ يَسمَعُها في رَحْمِها عن الحنان فزاد بكاؤه منادياً:

  • أَنَّهُ يشعرُ بالبرد!

تَجاهَلَتْ كُلَّ استعطافِهِ إلى الحياةِ، وَأَخْرَسَتْ الأُموَمةَ في داخلِها، وتَهيمُ في زَوايا غُرفتِها لَعلَّ شيئاً ما يرشدها، وزادَ أَنينُهُ في حُضنِها وأَصابِعُهُ الصَّغيرة تتَشبَّثُ بردائِها.

تَلُفُّ نَفْسَها في عَتْمَـةِ اللَّيلِ والصُّبْحُ لَمْ يَـتَـنَفسْ بَعد، ونِداءاتُ الفجرِ إلى الصلاةِ تُوقِظُ السَّرائِرَ والوُجدانَ قبلَ الأَجسادِ و”الله أكبر” تعلو جَلَبةَ لُهاثِها.

تَحْتَضِنُ وَليْـدَها والخَوفُ يُطارِدُها، وَدَفْـنُ العارِ وَتَغطِيةُ الفَضيْحَةِ يَشْغَلانِ تَفكيرَها المَأْسور، حينَ قادَها إلى حَـقْـلٍ قَريبٍ فيهِ سنابلُ خَضراء طّريّةٌ تُشْبِهُ ضَفيرَتَها المَعْـقُوصَةَ في شَعْرِها الذَّهَبيِّ، وَتَجْثُو على رُكبَتيها لِتُـقيمَ طَقْسَ الوَداعِ الأَخير.

تَنْـظُرُ في وجْهِهِ الّذي يُشبِهُ قِطعَةَ خُبْـزٍ صَغيرةٍ، وَتتأَمَّلُ نَظراتِهِ الغائِـرةَ وَشَفَتـيْـهِ المُرْتَجِفَـةَ وَسَمِعَـتْـهُ في قلبها يقول:

  • ما الذي أتى بكِ إِلى هُنا يا أمي؟!

فتحتضنُهُ كأنَّها تُعاني رَعْشَةً مِنْ حُمى، أَو أنَّ الفُصولَ الأَرْبَعَةَ تَناوَبَتْ عَليْها في لَحظَةٍ، لا شَيءَ مُنَظَّـمٌ في تفكيرِها…

فَخَبَّأَتْ جَسَدَهُ في حُضنِها كَيْ يَدْفَأَ قَليلاً، فقد صارَ بارداً كقطعةِ رُخام.

ويعيدُها المحققُ بعدَ الساعَةِ الواحِدةِ لَيلاً إِلى زِنزانتها؛ فقد امتلأَ سِجِلّهُ بِعَرَقٍ مُتَصبِّبٍ قَبْلَ الكَلِمَاتِ، وَخَيَّمَتِ الشَّفَقةُ والأَسى على مَلامِحِهِ، وَأَصْبَحَتْ عَيناهُ مِثـلَ حَصاتَـيْنِ في جَـدْوَلِ ماءٍ.

تعودُ إلى الزَّنزانَةِ كَأنَّها تَرى رُوحَهَا تَسْبِقُها إِلَيْها؛ فالجَسَدُ مُتَـثاقِلٌ بِقَدَمَيْـنِ خَذَلَتاها. تَجُرُّ نَفْسَهَا كمِحْراثٍ فَوْقَ تُرابٍ مُوحِلٍ، فَلَمْ تَعُد لَدَيْها فِكْـرَةٌ عن الزَّمانِ والمَكان، غابَ العالَمُ عَنْها، وَتَحطَّمتْ كُلُّ الصِّلاتِ، وَتَسْبَحُ في الفَراغِ واللّانِهايةِ لِتَقَعَ على أرضِ سِجْنِها الطّينيِّ هامِدَةً، لكنَّ رُوحَها ما زالَتْ تَلْمَعُ في سَقْفِ الزّنزانةِ مِثلَ قنديلٍ باهتٍ.

تَـفتَحُ عَينيها من جَديدٍ وَتَـرى والدَها يَقِفُ عندَ طَرَفِ سَريرِهَا في المستشفى، وَقد زادَ انحِناءُ ظَهْرِهِ كَأَنَّهُ يَحْمِلُ هُمومَ الدُّنيا فَوْقَهُ، وَأُمُّها تَتكِئُ على كُرسيٍ في ناحِيَةِ الغُرفَةِ وَتَبدو تَجاعيدُها كقطعةِ زُجاجٍ مُهَشَّمٍ تَحكِي قِصَّةَ عُمْرٍ طالَ فَجْأَة.

  • سامِحوني، لقد كانَتْ لَحظَةَ ضَعفٍ تَملَّكتني

فيجيبُها والدُها بِحَنَقٍ ظاهر:

  • لقد أَكَلَ النَّاسُ وَشَرِبُوا مِني! وقالوا فينا أَبَشَعَ ما يُقالُ…

وَيَحْبِسُ دَمْعَةً كادَت تَنزِلَ، وَيَتظاهَرُ بالقوَّةِ والجَلَدِ، أَمَّا أُمُّها فَلا تَتَحدَّثُ سوى بدموعِها ونحيبِها…

لقد أَدْرَكَت ياسَمينُ للتوِّ أَنْ لا سَعادَةَ لَها على وَجْهِ الأَرضِ بَعدَ أَنْ لَفَـظَها باطِنُها وأَرْسَلَها إِلى المستشفى لِتكونَ أَشدَّ حُزناً وَسَقَماً في كل العالم.

يَمسَحُ على شعرِها مُخاطِباً ما تَبـقى منها:

  • كُنْتِ تَظنينَ يا ابنتي أَنَّ مَن في الحياةِ سَيمُدونَ لَكِ ذراعَيِّ حُبٍّ دُونَ مُقابِل، وَما هُم إِلا طَحالِبُ تَعيشُ وَتَـتكاثَرُ في بِرَكِ المياهِ الآسِنَةِ، وَأَنْتِ جَعَلْتِ نَفْسَكِ تِلكَ البِركَةَ المَحصورَةَ بينَ أَسوارٍ سَوداءَ عالِيَةٍ، حَجَبتِ شُعاعَ الشَّمسِ كي لا يُجفّفَ أوراقَكِ الآخذةَ بالتَّعفن.

وَتُتمتِمُ أُمُّها بِكَلِماتِ مَخنوقةً:

  • لقد اختَرْتِ يا بُنيّي حَياةً مَأْهولَةً بالشياطينِ، مَجْبُولَةً معَ المَعاصي، وَصارَتْ مَكاناً يَحلو لِعيشِكِ. حَرَسْتُـكِ حتى ضَعُفَتْ حَواسي وَعِندما جاءَ دَورُكِ لِتَحفظي نفسَكِ هَوَتْ إلى الحضيضِ فَأَصْبَحَتْ حَياتُكَ مَمرّاتٍ ضَيَّـقَةً كَملابِسِكِ، هاجَمَتْها حتى الأشواكُ القصيرةُ وَزَيَّنـتِ وَجْهَكِ بِأَلوانَ كاذِبةٍ حَتى لم يَعُدْ مِنَ السَّهلِ مَعْرِفَتـُكِ، فَعِندَما غِبْتِ عن حَقيقَتَـكِ كُنْتِ تُسَمينَ ذلك جَمالاً!”

وتشعرُ ياسَمينُ نفسَها كَأَنَّها خِربةٌ مَهجورَةٌ بائِسَةٌ بارِدَةٌ، عاشَتْ مِئات الأعوام، وهَجَرَها مُحِبوها بعدَ أَنْ امْتِلأَت بالشُّقوقِ، كانت أَشْبَه بأولئكَ المُجرِمينَ في ذاكرةِ أَفلامِها الَّذينَ مارسُوا كُلَّ أنواعِ الفِسْقِ وَالفُجورِ والإِجرامِ، فَلا وجودَ في العالمِ أَبْشَعَ من تِلكَ الصورة.

وتقولُ مُحادِثَةً إِحدى رَفيقاتِها:

  • نعم! أَحبَبتُ كَما يَستطيعُ أَيُّ إِنسانٍ أَنْ يُحِبَ، ولكنَّني اخْتَرْتُ دُخولَهُم من نَوافِذَ حياتي، كانوا كَثيرينَ وَغَرْبَـلَتهمُ الأيامُ، ولكنَّهم تَركوا فِيَّ ثُـقوباً تَسَرَّبَتْ مِنها كُلُّ الآثامِ إِلى جَسَدِي…

لِتُجيبُها:

  • وَأَنا كُنْتُ أَعْتَـقِدُ نَفْسي أَسيَرة!
  • كانَ عالَمِيَ مُسوَّراً، وَلكنَّهُ واسِعٌ، ولكنْ هُناكَ منْ أَقْـنَعَتْـنِي أَنَّ ما بعدَ السُّورِ هُناكَ عالَمٌ آخَرَ، كُـنْتُ أَعيشُ البَراءَةَ والنَّقاءَ حَتى تَسَلَّقْتُ يَوماً ذاكَ السّور، فَأَصْبَحْتُ مُدمِنَةَ مُخدراتٍ وَكُحولِياتٍ، لَم أَشعرْ بِأَيِّ تَرَدُّدٍ حينَها، فَـقد كُنْـتُ مُفْعَمَةً بِالفَرَحِ، عِشْتُ الشَّوْقَ المَحموم مع كُلِّ مَنْ نَـفَثَ دُخانَهُ في وَجهي…
  • وَلِماذا تُحَدثيني بَقَصَّتَكِ؟
  • أَقولُ لكِ هذا لأَنَّ ما حَدثَ ما كانَ يَنبَغِي أنْ يَحْدُثَ، وَكلُّ غِوايَةٍ نَعيشُها قابِلَةٌ للمواجَهَةِ، وَلكنَّنا لا نَستَمِعُ إِلى الصَّوْتِ الخَفيِّ في داخِلِنا لأَننا اعتَبرَنا أَنْـفُسَنا مُنْذُ الولادَةِ ضَحايا مُجتَمَعٍ مُتَخَلِّفٍ، وَلكنَّنا في الحَقيقَةِ كُنَّا قِديسات…
  • هُناكَ آلامٌ تُعذِّبُ القلبَ، وَتُطفِئُ الرّوحَ وَتُـنْهِكُ الجَسدَ، ولكنَّ الحياةَ مِثلَ وَردَةٍ تَـتفتَّحُ في كُل الاتجاهاتِ، وَيَبقى الاختيارُ لَنا إِلى النَّجاةِ يا رَفيقَتي.

تَمُرُّ الأيامُ وَتَتَناوبُ عَليْها الزّياراتُ في سجنِها من بَعضِ أقارِبِها وَصَديقاتِها، وفي كُلِّ مَرَّةٍ تَشعُرُ كَم كانتْ حَمقاءَ، وَتَسمَعُ كَلماتِ العتابِ المُزيَّنَةَ بالمُؤازَرَةِ الكاذِبَة كأَنَّها تَسْمَعُ عَجَلاتِ بابٍ جَـرّارٍ تَـنْزَلِـقُ صارِخَةً مُحاوِلَةً فَتْـحَ شَيءٍ في ذاكِرَتِها أَغْلَقَتْهُ مُنذُ زَمن.

لكنَّها كُلَّ لَيلَةٍ وفي كُلِّ شَهرٍ عِندَما تُطِلُّ مِن نافِذَةِ السِّجنِ إِلى السَّماءِ، يَتَحَرَّكُ في ذاكِرَتِها رَمادُ تِلكَ اللحظاتِ الَّتي أَحْرَقَت فيها حياتَها وَبَقايا ذِكْرَياتِ وَكَلِماتٍ وَأَفعالٍ لا يُمْكِنُها أَنْ تُدافِعَ عنْ نَفسِها مِنها، وَتستيقِظُ كأنَّ وَجْهَهَا مَصبُوغٌ بِسوادِ ذاكَ الرَّماد، وَتُعاوِدُ غَسْلَهُ مُسْتَعينَةً باللّه مُهتمَّةً بِعبادَتِها وَتَنْقيةِ رُوحِها وَجَسَدِها كأَنَّها تُقاوِمُ وَتَستَنـفِذُ كُلَّ طاقَتِها وَتُريدُ إِنهاءَ حياتِها المضطربةِ لِتعودَ إلى الحياةِ الصَّافِيَةِ النَّقيَة، فقد كانَت هُناكَ نَوافِذُ مُغْلَقَةً وَبَدَأَتْ تَـتَفتَّحُ في تفكيرِها…

  • بَدَأَتِ الحَياةُ تُلَوِّحُ لي بِيَدِها مِن خَلفِ الأَسْلاكِ. أَراها مِنْ خَلفِ أَهدابِ عُيوني المُوارِبَةَ عَلى كُلِّ ضوء، فَكُلُّ دَقيقَةٍ هُنا قَرْنٌ وَأَعوامٌ منَ العذابِ رُغْم أَنَّ الاحتفالَ يَقتَرِبُ.

حَلَّتْ بُشرَياتُ عيدِ الأَضحى وَتكبيراتُه مَحْمولَةً عَبرَ الهواء، تَمْـتَـزِجُ مَعَ صَوْتِ البُكاءِ والنَّحيبِ في أَرجاءِ السِّجن، فَلا طَعْمَ للفَرَحِ وَلا اللقاء، فَتَـفاصيلٌ كَثيرَةٌ ما زالَتْ تُشَوِّشُ كُلَّ فَرْحَةٍ قادِمَة وَتَـثورُ المشاعِرُ كُلّ لَحْظَةِ انْـفِراد.

  • يَحتجُّ داخلي وَتَتصارعُ أَفكاريَ، أينَ هي ياسمينُ الأُولى؟ أينَ هو جميلٌ بِقُبحِهِ وَدَناءَةِ أَفْعالِهِ؟

في اليَومِ التَّالي تُحْضِرُ لَها رَفيقَتُها قِطعةَ حَلوى مَلفوفَةً بِوَرَقَةِ صَحيفَةٍ يَوميَّة، وَتَضَعُها على طَرَفِ السَّريرِ، وَكانَت ياسَمينُ مُمددَّةً تُراقِبُ السَّقْفَ، وَبُقَعَ الرُّطوبَةِ الَّتي تُـشْبِهُ الغيومَ السَّوداءَ الَّتي طَبَعَتْ حَياتَها فيما مَضى، وَتَـنْـتَـفِضُ مِنْ فِراشِها فَجأَةً، وَصَرخَةٌ كَبيرَةٌ تُحاوِلُ انْـتِـزاعَ حُنْجَرَتِها رَغْماً عَنها كَأَنَّها استَـفاقَتْ مِن كابُوسٍ، حَيثُ تُريدُ الصُّراخَ أَكثر…

  • إِنَّهُ جَميل! نَعم إِنَّهُ هُو…

وَكانَتْ صُورَتُه مَلطَّخَةً مُجعَّدَةً مَطويَّةً في طَرَفِها، وَعِبارَةٌ باللَّونِ الأَحمر تقول:

  • إِلْقاءُ القَبضِ عَلى مُجْرِمٍ هارِبٍ مِنَ العَدالَةِ…!

انتهـــت

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق