إشراقات سياسيةمن الذاكرة

عبد القادر الحسيني.. الحياة مقاومة

يمثل عبد القادر الحسيني جيلاً من المقاومين الفلسطينيين الذين خاضوا معاركهم العسكرية الأولى أثناء الاحتلال البريطاني، وكانوا خَلَفَاً لجيل شاركهم المقاومة، لكنَّه سبقهم في التعرف على السلاح أثناء الحقبة العثمانية، وهو من أبرز من دشَّنوا ظاهرة انخراط الجامعيين الفلسطينيين (طلبة أو خريجين) في المقاومة، وقيادة أجنحتها العسكرية، وهو من رموز المقاومة ممن أطلقنا عليهم في هذه السلسلة “قائمة أول الرصاص وأول البنادق”، خصوصاً وأنَّه كان قائداً ميدانياً لامعاً في كبرى الثورات الفلسطينية ضد بريطانيا بين عامي (1936-1939)، وأحد أهم القادة العسكريين في معارك النكبة الشهيرة عام 1948.  

جوانب من سيرة عبد القادر الحسيني 

ولد عبد القادر الحسيني في مدينة القدس المحتلة عام 1910. والده موسى كاظم الحسيني رئيس بلدية القدس، وأحد أهم قادة الحركة الوطنية حتى عام 1934، وأمَّه زكية الحسيني (توفيت قبل أن يكمل عامه الثاني)، وزوجته وجيهة الحسيني، وأولاده موسى، وفيصل، وغازي، وابنته هيفاء. درس المرحلتين الأساسية والثانوية في مدارس الرشيدية وصهيون الإنجليزية وروضة المعارف، وتخرج من الأخيرة عام 1927، ثمَّ التحق بالجامعة الأمريكية في بيروت لفترة وجيزة، وحصل على درجة البكالوريوس في العلوم قسم الكيمياء من الجامعة الأمريكية في القاهرة عام 1932، لكنَّه مزَّق شهادته الجامعة احتجاجاً على سياسة الجامعة التبشيرية والاستعمارية، وعاد إلى القدس، وعمل موظفاً في دائرة الأراضي في فلسطين، ثمَّ عمل مدرِّساً للرياضيات في الكلية العسكرية الملكية في الرشيد في العراق، ومدرِّساً في مدرسة التفيِّض المتوسطة في بغداد، كما أنَّه سافر إلى السعودية وعمل فيها.  

عبد القادر الحسيني.. المقاومة حتى آخر نَفَس

انخرط الحسيني في الحركة الوطنية في شبابه المبكر، وشارك في المظاهرات المندِّدة بسياسات بريطانيا في فلسطين وبنشاطات الحركة الصهيونية، وكان نشيطاً في الجهد الطلابي المناصر لفلسطين أثناء دراسته الجامعية في مصر، خصوصاً ضمن رابطة طلابية لنصرة فلسطين، واستمر في نشاطه السياسي بعد عودته من مصر، فانتسب للحزب العربي الفلسطيني، وأصبح من كوادره الفاعلين، وترأس سكرتارية جمعية الشاب المسلم المتعلم في القدس.

شكَّل اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى نقطة تحول مركزية في نشاطه الوطني، إذ استقال من وظيفته الرسمية، وانخرط بكليته في المقاومة المسلحة، وتماهى مع إيمانه العميق أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لطرد الاحتلال البريطاني من فلسطين ووقف المشروع الصهيوني فيها، وأصبح أحد أبرز قادة الثورة، وشارك خلالها في أكثر من معركة منها: معركة حلحول الشهيرة أواخر أيلول عام 1936، والتي انتصر فيها على القوات البريطانية، وهي المعركة ذاتها التي شارك فيها محمد سعيد العاص، ومعركة الخضر في السادس من تشرين أول/ أكتوبر عام 1936، وقد غادر أثناء الثورة إلى دمشق ثمَّ إلى ألمانيا، حيث تدرَّب هناك على تصنيع المتفجرات، ثمَّ عاد إلى فلسطين في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1937، وقاد الثورة في منطقتي القدس والخليل، حتى معركة بني نعيم التي جرت في الثامن عشر من كانون الأول / ديسمبر عام 1939.

لجأ إلى العراق، بعد أن حوصرت الثورة الفلسطينية، وأطفأ عُنف بريطانيا لهيبها، والتحق بالكلية العسكرية الملكية في بغداد، وشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق ضد بريطانيا، في لفتة مهمة تدل على انتمائه العروبي، واستغل أحداث الحرب العالمية الثانية، وما فرضته من معادلات دولية جديدة، فسافر سراً إلى المانيا وتلقَّى هناك تدريباً عسكرياً، ثم وصل مصر في شهر شباط/ فبراير 1946، وفي منزله المتواضع في حي شبرا في القاهرة، بدأ بالتخطيط لتأسيس الجهاد المقدس، وانكب على شراء السلاح وجمعه وكانت البداية بسبعين جنيها كانوا معه، وتعاون في ذلك مع جماعة الاخوان المسلمين وغيرها من أحرار مصر، وشرع بتدريب بعض الشباب الفلسطيني المتحمس من بينهم عناصر من منظمتي الفتوة والنجادة الفلسطينيتين، وقد واجه عقبات كثيرة، خصوصا من يهود مصر، حيث سَطا مجهولون على بيته وسرقوا كامل محتوياته، وتسمم جميع أفراد عائلته، ثمَّ عاد إلى فلسطين في الثاني والعشرين من كانون الأول عام 1947، ليدخل مرحلة جديدة، بإشرافه على الشؤون العسكرية في الهيئة العربية العليا، وقيامه بالتأسيس الفعلي لتنظيم “الجهاد المقدس” الذي باشر بالعمل المسلح في القطاع الشرقي من المنطقة الوسطى مطلع كانون الأول/ ديسمبر عام 1947 ، ولاحقا توسع نشاط التنظيم، وأصبحت معظم التشكيلات العسكرية الفلسطينية المقاوِمَة تحت إمرته منذ 15 أيار عام 1948.

 اتخذ عبد القادر الحسيني من بلدة بيرزيت مقرا لقيادته العامة، وشرع بتنفيذ العديد من الهجمات النوعية على مواقع القوات الصهيونية، وخاض معارك شرسةً دفاعاً عن المدن والبلدات والقرى الفلسطينية، منها معارك القدس وجوارها، وقد نجح فيما بات يُعرف في الأدبيات العسكرية بحرب المواصلات، حيث خاض معارك صوريف وبيت سوريك والمصيون، وشعفاط و”نفيه يعقوب”، وتميَّز بعمليات النسف للمواقع الصهيونية في مدينة القدس منها: نسف عمارة البالستاين بوست، ونسف شارع بن يهودا، ونسف الوكالة اليهودية، ونسف حي المونتفيوري.     

عبد القادر الحسيني.. أثمان وتضحيات

لم تكن مسيرة عبد القادر الحسيني النضالية مفروشة بالورد، فقد واجه عدداً من التحديات الصعبة، ولولا شخصيته القوية لتراجع عن مساره من اليوم الأول، واكتفى بما قدَّمه أثناء دراسته الجامعية أو خلال مشاركته في ثورة فلسطين الكبرى عام 1936. لقد فصلته إدارة الجامعة الأمريكية في بيروت بسبب نشاطه السياسي، وأبعدته السلطات المصرية عن مصر عام 1932، وأصيب في المظاهرات التي اندلعت في يافا ضد بريطانيا عام 1933، وأصيب مرة أخرى في معركة الخضر عام 1936، وفي معركة بني نعيم عام 1938، وتعرض للاعتقال من قبل بريطانيا وأعوانها عدة مرات، منها اعتقاله في فلسطين وهو جريح عام 1936، ثمَّ اعتقاله في العراق، ونفيه إلى بلدة زاخو شمال العراق، ثم اعتقاله مجدداً بعد اتهامه باغتيال فخري النشاشيبي في بغداد، كما ووضعت زوجته في الإقامة الجبرية في بغداد لمدة عشرين شهراً، وواجه صعوبات مع اللجنة العسكرية العربية المكلفة بإدارة الصراع في فلسطين في المرحلة الأولى من أحداث النكبة، حيث وضعت عراقيل أمامه، وقلَّلت من قدراته القتالية وتفكيره العسكري الاستراتيجي، متأثرة ببرود العلاقة بين الحاج أمين الحسيني والزعماء العرب، وختم حياته بالشهادة في معركة استعادة القسطل في الثامن من نيسان/ أبريل 1948، ودفن في مقبرة المسجد الأقصى.

خاتمة

حافظت سيرة عبد القادر الحسيني على بريقها الملهم طوال عقود من الصراع مع الاحتلال وما تزال تلمع وتؤدي دورها في ترك الأثر الطيب في نفوس الفلسطينيين جيلاً بعد جيل، ولعل استمرار الكتابة عنه حتى يومنا هذا دليل بقاء سيرته غضة طرية وجذَّابة حتى يومنا هذا، ولا يمكن لهذا المقال أن يعطي السيرة حقها، لكنَّه يغطي جزءاً يسيراً منها. رحم الله عبد القادر الحسيني وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.  

المصادر والمراجع:

  • الصور المرفقة مع المقالة مأخوذة من كتاب “داخل السور القديم نصوص قاسم الريماوي عن الجهاد المقدس”.
  • الأغا، نبيل خالد. “قضية فلسطين في سيرة بطل: الشهيد الحي عبد القادر الحسيني”. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980.
  • شلش، بلال. “داخل السور القديم نصوص قاسم الريماوي عن الجهاد المقدس”. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020.
  • عدوي، عبد الله، فارس، عوني. “سلسلة النخبة الفلسطينية (2)”. ج2، استنبول: مركز رؤية للتنمية السياسية، 2021، ص104-106.
  • قاسمية، خيرية. “عبد القادر الحسيني في ذكراه الخامسة والعشرين”. “شؤون فلسطينية”. العدد 20، نيسان/ أبريل 1973، ص 6- 12.
  • محسن، عيسى خليل. “فلسطين الأم وابنها البار عبد القادر الحسيني”. عمّان: دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية، 1986.

مرفق صور تتعلق بالمقال

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق