من الذاكرة

مبارك أبو يامين..صفحات مجهولة من حياة مجاهد أردني

ربما لا يعرف الجيل الحديث الشيخ مبارك أبو يامين العبادي، الذي كان أحد القادة الثوريين الأردنيين، الذين حاربوا بإخلاص ضد الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية.
وُلدَ الشيخ مُبارك أبو يامين الرماضنة العبادي، في عام 1880. والذي ينتمي لقبيلة بني عبَّاد القاطنة في الأردن منذ مئات السنين. تعاونت قبيلة بني عباد شرقي نهر الأردن، ممثلة بالشيخ مبارك أبو يامين، مع قبيلة النصيرات وقبائل فلسطينية أخرى غربي النهر، على تهريب المجاهدين الفلسطينيين والأردنيين، المقاومين للإنتداب البريطاني وعصابة الهاجانا الصهيونية، وتهريب السلاح، خصوصاً في الفترة من 1929 إلى 1948. وذلك عبر دروب مخفية لا يعلم عنها البريطانيون، في ما سُمي بالجسر الثالث.
كان الشيخ مبارك، رحمه الله، يملك بساتين وبيارات في منطقة داميا، سخرها لإخفاء السلاح الوارد من بلاد الشام والعراق، كما انه أنشأ في إحدى غرف منزله مستشفى ميداني، لعلاج المصابين من المقاتلين، في المعارك التي يخوضونها ضد جيش الإنتداب والصهاينة، نظراً لعدم قدرتهم على اللجوء للمستشفيات والعيادات العامة الخاضعة للاحتلال البريطاني. وقد تطوع عددٌ من الأطباء الفلسطينيين والأردنيين، وعلى رأسهم الدكتور قاسم ملحس، بعلاجهم سراً. وعندما كانت تشح الأدوية في عمان، كانت الأخبار تطير إلى القدس ونابلس وغيرها، فيتم تزويد مستشفى الشيخ مبارك، على الفور، بالأدوية والمستلزمات الطبية، التي كانت تُهرب عبر الجسر الثالث، على طريقة تهريب السلاح.
ومن القصص التي تم تداولها عن نُبل وكرم الشيخ مبارك أبو يامين، انه عندما أرسلت إليه اللجنة العربية العليا في بيروت، مبلغ عشرة آلاف جنيه ذهب، مع الدكتور قاسم ملحس، تقديراً لجهوده، في دعم الثوار ومساهمةً منهم في تمويل عمليات نقل وإيواء المجاهدين والسلاح، ما كان من الشيخ مبارك إلا أن رفض اخذ المال، متبرعاً به لشراء السلاح، وقال مقولته الشهيرة “أنا أعشّي وأمشّي لوجه الله تعالى”.

في منتصف الثلاثينات، تعرضت بساتين الشيخ مبارك لمداهمة من قبل كلوب باشا، وهو ضابط بريطاني كان قائداً للجيش الأردني بين عامي 1939 و1956، ترافقه دورية عساكر بريطانيين، بأمرٍ من المندوب السامي البريطاني في القدس، للبحث عن أي سلاح أو مقاومين لديه، وذلك بعد وصول إخباريات لهم بذلك من جواسيسهم. ولما كان الشيخ مبارك على علم بالمداهمة قبل وصولها، عن طريق قائد الشرطة في السلط صدقي القاسم، فإن كلوب باشا وأعوانه لم يجدوا لا أسلحة ولا ثوار في بيارات الشيخ.

وعندما وصل إلى المضافة حيث يجتمع الشيخ وضيوفه، لم يهب الشيخ لاستقباله، بل وقام بعض العاملين في المضافة باستعراض عسكري بالمكانس سخريةً من المداهمة وقائدها. مما اعتبرها كلوب باشا إهانة مباشرة له من الشيخ مبارك، وأسرها في نفسه. وما لم يكن يعلمه كلوب باشا حينها، أنَّ السلاح كان تحت مجالس الشيخ ورجاله في المضافة نفسها.
في عام 1938، علم كلوب باشا، والملقب بأبي حنيك، عن طريق عيونه، بأنَّ الشيخ مبارك وبعض رجاله متوجهين إلى قصر رغدان في عمان، للقاء الأمير عبدالله الأول ابن الحسين، فقام بإلقاء القبض عليه بتهمة ملفقة، وتم إيداعه و42 رجلاً في سجن بمدينة السلط.


وعلى مدار تسعة شهور، تكفَّل أهل السلط بإطعام كل من في السجن من حرس ومعتقلين، إكراماً للشيخ مبارك رحمه الله. ويُعَد الشيخ مبارك أبو يامين أول سجين سياسي أردني يضرب عن الطعام، في تحدٍ سافر للمحتل البريطاني، واحتجاجاً على سجنه ظلماً وبهتاناً بتهمة الاعتداء على حرس حدود بريطانيين.

وتوالت الوساطات من بيروت ودمشق والقدس وغيرها من المدن العربية، وتدخل الأمير عبدالله بن الحسين شخصياً للإفراج عنه.

فخرج من السجن بعد 9 شهور قضى معظمها مضرباً عن الطعام، واستقبلته النساء بالزغاريد.
تابع الشيخ مبارك أبو يامين العبادي دعمه للمقاومة حتى بعد انتهاء الانتداب البريطاني، الذي سلم فلسطين إلى العصابات الصهيونية عام 1948. كما قام بنقل اللاجئين الفلسطينيين إلى الضفة الشرقية من نهر الأردن، بعد المجازر والمذابح التي ارتكبتها بحقهم هذه العصابات.


توفي الشيخ مبارك أبو يامين العبادي، رحمه الله، عام 1984، صاحب المشروع الوطني والقومي، بعد أن شهد ضياع فلسطين، رغم كل التضحيات التي قدمها هو ورجالٌ من أمثاله.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق