قصة قصيرة

المسير – الجزء الأول

أمسك بيدها الصغيرة، وأصابعه تضم كفها اليُسرى، وبالثانية تضم دُميتها القطنية المبقعة بالتراب محاولةً احتضانها، وكان مستنداً على كتف ابنه أحمد الطالب الجامعي الهادئ، يتقدمهما بخطوة أو خطوتين كقائد يأبى أن يترك موقعه، وكُلّما تعثرت خُطاها وجدت نفسها مُستندةً إلى يده القويّة، يُنهضها من جديد لتسير بجواره:

“لن يستغرق الأمر كثيراً -يا أبنائي- تابعوا المسير فقط”

يتبعونه مثل ظلّه -كما تعودوا دائماً أن يسيروا في زقاق المخيم- حينما كانا يقفزان فوق عتبات البيوت ويلاطفان الأطفال الجالسين في الزقاق ويساعدان العجائز في حمل أغراضهن- وعند طرف المُخيم، تحتَ القوس المعدني الضخم، حيث بدأ الصدأ ينخر أطرافه وبهتت الصورة الضخمة المُعلّقة عليه بادرهم بسؤالٍ مُقْـتَضَبٍ: هل ترون الجبال المقابلة؟ والتي أصبحت بيوتُ الاحتلال سقفاً لها؟

وأكمل متألماً: “حتى زقزقة العصافير غابت وتباعدت الأشجار والأعشاب عنها لتحيط بها من بعيد، كأنها تتظاهر حول السلك الشائك وتلك الصخور المحطمة من جرافاتهم هرولت إلى الوادي باحثة عن استقرار مؤقت يجمعها”.

قفزت جنى خطوتين أو أكثر فالصغيرة تعشق ذلك لأنها اعتادت القفز فوق عتبات البيوت فرأت نبع ماء يتسرب من بين الصخور، مُحاطاً بهالةٍ خضراءَ مسودّة حسبتها عُشباً.

وتساءلت ببراءة: “هل تبكي تلك الصخور يا احمد؟”

ليجيبها -وكان تبعها-: لَعلّها آلمها شَقُّ جرافات الاحتلال طريقاً فيها، فتعفّـنت جِراحُها، أو تبكي شوقاً لأناس كانوا يشربون منها.

يُسارعون الخُطا فالطريق ترابيٌ، وهناك مقاطع معبّدة كأفعى رقطاء تتلوى بين الأعشاب لا يستطيعون السير عليه وسيطول كُلّما تأخّروا

ليتساءَلَ أحمد هذه المرة: “لماذا يطول الطريق؟”

“أليست المسافة نحو المدينة نفسها؟”

يبدو أنَّ أحمد لا يعلم أنه يسير بطريق مختلف وكلما ابتعد عن الطريق، وتراخى بالمسير حتماً ستطول، فما باله إن نسي الطريق أو تاه في طرقات وعرة.

لا يعلم أن كثيراً من السائرين عندما اجتاحتنا نكباتنا تاهوا وتمثّلت لهم طُرقهم سراباً، يركضون دون جدوى وكلما ظنوا أنهم اقتربوا، ابتعدوا أكثر وأكثر، حتى تتلاشى أحلامهم بلا رجعة.

اعلم يا أحمد أننا في مسيرنا هذا، لا نشبه غيرنا من السائرين، شئنا أم أبينا.

يخاطبه والده: هناك دائماً من سيخالفك في الاتجاه، أو حتى يَقطعَ عليك المسير آمِلاً بوصول أسهل حسب اعتقاده. وفي كل طريق، كما في كل مكان، ولكل قضية وطنية سنجد من يُحب مسيرنا ومن يبغضنا، إنه الاختلاف الفطري الدائم فينا. فلكل منا بوصلة فطرية في قلبه وعقله تقوده إلى طريقه. وسائرون كثيرون فقدوا الاتجاه عندما أساءوا استخدام بوصلتهم!

لعلَّهم يجدون في حافلة يوم الجمعة الذاهبة للمدينة مُتسعاً، أو ييسر الله لهم “ابن حلال” يُقلهم معه ليرتاح والده وتسلم جنى من شقاوتها.

قلَّ الذاهبون عاماً بعد عام، ولا يدري الأب ما السبب؟

هل هي وعورة الطريق وصعوبتها؟، أم قلّـة السائرين؟

أو قد تكون الشوارع -حسب رأي أحمد- مكتظة في مكان ما، أم هناك حاجز يمنع القادمين والذاهبين.

أو كما قال أبي: إنَّ القلوبَ والمشاعر هي المكتظة دائماً، تتـزاحم فيها هموم الماضي لتتعثر مع خطوات الحاضر وتنظرُ دائماً إلى المستقبل، فمن كان قلبه مرتبطاً بالمدينة؛ سيجد ألف طريقة وطريق إلى الوصول.

ويتمتم الأب: “من كان هدفه الوصول لن تعجزه الحيلة.”

توقف من تعبه مستنداً إلى القوس المعدني متأملاً بنظراته المكان وهدوء الشارع، فالصباح لم يبدأ بعد عند الكثيرين، رغم زقزقة العصافير في السماء. فهناك أناس لا تعنيهم نداءات الصباح، فقد اكتفوا بالجلوس والانتظار.

دعني أقول لك يا ولدي:

“أن على الطريق، كثيرون يحاولون أن يسرقوا منا أحلامنا، كما يسرقون قوتنا وأرضنا ويسرقون بسمتنا. لكنهم لا يسرقون مشاعرنا مهما كانت، فهم بعيدون عن كل شعور. وعليك أن تنتصر لحياتك وعيشك بأي طريقة. كما تنتصر لدينك ولمسيرك ووطنك.

يُعلّمه أنّ الثقة بالهدف واختيار الطريق؛ مصباح يضيء في وقتٍ ما.

وكانت جنى تتبعهم وتعلقها بهما وثقتها به كأب وفخرها به كأخ يعرف دائماً الطريق.

“الحياة يا أبنائي تمر… وستمر… وقد لا يحدث فيها شيء سوى أنها تمر… يودون أن يعيشوا طويلاً، وأن يفرحوا، ولكنهم لا يرغبون بأن يصبحوا عجائز في سعيهم إلى الحرية، تلك الحقيقة المرة عن الحياة.. لا بد في النهاية من الوصول، وصول الفائزين المنتصرين، لا المخذولين الضعفاء.

“لو يعلم أبي أن المخيم هو كل ما أعرفه. أعرفه ببيوته تعلوها خزانات المياه كأنها سقف آخر، أعرفه بطيبة سكانه وازدحامهم في كل مكان أسمعه في صيحات البائعين، أراه بذبول شوارعه وضيقها، أشمه برائحة قَلي الباذنجان والبطاطا والبيض، قلبي يراه في تشابك أزقته كما تتشابك فيه قلوب الناس وقت الشدائد، أعرفه كما يقولون: (معسكراً للأبطال)”

حاول أن يشتري لهم بعض السعادة في المخيم، تعب وناضل، وبحث لهم عن الأفضل؛ فوجد نفسه جبلاً جليدياً عائماً يغذي نبع حياتهم، يذوب مع إشراقة كل يوم وأدرك حينها أنه الشخص الذي سيسعدهم ويحبهم، سيحبهم فقط لذلك، وليس لشيء آخر.

هذه حقيقة لا تحتاج إلى تفسيرات حسب شعور جنى، فمشاعر المحبة النابعة من داخلهم تمتلك معنى حقيقياً ستحترمه وتتذكره.

والدهم عاش في المخيم حياته، فيه كل الماضي وقليل من الأحلام وطيف من المستقبل، اختصرت فيه الحياة وأصبح على جسد الوطن كتلك البقعة البنية الباقية بعد الجرح تنزف كلما حاول أحدٌ قشرها وإن أبقيتها لا تنفك تدعوك لحكها دون أن تستطيع قشطها.

يعيشون فيه على المختصر من العمل والنوم والرزق وحتى الزواج، حتى موتهم مختصر، جرائمهم وتبريراتها مختصرة، ويحاكمون عليها باختصار.

حريتهم وكلماتهم مختصرة، عندهم مختصر من القانون والنظام والعدل وطعامهم وشرابهم مختصر، حتى عدسهم وأرزهم وطحينهم أصبح مختصراً.

فمن جرب طعم المخيم، تذوق طعم الألم وأكثر البشر تعاطفاً مع الآخرين وقت المصائب من عاشه.

أنا وأنت وهو وهي أصحاب قضية اختصرها بعض أصحابها بكلمة كمن يؤدي التحية لقاتل ليطيل في عمره.

تقدموا للأمام قليلاً، وأدار وجهه لِـيُــعْلِمهم أنّ المخيم ورغم وجوده حقيقة في حياتهم، فليس كل موجود يعيشونه صحيحاً أو مباحاً، أو حتى قدراً دائماً.

ومن وراء السور المائل على طرف الطريق، الذي تزينه صور الشهداء، وبجانب حفرة مملوءة بالماء كانت مكان شجرة، ظهر رجلٌ يصبغه الإرهاق، والزمن فعل فعلته في انحناء ظهره.

بادرهم بابتسامة لطيفة فقد جاء من المخيم مثلهم ولكن من زقاق أوسعَ قليلاً قرب السوق. كان يسير خلفهم بصمتٍ حتى لا يزعجهم، فحديثهم ممتع، فقد ترك دكانه في طرف السوق القريب من المسجد، حيث اعتاد المصلون عند خروجهم منه التبضع لعائلاتهم، وقد حفظ أسماءهم كما حفظ ديونهم، وحتى ما يشترونه كل شهر.

كان دكانه مليئاً بطحين الوكالة وحليبها، وبعض علب السردين، ولفائف المحارم الزرقاء الخشنة، وبعض الأقلام الصفراء والدفاتر.

استمع لجزء من حديثهم، فالمخيم بالنسبة له كما في كل قرية أو مدينة، منهم من عاش فيه ظالم لنفسه، ويعترف بالحقيقة، حقيقة النهاية لهذا اللجوء القاسي، ولكن لم يحسن اختيار البداية، بداية الخروج منه، فالعاطفة أحياناً لا تجدي نفعاً ولا يمكن أن تكون سيدة القرار في اتجاه مسيرها، ومنهم من عاش فيه متطلعاً لغد أفضل ليبدأ الانطلاق.

لكنّ أباهم لا تهمه الحياة بقدر اتجاه مسيرها ويؤكد أن أي وقوف خاطئ في الطريق، قادر على هدم بناء مسيرة أمضوا فيه زمناً يـرفعونه ويزينونه بزهور قلوبهم وفلذات أكبادهم، وطالما تأملته عيونهم، يبتسمون وينامون تحت ظله، ثم يصحون بلا بناء أو جدار، بلا رسم ولا حتى ورود، ويبقون فقط مع الفكرة.

كان صوت البقال وهو يحادثهم بعيداً رغم قُربه منهم: “قيمة وجود الإنسان لا تكمن بالمظهر الجميل، واللسان المعسول، بل بقلب طاهر عامر بالإيمان، وعقل يخلو من شوائب التفكير، ومتاهة الطرق المطبوعة.”

وبرأيه إن الذين يجلسون على رصيف أحداث الوطن متفرجون؛ كما يسميهم البعض “التجار”، قاموا بكثير من العمل الهامشي، والتنظيري، كأنهم يملكون عِليَّـةً وضعوا فيها أهدافاً للتخزين، صعبة التنفيذ، حصدَ الجميع من ورائها خيبات الأمل، والكثير من الوعود، وفي نهاية الصبر على طبقة القادة المستبدة تلك، نُسِيت الطريق، ولكن لم تُـفـوّت الفرصة بعد.

قالت جنى، والغرابة تسيطر على قسمات وجهها الصغير:

هل كل شيء سيتبخر؟

ويتساءلُ أحمد: هل يبقى الأمل؟

شدّ والدهم على ساعدهما: “أنتم الأمل”

ولكن رغبة البقال في السير معهم واضحة، فوعورة الطريق وطوله، تهون بالرفقة والحديث.

فأشاروا إليه مرحبين: “لكن طريقنا من هنا إن كانت طريقك” خاطبه الأب.

وتساءلت جنى: “هل تلك المدينة التي تطل من بين التلال مقصدنا؟”

وأضاف أحمد لتساؤلها: “أم أطلال مدينة عتيقة نهشتها أنياب الاحتلال؟”

دعوني أقول لكم يا أبنائي: “إن تلك المدينة كانت درساً قاسياً للكل، غيّرت فينا الكثير. فقد أخافت جرافات الاحتلال ودباباته الكثير من سكانها. فمنهم من زحف تحتها وآخرون لم يخفهم هدير محركاتها؛ لأنهم يطيرون فوقها دائماً. ومن زحف تحتها داسته خلال عبورها ومن عَلاها فقد اعتلاها يوماً ما.”

لم تكن حرباً يوماً ما ولا ثورة فعلية. فالزاحفون لم يمتلكوا انتصارات حقيقية، بل ملأوا رؤوسنا بهزائم خرجوا منها أحياء، تمثلت فيهم سلطة العاجزين.

وتدخل البقال من جديد، وكان يفرك ما بقي من أسنانه بسواك خشبي منحني الطرف، فبرأيه أن صاحب القضية كثيراً ما يتألم، لكنه لا ينكسر، قد يبطئ حيناً لكنه لا يتوقف، ربما يخسر جولة أو جولات، لكنه حتماً لا يهزم، وسيصل إلى هدفه، ولا بدّ من دفع الثمن. فمجانية النصر وهم كاذب.

يطلُّون من بعيد على المدينة والمطر القليل على أكتافهم بدأ يتبخر عطشاً لشوق الإطلالة، وتسلل إليهم حنين حكايات الماضي وتصارعت في مخيلتهم أفكار البقاء والصمود والمقاومة.

يبدو أنهم تذكروا رحلة الهجرة الأولى لأنها كانت باردة تلك الساعات المليئة بالخوف المتصاعد.

وأيقظت وعيهم همهمة للبقال:

“آه يا زيتونة الأجداد، أكاد أسمع تسبيح جبالك مع قطرات المطر، وأنين ذلك البناء المتهدم في ثراك.”

 ليتساءل الأب: “متى كان نُـبْـلُ الغاية إلى الوصول يغني عن مشروعية الوسيلة؟”

ولكن له زاوية مختلفة دائماً فتلك قاعدة طالما رددها له معلمه في المدرسة (الشيخ ناصر) معلم التربية الإسلامية.

هل تذكره؟ سأل البقال.

وقفوا قليلاً…

وبإغماض عيونهما المتعبة، كأنهما يستدعيان الذاكرة ويستحثانها بالعودة إلى الماضي أكثر:

“نعم، نعم”

ظهرت السبورة الآن كما تظهرُ الشمس من بين الغيوم لتصبح عيونهما مفتوحة نصف فتحة أو تكاد أن تكون مغمضة، وهما ينظران أمامهما فقط، والصغيرة تبحث بعيونها العسلية القلقة عمّا رأيا. وأحمد يتأمل الوجوه المتعبة بابتسامتها القديمة، وما ارتسم عليها من ملامح ماضية.

“يا للعجب!” أتذكرها وأراها بوضوح -قال الأب- ومكتوب عليها بطبشور حجارة المدينة:

“لا تغير نفسك؛ لترضيهم. ولا تبدل نبرتك؛ لتعجبهم. لا تخالف مبدأك؛ لتوافقهم. لا تتصنع؛ لتنال رضاهم. عش بما يرضي ربك. وقاوم عدوّك بما يحقق هدفك”

تمتم أحمد بنفسٍ متقطعٍ متشابك مع نظرة ذهول من عينيه لأخته متباهياً بما سمع: “من قال إن التعليم يُمحي ويندثر! بل هو بذرة ستنمو مع الزمن إن رويت بماء الإخلاص”

أما التعليم من وجهة نظر الأب: “قضية، والمدرسة صناعة إن ارتبطت بالأرض والإنسان”

من قال إن المعلم صاحب رسالة فقط. فالجميع في المخيم يعرف الأستاذ ناصر جيداً كانَ مُعلماً وقتها وهو صغير، ولكنه الآن مَـعْــلَـمٌ لهما وهو كبير.

ويبتسم البقال ضارباً صدره بقبضة يده فهو الأكثر معرفة بسكانه. قائلاً: “لا فائدة من التعليم إن كان القلب أعمى، كما لا فائدة من أي قيادة ما دامت أفعالها سراباً”

ويتابع الأب حديثه وهو يحثُّ ذاكرته، وخطواتهما بدأت متفرقة كأنهما يبحثان على الجدران عن بقايا الماضي عن آثار الكرامة وكتابات العزة. فما زالت بعض كلمات معلمهما منقوشة على السبورة، حفرتها صلابة الطبشورة وصريرها، ورغم ضجيج طفولتهما وشجارهما غير المبرر أحياناً، بقيت كلماته تُحلّق بأوراق الدفاتر الممزقة في أزقة المخيم عند كل هبوب، وتحوّلت لاحقاً إلى جداريات ذابلة بهتت ألوانها بفعل الزمن.

ماذا تقول تلك الكلمات؟ سألهما أحمد

-فهما قد عاشا وقتاً كافياً للاستماع إلى كل أنواع حكايا الماضي-

ليجيبه البقال: “الإنسان الحي بدينه وعقيدته يمتلك بوصلة أخلاقية ووطنية توجهه مهما حاولت الظروف أن تتلاعب به.”

وبدأ يتذكر تلك المقولات والخواطر والمواقف الراسخة، وهو جالس على صخرةٍ مُطلة على الصخرة الذهبية البعيدة، ويفرك كتفيه وذراعيه بكف يده شاعراً ببرد تلك الحصص في المدرسة، وأنين الرياح يتكسر من فتحات نوافذها الزرقاء المهترئة. وصوت الجرس المعدني يُسكت كل الأصوات، كأنه صافرة إنذار، فالحصة قادمة. ويجري الجميع إلى الصفوف مسرعاً، قبل أن تُطلَّ هامات المعلمين من بعيد، فالكل يُسارع إلى دخول الصفوف، كأنها عسكرية الانضباط. رؤوس مرفوعة، بأنفاس واحدة، كأنها زفرة من رجل واحد….

جمعتهم مقاعدها بخليط من رجال اليوم، منهم من فارق الحياة في سبيل هدفه، ومنهم من ضمته قضبان القهر أسيراً، وآخرون اعتلوا منابر دخيلة رفعتهم درجات كاذبة تحدثوا عن المدينة بكل وضاعة.

ويعودان من حنين الماضي إلى الحاضر لأنهما تعلما كثيراً، تعلما القراءة والكتابة، ليس اللغة العربية فقط، بل لغة الصمود والمقاومة، تعلما الحساب بالأرقام، وتعلما حساب المواقف، حفظا الآيات الكثيرة، وصليا بها مرة نحو الكعبة، وأخرى حفظاها لتلاوتها في الصخرة.

وتعلما أن الثقة بالنفس ليست الاعتقاد بأن الجميع سيعجب بهما، بل إن إعجاب الناس أو عدمه لن يؤثر ما دام فيهما إرث الماضي المقاوم. وعزيمة الثبات والتحرر.

ويتذكَّـرُ الأب أن مسؤولاً طلبَ من معلمهم -يوماً ما- أن يبتعد عن السياسة في حصصه. عندما أخذه لزاوية الممر في طرف غرفة الإدارة:

“بلا وجعة راس يا شيخ”

الأستاذ ناصر لم يحيا حياة الترويض والخنوع، ولا يملك إلا قضية ليعلمها، سواء باللغة أو الحساب، أو حتى الرياضة، فالسبورة بالنسبة له نوع من المقاومة، والكتاب مع طلابه سلاح، فإما تُخْرِجُهم المدرسة من هاوية الذل، أو تمضي بهم في عالم الأوهام. مستمعين بلا تأثير أو وجود.

لم يفهم المسؤول-كعادته- فكرة الأستاذ عن المدرسة والتعليم، والتفت حوله أكثر من مرة محاولاً الفهم.

ماذا تقصد يا أستاذ؟

هل سيفهم المسؤول أنَّ خلف جدار المسميات الوظيفية تختفي الكثير من الفظائع الخطيرة، أو حتى كم الغباء المتأصل والكثير من الجرائم التربوية والأخلاقية.

وتحمرُّ عيناه غضباً كأنه جني أو عفريت سمع المعوذتين أو تُليت بالقرب منه آية الكرسي..

“وما يقصده الأستاذ ناصر أيضاً، أن المعلم سيعمل بجهد أخلاقي ووطني؛ ليلاقي نفسه بطلابه كأفضل إنسان سيقابله بحياته.

 هل فهمَ المسؤول الآن؟

غاب بصمتٍ خلف خطوات الانسحاب المعهودة… يتمتم بكلمات الوعيد، ويكتب قلمه -مرتجفاً- ملاحظة ما؛ حَرَمَتنا من معلمنا بعد ذلك.

بدا الكلام صعباً على جنى، ويبدو أنهم نسوا أنها طفلة مع أنهم ما زالوا في بداية المسير ليتدارك الأب الموقف ويصارحهم: “أنّه كان صعباً عليه وقتها كذلك”.

ولكنه سينمو بداخلهم كبذرة قمح ذهبية مع الزمن ويكبر كقضية تستحق البحث لها عن نهاية وفي مسيرهم هذا، يحتاج الدخول إلى المدينة الكثير من المعرفة، والمزيد من الأمل والنضج. لأنّ الصغار هم المستقبل كما قال لها سابقاً، فهو يرى فيها كل شيء جميل يحب أن يعيشه وقد فقده.

فهم الأمل ليس له وحده بل لكل الوطن، والحياة القادمة بالطفولة تُصنع وتزدهر، ويحاول أن يعلمهم كما تعلم من أستاذه بعض مهارات البقاء النظيف.

أدار البقال وجهه نحوهم، واقترب من الصغيرة منحنياً لتلامس ركبتاه الأرض متابعاً:

“الأستاذ ناصر كان يقف في طابور الصباح، مؤكداً لنا أنّ الناس تصبح ما تعمل، وما تتربى عليه.”

وكان يقول: “أعرف أنه عندما نبني حياتنا على النزاهة والأخلاق، وحب الوطن بِسُهوُلِهِ وصحرائه وثلوج جليله، وببروده ماء متوسطه، وملوحة بحره الحار، فلا يمكن لشجاعتنا أن تنتهي أو تتوقف، فهناك في المخيم جزء يقاوم، وجزء منهار، وجزء لا يبالي.”

كلهم يا صغيرتي كانوا في المخيم، هل تتخيلين ذلك؟

كان البقال يحاول الانحناء أكثر؛ ليقطف وردة بيضاء تزاحم حجراً بجانب الطريق؛ لتأخذ مكانها في الأرض؛ ليضعها في خصلات شعرها التي تشبه الشلال.

“إنها تليق بك جداً… هل تقبلينها تاجاً لمسيرنا الطويل؟”

شكرته بفرح غامر، فهي تحب الورد، وتحب الحياة. ولكنها تعلّمت أن الحياة بكرامة لا يتقنها الكثيرون. ذلك ما قاله أبوها. فمنهم من عاش ومات، وهو على سطح الأرض، وآخرون عاشوا في باطنها وهم أحياء.

نهضوا جميعاً يتقدمهم البقال رافعاً رأسه مغطياً جزءاً من عينيه من شمس الخريف المطلة من بين بعض الغيوم السوداء محاولاً رؤية الآخرين على الطريق، فبعد المنعطف القادم كانت الأرض مأسورة بجدار إسمنتي ضخم بناه الاحتلال، وعليه سلم خشبي يتمايل، وبعض الحبال المتدلية التي تكثر فيها العُقد.

وقال معلقاً على المشهد: “لقد ابتلينا منذ زمن طويل بمعارك جانبية كثيرة.”

“فعلاً إن قضيتنا نادرة”، قال الأب

هل سيعلم هذا الجيل أنه لا ينفع لقضيتهم الالتفات إلى الوراء، وعيش دور الضحية دائماً، فالضحية تكون ضحية لمرة واحدة، ثم تنتفض لتأخذ حقها، وقد انتفضنا مراراً وتكراراً، بل حتى أننا انتفضنا لوحدنا ضد الاحتلال، وأحياناً انتفضنا على من خذلونا.

في المدرسة كانوا يحاولون مع باقي الرفاق المضي قُـدُماً وباستمرار، بالتفكير فقط بإعادة القيمة الوجودية لهم وإلى قضيتهم، وحصدوا بعد كل يوم دراسي مظاهرة، أو حرق إطار ورفع علم، وكل سنة انتفاضة، وفي بداية التسعينيات قادتهم قيادة بارعة في تعثير الخُطا واستجداء العطف، استنزفت الأرض قبل القلوب والعقول والأرواح، استهلكت أيام تخاذلهم خيرة قادتهم وشبابهم.

ناضلوا بكل شيء لتخرج قضيتنا من بيت الأرملة التي تستجدي عطف أخوتها العرب لتسكن في قلوب الشباب المثابرين العاملين.

ويطالبهم أبوهم ألا يلتفتوا للوراء كثيراً، فالمتمسك بحقه لا يسعه الانتظار طويلاً. وأخبرهم ما قال له يوماً أستاذه في احتفال تخريجهم في المدرسة بعد أن أنهوا الصف الثالث الإعدادي حين وقف على تلك القطعة الأسمنتية في طرف الساحة، وبدأ حديثه بكلمات وقفوا أمامها في حيرة كبيرة.

ويتذكر من كلامه هذا المقطع الذي حُفر بذاكرته:

“المحظوظ منكم يا طلابي هو من ستمر ناقة دعوة الحق أمام بيته وبأهله، لأنها تسير من شارع لشارع، ومن أمام البشر، وقد أُطلق عِقالها، فالاختيار من الله لي ولكم. وكم مرّت من أمام وجوهٍ ووجهاء وقادة ولم تلتفت لأحدٍ.

منهم المنافق… والكافر… وحتى المسلم..

لا تحاربوها. إما أن تركبوا سفينتها، أو دعوها فإنها مأمورة. مأمورة بأمر الله

دعوةٌ هُـدمت من أجـلها بيوت وقُـطعت في طريقها أشجار دعـوة تسير بأمـر الله لن يوقفها شيء

في يوم ما تقدمت خطـوات وتراجعت خطوة. تبحث عن الثبات وعن يقينها. تبحث عن أصالة مكانها وزمانها.

دعوها فإنها مأمورة لأنها وعد الله والحق القادم. تستقر أينما شاءت في قلوب نقية، شفافة ليست خبيثة، ولا مدسوسة.

الأيتام والفقراء والعامة من تبعوها، فنبيها نبي الفقراء، اختارت أرض الأيتام، أرض الحرمان، أرض المعوزين،

دعوها… فإنها مأمورة… بأمر القادر… القاهر… الناصر… المعين…

في جدباء الرمال… وحدباء الأرض…في سطوة الكفر… وخيانة القريب السلول…

في حرمان الهجرة والطرد والنكبة…

في حصار الشِّعْب وتجاهل الشَّعب…

في مطاردة أحرارها.. وقتل نسائها.. وشبح شبابها..

دعوها… فإنها مأمورة…

مسيرة تطوف القلوب والعقول…

تفتح آفاق الإخلاص والإقدام…

مسيرة رباط وشدةٍ وبأس

تنادي يا مسلم… يا عبد الله…

ردد ورائي: (اللهم اختر لي)

اختر لي أن أكون مع مسير الحق…مسير الرباط والوفاء

أن أتوشّـح براية الإسلام… عاملاً له لا عالة عليه..

أن أُكبّر مع نداء الحق..

فلا صوت أعلى وأنقى وأبقى… من دعوة مأمورة

ما أروعها من كلمات تلامس القلب وتثير المشاعر نالت إعجاب أحمد وأثارت أشجانه وابتهاجه وسحرت جنى محاولةً حفظ ما استطاعت منها.

والبقال يُقـــرُّ تلك الحادثة حيث كان الأستاذ ناصر خطيباً مؤثراً، وكلماته تحفر الصخر قبل القلوب.

تابعوا مسيرهم بعد هذه الوقفة الأدبية، وأحمد يوضح لجنى بعض كلمات الأستاذ ناصر فالصغيرة مكتظة المشاعر في الأحداث والمقولات التي تكبر عمرها لأن أباهم قال لهم في الأمس عندما سهروا عند جدتهم: إن زمانهم مكتظ في الأحداث، مليء بالقلق والترقب، مليء بأشخاص لا يشبهونهم رغم قرابتهم بهم.

إنهما يعيشان حياة التساؤلات، وازدحام الأفكار والمواقف وتقلّبات مرعبة في المبادئ ففي كل خطوة في مسيرهما يكبر عقلهما قبل عمرهما وليعاود أحمد التساؤل عن ذلك؟

الطيور يا أبنائي ليست دائماً على أشكالها تقع، فما بالنا إن كانت صقوراً، صحيح أن الحياة أوقعتنا على غير أشكالنا، وأجبرتنا على أشخاص لا يشبهوننا أبداً، ولكن الفرق أنهم يترنحون في متاهات العمى والاستغفال، والأحمق من يصفق للأحمق، تلك قاعدة تميزنا عنهم فاحفظوها.

ليتذكر البقال حديثاً لوالده موجها خطابه لهما:

“أن مشاعرنا الجميلة وهمومنا الدخيلة تعشش في داخلنا كنقار الخشب، يوقظنا بنقرات مؤلمة لكنها تؤسس لشيء ما، لكنه يحفر عظامنا وقلوبنا.”

وأطرق قائلاً وعلامات الأسى ترتسم على ملامحه:

“لقد مات أبي كمداً من خسارة فلسطين وقتها ولم أفهم ما قاله لي ولكني اكتشف اليوم أنني أعيشه بكل تفاصيله.”

واستمروا في طريقهم، يتبادلون أطراف الحديث وأحيانا المزاح، فالطريق تقطع بالحديث.

الطريق الذي يعبرونه وعرٌ جداً، وسيكون هناك حتماً قُطّاعُ طرقٍ من المحبطين والمتسلقين على الاكتاف، والحاسدين ومن يحاول إسقاطهم، فكل خطوة يجب أن تكون قوية ومحسوبة.

بعد المنعطف الحاد في طباعه أم في انحنائه نحو الجنوب، مجموعة من الناس يتلاسنون بصوت مرتفع، وقفت الصغيرة تسترق السمع قليلاً فالمشهد أمامها يدعو إلى الوقوف والتأمل فهناك كل شيء صعب، كل شيء يضيق، ولا مجال هناك للشجار..

“لا تلتفتي يا ابنتي، ولا تتعجبي” قال البقال.

لأن المسير المقدس كإسراء محمد -صلى الله عليه وسلم- ليس فيه خلافات بل اطمئنان وتصديق وسيواصلون تقدمهم لأنهم أقوياء قادرون دائماً على الوصول.

“وتأكدي أن من يحاول إسقاطنا هو من أثقله ارتفاعنا فمثل هؤلاء كثيرون عند المنعطفات، كثيرون عندما تشتد الظروف وتظهر الأزمات” قال الأب.

تبدو مذهلة تلك القدرة النفسية لديهم على التجاوز، يلتفتون إلى الخلف كل مرة، ويتعجبون كيف استطاعوا أن يقطعوا كل هذه المسافة ويمضون، بالرغم من كل ما حدث، حين ظنوا أنهم عالقون في المخيم وبعده وبعد المنعطف ولا سبيل إلى الخلاص.

البقال رأى أن يتجاهلهم، ليس لأنه لا يرى، بل لأن القلب ارتوى شبعاً مما رأى. لو كانوا يعرفون حقاً أنه لن يموت أحد بدلاً منهم، ولن يحاسب عنهم، قد كانوا غير ذلك في حياتهم.

أحمد: وأين الضمير عندهم؟

الأب: كنا نأمل صحوة ضمير قادمة، برغم الأثقال التي نحملها في قلوبنا عليهم، ولا يزال هناك شخصٌ أو حلم أو أي شيء كان يهوّن علينا كل ما نمر به.

هل تعلمون، قال البقال: “لقد اكتشفنا لاحقاً في مقهى المخيم أن الطريقة التي مرت بها كل فصول قضيتنا وحياتنا، قد تتغير مع تقدمنا في العمر، أو مع تغير العالَم صاحب الموقف من حولنا، أو من عدو يواجهنا، لكننا للأسف اكتشفنا هواننا وتقصيرنا في آخر فصل من فصول حياتنا”

كان صعباً عليهم وقتها تحرير أولئك الحمقى من الأغلال التي يقدسونها رغم جدالهم كثيراً في ندوات النادي السياسية مع قادة الفكر والمادية والعلمانية والاشتراكية والشيوعية، وحتى في خطبة الجمعة.

لم يناكفوهم على فتات أملهم الصغير، مرحلة كانت مؤثرة كوباء مؤقت وبقيت زمناً حتى أصبحت مكرهة وطنية، كي ينتصروا عليها رفضوا ما حدث لهم في الماضي دون استسلام، وعليهم مقاومة الحاضر بكل ثقة، ومواجهة المستقبل بلا خوف. لقد أعطوا صبراً أكثر من اللازم وعلى حساب أنفسهم، ويظنون أنهم خسروا أكثر من اللازم وأولها جزءاً من أنفسهم.

أحمد يزداد فصاحة وتصبح رؤيته إلى الواقع أفضل وأكثر جلاءً:

“أتعلم يا أبي العزيز، كلامك هذا يطرق أبواباً ماضية، ويفتح نوافذ المستقبل”

فقد كان أحمد يقف على نافذة الغرفة حين تلاطفها قطرات ماء المطر، وأحيانا تهزها موجة عاصفة غاضبة، أو تضربها حبات البرد، كان شعورهُ جميلاً أن يمسحَ بخار الماء البارد بيديهِ الحارة. زادت رؤيته إلى المخيم وضوحاً وكذلك إلى قضيته، ولكنه شعر بالبرد كلما مسح البخار أكثر.

هذا ما يحتاجه أحمد وما يعنيه والده. فالحقيقة دائماً يغطيها الشيء القليل، ولكنها واضحة لمن يبحث عنها، أو لمن يحرّك يده قليلاً، ويفتح عينيه جيداً.

يتبع في الجزء الثاني ….

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق