قصة قصيرة

خمسُ درجات وزقاق

كان ضوء الشمس يلاطف وجنتيها بين أوراق البرتقال، حين تُعانِـدها الحبات كلما حاولت قطفها، لم يكن يدري هل صلابة برتقال يافا على الأغصان كصلابة الإنسان فيها، أم رقتها المعتادة في قطفها، كأنها تدللها لتبقى فوّاحة برتقالية اللون أصيلة.

قريتها تحتضنها ثلاث تلال صغيرة وسهل واسع وبئر ماء. كانت هناك بجرَّتِها الصّغيرة تطلب من قلْبِ الأرض أن يطفئ عطشها، وتحب أنْ تُبلّلَ خصلة الشعر الهاربة على جبينها. شالها المورّد من انعكاس الورود عليه، كأنه رأى نفسه يليق بشالها أكثر من الأرض، أو أنهما من أصل واحد.

أحبها كما أحب جمال الأرض، وفراشات الربيع ونحلات العسل في كل مكان، كأنها صوت لا يستخدم الكلمات فيحب الإنصات إليها بقلبه كثيراً، فعندما ينظر إليها بقلبه لا يصبح لعينيه معنى.

يتبعها بخطواته المسروقة متباهياً بطربوشه الأحمر الذي لبسه بعد أن أصبح معلماً، فقد درس في يافا ومن حي المنشيّـة بالذات كان يُحْضِرُ لها حبات (الحلقوم) المعطرة بماء الورد وأمه (الحاجة لطفية) تتردد في خطبتها له فأبوها مختار القرية ويملك أرضاً وماشية ومعصرة الزيت.

إبراهيم الشاب اليافع الذي يُلقب بابن الشهيد (مصطفى) الذي قتله الإنجليز في معركة على أطراف يافا يرنو للحياة بجمالها، فعين الماء روت جسده حباً لها وتعلّقاً بها كما تتعلق حبات البرتقال بالأغصان ونبت اسمها (زهور) في كل طريق مرّ به وكل شجرة جلس تحتها وحتى بين الأحجار كانت.

كان يحب النوم على سطح البيت ليراقب النجوم ويتأمل جمالها منتظراً شهاباً يقترب منها، ولا يقطع هدوء ليله سوى بعض الطلقات أو التفجيرات على أطراف القرية بين المجاهدين والعصابات الصهيونية التي بدأت تتمدد في جسد يافا كسرطان خبيث.

طلعت شمس يوم الخميس محمرّة على غير عادتها وتتناوب بعض الغيوم السوداء المرور أمامها وما زال مستلقياً على فرشته القطنية يتابع صوت الإذاعة المتقطع حتى شعر بانقباض في قلبه: لقد احتلت يافا… والعصابات الصهيونية تتجه نحو القرية…

نزل مسرعاً باتجاه بيت المختار ليستعلم الخبر وما العمل، فرأها تقف باكية بجانبه. والخوف أذبل بتلات وجهها، حاول الحديث معها ليطمئنها فهناك الكثير من الحروف القديمة المتجمّعة في صدره، بدأ يحاول إقناعها بالاقتراب من بعضها البعض لتتحول إلى كلمات ومعاني ليتمكن من إخراجها، لكن بلا فائدة فهي تركض وتتنافر هنا وهناك.. وهو يراقبها ويتنهّد..

 اكتظ بيت المختار بالزائرين واختلطت القرية بالآراء فهناك مجموعة صغيرة تحمل بنادقها لتدافع عن القرية، وآخرون احتضنوا أطفالهم وبعض أمتعتهم وهمّوا بالرحيل المؤقت. والمختار يخطب بهم من فوق العتبة الأخيرة لبيته بالصمود حينها بدأت العصافير تهرب عن الأشجار وتتساقط حبات البرتقال نازفة. فالرصاص في كل مكان وإبراهيم غابت عنه الاتجاهات هل يركض لأمه؟ أم لقلبه؟ أم لوطنه؟

غابت شمس يوم الخميس وغابت (زهور) وتشتت أهل القرية بين التلال بحثاً عن بعض الأمان، أو حتى فرصة للتفكير الهادئ فيما حصل، ومضت الأيام في محاولة للتفكير أو البحث عن الاستقرار فالوطن ينزف من كل مكان والجراح لا تخيطها الأيدي المكبلة بهول الحدث وأكاذيب السياسة.

قبلوا الخيمة حينها، وتحولت بالأمل إلى غرفة من (الطوب) الأسود وبالحلم أصبحت مخيماً فيه وجوه كثيرة غريبة إلا (زهور) غابت عن أزقته وعن (حنفية) ماء الوكالة وطابور الطحين والعدس وحتى عن عيادة الوكالة.

ليسأل نفسه: هل عشت حباً وقع تحت الاحتلال؟ أم بقي عالقاً بين أشجار البرتقال؟

هل أحببتها ببطء حتى ملّت الانتظار وغادرت كالراحلين؟

بحث عنها في كل مخيم جديد أو قرية اتسعت للاجئين، أصبحت بوصلته كل لون أزرق يظهر أمامه وشعار الوكالة بوصلته، لتمضي السنين جافة قاحلة في قلبه، ورحلة البحث لم تتوقف فقد تفرق الأب عن ابنه والزوج عن زوجته ولملمة بقايا القلوب أصعب ما كان وقتها.

أشياء حزينة لا يمكن قولها أو الانتباه والإشارة إليها، لكنها مشاعر حزينة بذاتها من واقع مُر، حزينة للغاية، ومن الصعب قول شيء آخر غير أنها أشياء حزينة فقط.

في المخيم الجديد وبعد سنوات من الهجرة حط رحاله وبحث عن الاستقرار وعن نفسه التائهة، توفيت أمه وكانت آخر كلماتها شوقها لرؤية أحفادها. وهو ما زال في رحلة الهجرة، هجرة القلوب لا الأبدان، منادياً النجوم إن شاهدتها في مخيم ما. ومحدثاً العصافير عن خصلة شعرها. وأصبحت حبات البرتقال حزينة جداً ومرّة المذاق.

تراكمت السنوات فوق قلبه وبدأ الحب يشيب بُعداً وفي المخيم القريب من البحر حط رحاله بعد أن عمل معلماً في مدرسة الوكالة وبدأ يستذكر الوديان والبساتين والشواطئ الوهميّة عندما جلسا على الصخور المطلّة، كانت رقيقة هناك لطيفة وجميلة، كانا معاً كالسحب يأتي منها الخير كما يأتي الحب، وتأتي الحياة معها وتذهب دونها.

كان يقف أمام البحر ليمنع الموج أن يضرب شاطئه لتبقى بقايا الذكريات محفورة على رمله وينظر للأفق البعيد والشمس تنطفئ فيه ليتلمس قلبه ليشعر ببرد غيابها.

نادى مؤذن يوم الجمعة للصلاة، فلملم جسده المتناثر على الفراش مثل كل صباح، لبى النداء واستمع وصلى وكبّر، رأى وجوهاً مألوفة لديه ولكنها فاترة وتحجب تجاعيدها الحديثة الكثير من الكلام ومن بينهم أهل قريته.

نعم، إنه الحاج جمال وابنه وقد كبر قليلاً وفي طرف المنبر الحاج روحي ولكن دون ذراعه اليمنى، فقد دفنها في أرض القرية دفاعاً عنها.

اختلطت اضلاعهم ببعضها من شدة الشوق، وتراكمت الكلمات والأخبار.

ولكن أين المختار؟

إنه في أول المخيم بجانب مدرسة الوكالة في البيت الذي يبعد عنها خمس درجات وزقاق على يمين الشارع.

سارعت خطاه الأزقة وأشرقت الدنيا من بعيد كموج البحر يقرئ رماله السلام حتى وقف يتنهد على عتبة الباب الخشبي، والنافذة الفاترة بجانبه تحجب كل ضوء خلفه. عندها فكر أن يترك وعداً بل موعداً معها ولكن في فنجان قهوة لأن عطش الروح لا ترويه كؤوس الماء، دقت يده الباب بقوة عصفور يتأرجح في قفصه المعلق على شجرة جافة وقلبه يصرخ أين أنت؟

لأنه سيعترفُ الآنَ ببعضٍ من جَمر حُبه لأَنه لا يريدُ أن يحزنَ مرةً أُخرى

هل تذكرين الصيفَ من الماضي؟

 وبإغماض عيون متعبة قالت: واليوم أيضاً مِنَ الماضي.

هل تذكرين القمر عند القبضةِ الناعِمَةِ على القطراتِ الُمتَلألِئة تحتَ ورد الصيف بينَ الأوراقِ الخضراء هناك معَ آلافِ الذّكريات، حيثُ كانُ يتربّصُ بنا العشق ويداهُ الحمراءُ تَلمسكِ قَليلاً واحتشامي يَرتَشِفُ من إِغماءِ النحلِ على بابك

اسمحي لي أن أقولَ ما قُلتُهُ عند انتظارك….

إِنّ نشيدَ قريتي صَمْتُ الرجولة وصَوتُ امرأةٍ بينَ الحّبِ والاحتلال عندما كانَ مُعظمُ الشّجعانِ لا صوتَ لَهُم.

اسمحي لي أن أقول…

إن الحبّ هو السؤال هو الغياب ليأتي أخيراً يزورُ مَأواكِ غَريباً وَيَستَغفِرُ لِي على تَلّةٍ طينية كانت هُناك تَتلو لكِ صَلواتَ الرّجاء

نعم، يَأتي العيشُ مَعي وَيكونُ حُبي.

فزاحم ثوبها المطرز طفل صغير يطلب كسرة خبز فنظرت أمامها قائلة:

انتظر يا إبراهيم فكسرة القلب أقسى من كسرة الخبز.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق