من الذاكرة

فرحان السعدي.. الشيخ الثائر

مرَّت قبل أيام ذكرى قيام سلطات الاحتلال البريطاني بإعدام القائد القسامي الشيخ فرحان السعدي، وكانت مناسبة استحضر فيها الفلسطينيون سيرته العطرة، وأشادوا ببطولاته، وتذكَّروا أثره الخالد، خصوصا دوره المتميز في قيادة الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 التي شكَّلت تجربة نضالية فريدة، حجزت مكانة متقدمة في سجل تجارب الشعوب الثائرة ضد المستعمرين. نحاول في هذه المقالة استعادة جوانب من سيرة الشيخ السعدي وتجربته النضالية.

ولد فرحان أحمد إبراهيم السعدي في قرية المزار المهجَّرة قضاء جنين عام 1858.

تلقى دروسه الأولى في كُتّاب قريته، والتحق بمدرسة جنين الابتدائية، وكان قريبا من جده إبراهيم الذي درَّبه على الرماية وركوب الخيل، وفتَّح مداركه على واقع فلسطين وأهلها، وعلاقتها بمحيطها.

عمل الشيخ السعدي مزارعا لفترة، ثم انضم لقوات “الجندرما/ الدرك” العثمانية، واستلم مسؤولية لواء الجليل فيها، وخاض تجربة قتالية في الحرب العالمية الأولى، وعمل بعد الحرب إماما في أحد مساجد مدينة بيسان، ثمَّ عُيِّن بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين ضابطا في الشرطة في اللواء الشمالي برتبة عريف في الفترة ما بين (1925-1929)، وقد عُرف خلال تلك الفترة بشجاعته، وهمته العالية، وعلاقاته الواسعة مع أبناء منطقة شمال فلسطين.

الشيخ السعدي وبدايات الكفاح المسلح

هنالك عدة عوامل ساهمت في دفع الشيخ السعدي للانخراط في العمل المقاوم أثناء الاحتلال البريطاني لفلسطين، فقد عُرف عنه كرهه للظلم منذ كان شابا صغيرا، واستعداده لدفع الثمن الغالي نصرة للمظلومين، وكان متدينا، فهم دينه أنه انتصارٌ للحق ودفعٌ للباطل، وكان ذا تجربة قتالية سابقة على الوجود البريطاني أهَّلته ليكون قائدا ميدانيا محترفا، ويعتبر اعتراضه على سياسات والي جنين حافظ باشا” الظالمة”، وإصدار السلطات العثمانية قرارا بإبعاده إلى طرابلس، أولى تجاربه في الوقوف ضد الظلم والصبر على أثمانه الباهظة، ثمَّ عاين ظلم بريطانيا وتجبُّرها، خصوصا مع اندلاع ثورة البراق المجيدة في آب عام 1929، فتقدم الصفوف، وبادر إلى الاستقالة من منصبه في شرطة لواء الشمال، وشكّل مجموعة من المقاومين في منطقة جنين، وأخذ بمهاجمة الانجليز والصهاينة، وربما تكون هذه المجموعة على صلة بالقسام في تلك المرحلة، إذ تشير بعض الدراسات الرصينة أن الشيخ القسام بدأ الاعداد للثورة منذ عام 1925، وإمكانية تواصله مع السعدي في تلك الفترة واردة بنسبة كبيرة، خصوصا وأنه ابن المنطقة التي عاش فيها القسام وبدأ فيها التمهيد لثورته، كمان أن البعض يرجع علاقته بالقسام إلى مرحلة خدمته في الجيش العثماني.   

كان التصاقه بالشيخ عز الدين القسام في حيفا نقطة تحول مركزية في سيرته النضالية، إذ نقلته لمرحلة جديدة، أصبح فيها أكثر وعيا ودراية بحقيقة الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني على أرض فلسطين، وأعمق تخطيطا وأكثر احترافية في تنفيذ المهمات الميدانية. واظب الشيخ السعدي على الاستماع إلى دروس شيخه القسام في مسجد الاستقلال، وكان ضمن مجموعاته السرية الأولى التي أخذت على عاتقها الاستعداد للثورة، وشاركه في زياراته للبلدات والقرى في الريف الفلسطيني داعيًا إلى الثورة على بريطانيا ومحاربة سماسرة الأراضي، وقد تمركز الشيخ السعدي مع مجموعة من المقاومين في المنطقة الشمالية الشرقية من فلسطين على الحدود مع الأردن، وعمل على جمع السلاح من سوريا والأردن وتدريب عناصر المقاومة في الجبال القريبة من المزار والبعيدة عن أنظار بريطانيا وجواسيسها، ورغم استشهاد القائد القسام ومجموعة من المقاومين قبل أن تندلع الثورة الفلسطينية الكبرى بعدة أشهر، إلا أنَّه تمكَّن من رفدها بقيادات ميدانية وازنة، لعبت دورا مركزيا فيها، ويعد الشيخ السعدي واحدا من أهم هذه القيادات.

الشيخ السعدي والثورة الفلسطينية الكبرى

كان الشيخ السعدي واعيا لأهمية الحاضنة السياسية للثورة، وضرورة وجود سند إعلامي ومالي لها، لكن موقف القيادة الرسمية للحركة الوطنية حتى عام 1936، كان ضعيفا ولا يعوَّل عليه خصوصا وأنَّها تبنت الدبلوماسية الناعمة مع بريطانيا أملا في استجابتها لمطالب الفلسطينيين، لذا نراه يتجاهلها، ويختار حاضنة سياسية أكثر فاعلية وتوقدا، فتواصل مع أكرم زعيتر القيادي الشاب في حزب الاستقلال وأعلمه بالثورة وطلب منه اسنادها بالمال، لقد عَرَفَ الشيخ السعدي أن مكمن القوة عند الفلسطينيين هم الشباب الواعي المسيس، فتواصل مع زعيتر الوطني والمتعلم والمثقف والنشيط السياسي والإعلامي الصاعد وصاحب العلاقات الواسعة والمواقف الجريئة، ولعل تواصل الشيخ الريفي مع الشاب ابن المدينة والعائلة العريقة دليل قاطع على أن الثورة والميدان كفيلان بإذابة الحواجز المصطنعة بين فئات الشعب المختلفة، كما أن الكلمات التي خاطب بها الشيخ السعدي الشاب زعيتر في رسالته السرية المقتضبة تحمل دلالات كثير تتعلق بغاية الثورة وتوقيتها وأملها وحاجاتها وسندها، فقد قال له “نقوم بالواجب في سبيل الله، بدأنا وسوف ننتصر. الحاجة ماسة إلى خرطوش، المال نأخذه لهذه الغاية، نعتمد عليكم”.

 أعلن الشيخ السعدي ومجموعته اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى بإطلاق نار بنادقها على قافلة للصهاينة على طريق نابلس- طولكرم في الخامس عشر من نيسان/ إبريل عام 1936، وتزعم فصيل “عنبتا- نور شمس”، وقاد مجموعة من المعارك منها: معركة الفندُقومية في الثلاثين من حزيران/ يونيو عام 1936، ومعركة علار في الثالث من أيلول/ سبتمبر عام 1936، وكان على رأس مجموعة من مئة وعشرين مجاهدا من قرى اليامون، والسيلة الحارثية، ودير أبو ضعيف، وأصبح قائدا عاما للقساميين في الثورة منذ أيلول/ سبتمبر عام 1937، وكان ضمن لجنة الإعانات التي شكلتها الثورة لجمع المال وصرفه في مصلحة الثورة ومقاوميها والمتضررين من إجراءات بريطانيا التعسفية.

الشيخ السعدي وظلم بريطانيا وحشيتها

لم تكن مسيرة الشيخ السعدي النضالية ضد الاحتلال البريطاني معَّبدة بالورد، فقد لاقى الكثير من المشاق والتعب لكنَّه صبر واحتسب، وقدَّم نموذجا في العطاء غير المحدود، إذ اعتقله البريطانيون بعد ثورة البراق، وبقي حبيس سجونهم لثلاث سنوات، وأصبح مطاردا بعد استشهاد الشيخ القسام، واقتحم الانجليز بلدته عدة مرات وفتَّشوا منزله، وجُرح في زنده أثناء معركة عين جالود عام 1996، واضطر للانتقال إلى سوريا والعراق من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1936، لكنَّه عاد مجددا إلى فلسطين، واستأنف نشاطه المقاوم، إلى أن اعتقله الانجليز في قرية المزار في الثاني والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1937، وكان بحوزته أربعة بنادق ومسدسا ومبلغا من المال، واعتقلوا معه خمس عشرة شخصا، واستولوا على فَرَسَه، وعذَّبوه في سجنه، وهدموا بيته، وبعد يومين من اعتقاله حكموا عليه بالإعدام، ودُفن في قرية النورس، وأشيع بأنّه قال حين أصدروا قرارا بإعدامه “إني سعيد بلقاء ربي.. غدا ألقى الأحبة الشيخ القسام وصحبه”، وعلى إثر إعدامه شكَّل إخوانه في المقاومة مجموعة عسكرية مقاوِمَة اسموها “إخوان فرحان” نشطت في استهداف الانجليز والصهاينة شمال فلسطين، وقد رثاه عدد من شعراء فلسطين منهم عبد الكريم الكرمي أبو سلمى الذي قال عنه:  

قوموا اشهدوا فرحان فوق جبينه أثر السجود

يمشي إلى حبل الشهادة صائما مشي الأسود

سبعون عاما في سبيل الله والحق التليد

خجل الشباب من المشيب بل السنون من القعود.

قائمة المصادر والمراجع

  1. جرار. حسني أدهم. أعلام الجهاد في فلسطين “أحداث القضية الفلسطينية خلال ستين عامًا” 3. دار الضياء للنشر والتوزيع، عمّان، ط1، 1988.
  2. زعيتر، أكرم. الحركة الوطنية الفلسطينية 1935-1939 يوميات أكرم زعيتر. بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992.
  3. صحف الدفاع والجامعة الإسلامية وفلسطين الصادرة بتاريخ 25 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1937.
  4. 4.    “الموسوعة الفلسطينية”. القسم العام، المجلد الثالث. دمشق: هيئة الموسوعة الفلسطينية، 1984.
  5. الموقع الالكتروني لمركز رؤية للتنمية السياسية: https://vision-pd.org/archives/514306
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق