إشراقات سياسية

في الذكرى الثانية والتسعون لمحاولة الفدائي محمد أبو طبيخ اغتيال بنتويش

تمر اليوم الذكرى الثانية والتسعون لمحاولة الفدائي محمد أبو طبيخ اغتيال النائب العام البريطاني في فلسطين، وتعد الحادثة الأولى من نوعها في تاريخ المقاومة الفلسطينية مذ وطأت أقدام الاستعمار البريطاني أرض فلسطين، وقد جاءت في أعقاب ثورة البراق المجيدة التي اندلعت في آب 1929، وردا على الإجراءات البريطانية التعسفية التي رافقتها، بما فيها تفعيل قانون “جرائم الفساد” الذي أُعدَّ خصيصا لردع الفلسطينيين وإيقاع أقسى العقوبات بحقهم. تحاول هذه المقالة تعريف القارئ الكريم بالفدائي المنفِّذ، وبالشخصية المستهدَفَة، وتسرد تفاصيل الحادثة ومآلاتها، وردود الأفعال عليها.  

مقتطفات من سيرة الفدائي المنَفِّذ

هو الشاب محمد عبد الغني أبو طبيخ سباعنة من بلدة قباطية في محافظة جنين، بلغ من العمر وقت الحادثة خمسة عشر عاما، وفي رواية أخرى سبعة عشر عاما. عمل خادما في إحدى الشركات، ثم عُيِّن آذنا للبوليس في دائرة النائب العام، وكان يتقاضى جنيهان ونصف شهريا[1]، وتقدم صحيفة مرآة الشرق وصفا دقيقا لشكله، فهو “رَبْع القامة، معتدل الجسم، ذو وجه أسود، يحسن القراءة بالعربية، وقليلا من الإنجليزية”[2]، والصفتان الأخيرتان تشيران إلى كونه متعلما، كما كشفت شهادته في أعقاب إلقاء القبض عليه عن فهمٍ عميق للقضية الفلسطينية وتطوراتها، ومعرفةٍ بدور بنتويش في تحويل القانون سيفا مسلَّطا على رقاب الفلسطينيين، وكشفت كذلك عن حسٍ دينيٍ ووطنيٍ عالٍ، ووعيٍ أمنيٍ، حيث قال أمام المحكمة [3]: “لم يدفعني أحد على ذلك، غير أني شعرت بمبلغ استياء العرب منه، والاحتجاجات التي قدموها للحكومة على تحيزه للصهيونيين والإضراب الأخير الذي جرى في كل البلاد بسببه[4]، ولمَّا رأيت أن الحكومة قد ضربت باحتجاجات العرب عرض الحائط أقدمتُ على هذا العمل بدافع وطني وليس لأحد غيري علاقة بهذا الاعتداء”، وأضاف “إنني أعتقد بأن بنتويش هو عدو لأمتي وديني” و”أنني حين رأيته كنت مالكا لشعوري، فأطلقت عليه الرصاص من مسدسي”.

 من هو بنتويش؟  

هو نورمان هربرت بنتويش Norman Herbert Bentwich (1883-1971)، ناشط يهودي صهيوني متطرف. شارك في المؤتمرات الصهيونية العالمية بين عامي (1907-1912)، وزار فلسطين أول مرة 1908. عمل سكرتيرا قانونيا لحكومة الاحتلال في فلسطين منذ عام 1918، ونائبا عاما منذ عام 1922، وقد عُرف بإصداره قوانين “روعي في سنها مصالح الصهيونيين وحدهم”[5]، وقد سلبت قوانينه بعضا من اختصاصات المحاكم الشرعية، وعملت على تسهيل انتزاع ملكية الوقف، وتغيير القوانين العثمانية بما يفيد المشروع الصهيوني. نادى بنتويش أثناء عمله في فلسطين بضرورة عمل مجلس تشريعي مناصفة بين اليهود والعرب، وعارض منح العرب أكثرية لأن في ذلك “قتل لنص الانتداب” على حد زعمه[6]، ويقال بأنَّه غيَّر بعضا من آرائه بعد تقاعده[7]، وعمله مدرِّسا للقانون الدولي  في الجامعة العبرية في القدس، وفي ضوء تصاعد المقاومة المسلحة في فلسطين، فكتب عن ضرورة تحديد حجم الكتلة البشرية اليهودية في فلسطين، على أن لا يزيد عن 40% من السكان، ودعا إلى الاعتراف بأن فلسطين هي وطن العرب، وأشار إلى أن العقلاء من اليهود لا يؤيدون إقامة مملكة يهودية في فلسطين وإيجاد أكثرية فيها[8]، وطالب اليهود باتخاذ خطوات باتجاه تعميق الصداقة مع العرب[9].

تفاصيل حادثة الاغتيال[10]

استاء الفلسطينيون من التعديلات القانونية التي أجراها بنتويش، واعترضوا عليها، ومع اندلاع ثورة البراق وما واكبها من أحداث، شعرت حكومة الاحتلال بالخطر على حياته، فاتخذت تدابير لحمايته قبل أسابيع من محاولة الاغتيال[11]، [12]، ورغم الاحتياطات الأمنية المشددة إلا أنَّ الفدائي المنفِّذ تمكَّن من تحقيق رغبته في النيل منه في الرابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1929، حيث تقدَّم نحو مكتب النائب العام في دار الحكومة في القدس، وسأل الموظفين عن موعد خروجه من المكتب، وبينما كان بنتويش خارجا من مكتبه الساعة الواحدة و35 دقيقة بعد الظهر اقترب منه وأطلق عليه ثلاث عيارات نارية أصابته واحدة في فخذه، وعندما حاول الفرار أمسكه البوليس مصطفى حلمي[13]، وفتَّشه بوليسان انجليزي وعربي ووجدا معه مسدسا وخرطوشا، وحضر إلى مكان الحادث على الفور مدير الأمن العام ومساعده وقومندان بوليس القدس وكلهم انجليز[14].

وقد ذُكر في بعض المصادر بأن الفدائي المنفذ صاح في وجه بنتويش قبل إطلاق النار عليه ” أنك عدو العرب ويجب أن تقتل”، وقد تمكَّن النائب العام الدخول إلى مكتبه، واتصل بالسكرتير العام لوك، أمَّا سباعنة فأصيب برجله من رصاصة أخطأت العدو، وأدخل بنتويش المستشفى الحكومي في القدس، وأجريت له عملية جراحية أخرجت الرصاصة من فخذه، وزاره أثناء مكوثه في المستشفى عددا من كبار رجالات حكومة الاحتلال منهم المندوب السامي والسكرتير العام [15].

محاكمة الفدائي المنفِّذ[16]

اقتيد الفدائي المنفِّذ للمحكمة، ووقف أمام ثلاثة من القضاة هم: نيوت، وفاليرو، واسحق البديري، في حين مثَّل النيابة زكي التميمي، أمَّا محاميه فكان عوني عبد الهادي، وقد تمت محاكمته وفق المادة 170 من قانون الجزاء والفقرة التاسعة من القانون المعدل، وقد حاولت امرأتان يهوديتان إقناعه بالاعتراف بأن الحاج أمين الحسيني يحرض على قتل اليهود، وأنَّه أمره بأن يقوم بإطلاق النار على بنتويش مقابل منحه مبلغا من المال، لكنَّهما فشلتا في مسعاهما، وحكمت عليه المحكمة بخمس عشرة سنة مع الأشغال.

تداعيات محاولة الاغتيال

لعبت الحادثة دورا مهما في تنحية بنتويش عن منصبه، إذ ضغطت عليه حكومته بعد الحادثة لتقديم استقالته، فتمنَّع، ورفض عروضا للعمل خارج فلسطين، وبقي حبيس منزله، ومُنع من العودة إلى فلسطين، إلى أن استقال رسميا عام 1931، وقد أشار أكرم زعيتر إلى أهمية فعلة الفدائي في تنحية بنتويش، حين قال” إذا كانت الإضرابات والاحتجاجات والمؤتمرات والاجتماعات والمظاهرات لا تزحزح ذلك الصهيوني عن مركزه الخطير فما الذي زحزحه غير رصاصة كرصاصة محمد عبد الغني أبي طبيخ؟” [17].

موقف الفلسطينيين من الحادثة

صدَّر الفلسطينيون موقفين متعارضين، فقد أدان الأول الفعلة، أمَّا الثاني فأشاد بها. مثَّل الموقف الأول اللجنة التنفيذية[18]، حيث قالت في بيانها الذي أرسلته للمندوب السامي : “مع أننا نحتج دائما على أعمال المستر بنتويش بصفته نائبا عاما إلا أننا نأْسف ونستنكر بشدة التعدي على شخصه مهما يكن السبب لأن الالتجاء إلى العنف مخالف لسياساتنا وطرفنا”[19]، وساندت أغلب الصحف هذا الموقف، وتوقع بعضها أن الحادثة من تدبير اليهود، وقالت صحيفة فلسطين بأن الرصاصة ” التي وجهت إلى فخذ بينتويش دون صدره .. قد وجهت في الحقيقة إلى قلب القضية العربية الآن”[20]، وقد انسجم موقف الاستنكار مع استراتيجية الحركة الوطنية تجاه بريطانيا وسياساتها في تلك الفترة، إذ أنَّها التزمت الدبلوماسية الناعمة في مواجهة بريطانيا وحليفتها الحركة الصهيونية، ورفضت رفضا قاطعا اللجوء إلى السلاح، في موقف نمَّ عن عجز عن فهم طبيعة الاستعمار البريطاني، وعدم استعداد لدفع ثمن اللجوء إلى المقاومة المسلحة، لكنَّ هذا الموقف تبدَّل خصوصا مع اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936.

أمَّا الموقف الثاني فمثَّله الجمهور الفلسطيني، تحديدا جموع الشباب المثقف، حيث أثنوا على الفدائي المنفِّذ، وساندوه، وما أدل على ذلك من مدح أكرم زعيتر له، وزيارته في سجنه، حيث قال فيه “هذا اول حادث من نوعه في فلسطين. هذا هو أول فدائي يقدم على إطلاق النار على الرجل الذي يعمل ليل نهار على تهويد وطنه”[21]، ثمَّ إن الشاعر الكبير إبراهيم طوقان مجَّد فعلته في قصيدته المشهورة ” الفدائي” التي أهداها له ونُشرت في جريدة مرآة الشرق في 12 نيسان عام 1930[22]، وقد جاء في مطلعها:

لا تسل عن سلامته                                    روحه فوق راحته

بدلته همومه                                           كفنا من وسادته

يرقب الساعة التي                                     بعدها هو ساعته

…..

هو في الباب واقفُ                                    الردى منه خائفُ

فاهدأي يا عواصفُ                                  خجلا من جراءته


[1] أكرم زعيتر، بواكير النضال: من مذكرات أكرم زعيتر 1909-1935، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1994، ص 72).

[2]صحيفة مرآة الشرق، 1 آذار 1930.

[3] أكرم زعيتر، مصدر سابق، ص77.

[4] أضرب الفلسطينيون في الثاني من تشرين أول من العام 1929، احتجاجا على استمرار بنتويش في منصبه.

[5]صحيفة فلسطين 7 آب 1930.

[6] صحيفة فسطين 24 آب 1935.

[7] على عادة الكثير من السياسيين الغربيين.

[8] صحيفة فلسطين 8 تشرين الثاني 1934.

[9] صحيفة فلسطين، 28 تشرين الثاني 1934.

[10] ورد خبر محاولة الاغتيال في أكثر من مصدر، منها صحيفة الاقدام الصادرة في يومي 26 و 28 تشرين الثاني 1929.

[11] صحيفة فلسطين 28 تشرين الثاني 1930.

[12]ذكرت صحيفة فلسطين، بأنَّ العرب أخذوا يترصدونه، وقد لاحظت عائلته قبل يومين من الحادثة عربيا يتجول حول بيته في محلة “راخافيا” وأبلغت الشرطة التي أتت وأبعدته عن المنزل. صحيفة فلسطين 28 تشرين الثاني 1930

[13] أكرم زعيتر، مصدر سابق، ص 125.

[14] صحيفة فلسطين 26 تشرين الثاني 1929

[15] صحيفة فلسطين 28 تشرين الثاني 1930.

[16] حول مجريات المحكمة انظر: أكرم زعيتر، مصدر سابق، ص 125-126.

[17] أكرم زعيتر، مصدر سابق، ص72.

[18] جسم سياسي ممثل للجمعيات والاطر الفلسطينية العاملة في الشأن العام في تلك الفترة.

[19] الصراط المستقيم، 27 تشرين الثاني 1929.

[20] فلسطين 27 تشرين الثاني 1929، وانظر أيضا الاقدام 26 تشرين الثاني 1929.

[21]  أكرم زعيتر، مصدر سابق، ص72.

[22] بلال شلش، ذكر الرجال بحفظ تاريخهم: هامش على الفدائي لطوقان، موقع الترا فلسطين: https://bit.ly/3qZ7rvE

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى