إشراقات سياسية

المقاومة والسياسة.. صداقة وعداء

أجيز قانونيًا للدول والأمم والمجتمعات التي تُعاني من احتلال قد سلب أرضها ومقدراتها وثرواتها أن تُقاوم وتُحرر نفسها منه بمختلف السُبل، لا سيما المقاومة، بمختلف أشكالها، التي طالما أجبرت المحتل على الخروج من الأراضي المحتلة.

وتتشعب طرق وأساليب وأشكال المقاومة؛ عسكرية كانت أو سلمية شعبية، وفيها تدخل الثقافة أيضًا، وهي عنصر مهم لما تترك من أثر في الجبهات الداخلية للشعوب التي تحمي المقاوم وتوفر له الدعم اللازم داخليًا.. وذلك تبعًا للاحتلال وما يمارس، سواء أكان عسكري أو ثقافي وفكري (وهذا يترك أثرًا على المدى البعيد وخير مثال دول المغرب العربي).

ولكن المقاومة وحدها لا تكفي للتحرير والتحرر من الاحتلال والاستبداد والظلم، فيجب دومًا أن يكون لها سندًا أو ظهرًا (إن جاز التعبير)، يوفر لها الدعم وينصرها ويُصوّب فعلها وقرارها ويستثمر النتيجة التي تصل لها، ولكن بشكل يخدم مصلحة الشعب لا الحاكم أو المُسير للأمور من خلف أبواب مغلقة ومكاتب لا تصل لها رائحة مسك البارود من ساحات الوغى.

السياسة؛ ما يُعرف عنها غير ما يجب أن تكون عليه، لا سيما إن كانت ستُمارس في مجتمع يقع تحت الاحتلال.. في هذه الحالة يجب على السياسة أن تستبدل ثوبها وتخرج من عباءة المصالح إلى زيّ الحقوق والثوابت وتقف خلف المقاومة في أرضها وأمامها في الميادين السياسية والدبلوماسية المحلية والدولية؛ تنصرها وتدول حقها وتدافع عنها، وتنشر روايتها وتمارس الضغط لصالحها.

فلسطينيًا، خاض الفلسطينيون انتفاضتين؛ الأولى عام 1987 وانتهت باستغلال بشع وخاطئ من قبل السياسة أفضى إلى أن اشتد عود الاحتلال وصال وجال في أرضنا ووضع له قواعد في مختلف الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948، كيف لا والحديث عن اتفاقية أوسلو (13 أيلول/ سبتمبر 1993)، والتي أفضت إلى اعتراف بالاحتلال كـ “كيان ودولة” مقابل كانتونات أسقطت حتى حقنا في التنقل بحرية بين المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وإلى القدس وقطاع غزة.. الحديث عن هذه النهاية (لأنها جاءت وأنهت الانتفاضة الأولى) يطول كثيرًا، ولكن لكل من يريد أن يرى مساوئ وسلبيات أوسلو عليه أن ينظر إلى رؤوس الجبال كيف أنيرت بظلام الاحتلال عبر المستوطنات والبؤر الاستيطانية، فهي تُمثل إحدى أركان الصورة السلبية لسوء استغلال ما بدأته المقاومة وأنهته السياسة ببضع من المصالح.

وصولًا إلى الانتفاضة الثانية (2000-2005)؛ هذه أوجدت واقعًا مختلف تمامًا عن الأولى، فيها ضربت السياسة المقاومة في مقتل، فقد اعتبرت عملياتها التي جاءت ردًا على جرائم الاحتلال “إرهابًا مدان”، لا سيما إن تحدثنا عن فترة ما بعد رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2004، وتحديدًا عام 2005 والعهد السياسي الجديد الذي بات يرى في المقاومة ثقلًا لا وسيلة وطريقة للتحرير؛ إلا من رحم ربي ولم يتبع سبيل الهوى.

استئناف مفاوضات التسوية واستجداء الاحتلال والحكومات الأمريكية والبريطانية والفرنسية المتعاقبة أفضى إلى تعزيز فصل المدن الفلسطينية عن بعضها وجاء لنا بالحواجز والنقاط العسكرية التي قطّعت أوصال الضفة وثبّت الكانتونات واقعًا على الأرض، هذا ولم نأت على ذكر الاستيطان الذي زاد 150٪؜.

السياسة التي تُريد حقًا نصرة الحق واللعب (مجازًا) بقوة في أي ساحة، وبمعنى آخر المنظومة التي تُريد أن تقف حقًا على أرضية صلبة قوية تحتاج إلى قاعدة المُزاوجة بين المقاومة (بكافة أشكالها وتفرعاتها) والسياسة؛ تُجيد هي مهارات وركائز نُصرة الحق وتُدول بدبلوماسية تعتمد على القوة لا اللهث خلف سراب ما يُلقيه أمامها مجتمع (يقصد هنا المجتمع الدولي) باع مبادئ أسسها لخدمة القوي الجلاد لا المُستضعف الضحية.

السياسة لا تحفظ سيادة دون أن يقوم النظام بـ “المزاوجة” بين السلاح والسياسة، وفي خطابه الشهير طبق ذلك فعليًا الرئيس الراحل ياسر عرفات عندما ذهب إلى الأمم المتحدة يوم 13 نوفمبر/ تشرين ثاني 1974 تلبية لدعوة وجهت لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي كان ممثلها، وقال: “لقد جئتكم بغصن زيتون مع بندقية ثائر.. فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي، (…) الحرب تندلع من فلسطين والسلام يبدأ من فلسطين”.

هنا زاوج الراحل عرفات بين المقاومة والسياسة وأظهرها جلية أمام العالم كله، وكانت النتيجة أن اعترفت الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة بـ “الشرعية النضالية” لمنظمة التحرير الفلسطينية.

السياسة قد تجلب حقًا، ولكنها لن تستطيع المحافظة عليه على المدى البعيد دون وجود مقاومة تعتمد عليها وتقوي بها كلمتها، وخير دليل على ذلك ما قيل إن الفلسطينيين قد حققوه من اتفاقيات العار (أوسلو وأخواتها)، فقد بات سرابًا بعد أول خلاف تبعه اجتياح عسكري داست خلاله جنازير الدبابات الصهيونية كل حرف كُتب في الاتفاقيات وجعلت منه أثرًا لا يُرى.

وفي الجزء الآخر من الوطن، خرجت ذات الدبابات مدحورة مهزومة تحت وابل قذائف الهاون من قطاع غزة ومن الأراضي التي بات يُطلق عليها حاليًا “المحررات”.

لكل مرحلة وطريق عورات وسقطات، والمقاومة قد غطت عورات السياسة في كثير من المراحل.. وقد أخطأ السياسيون عندما رفضوا المزاوجة بين المقاومة والنهج السياسي، خوفًا من مصطلح “الإرهاب”، الذي غزا العالم بعد أحداث 11 سبتمبر الشهيرة في الولايات المتحدة، مع العلم أن المصطلح يختلف كليًا عن واقع الشعوب الواقعة تحت ظُلم وقسوة وجرائم الاحتلال. السياسة والمقاومة كلٌ منهما يُكمل الآخر ويدعمه في طريق تحرير الأرض المحتلة، وهما طريقان لهدف واحد “التحرير”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق