اشراقات تاريخيةتدوينات

“أصحاب الفيل”: صدق الله وكذب جرجي زيدان

عبد الرحمن نجم

في كتابه العتيق، الـمُعنون بـ”اللغة العربية كائن حي”/ طبعة دار الهلال المصرية لعام 1922، يَتَخَشَّع المؤرخ اللبناني جرجي زيدان بمسوح الاستقراء البحثي، وهو يَرُدُّ تسمية “عام الفيل” إلى اسم قائد الحملة الحبشية “أفيلاس” أو “أفيل” -حسبما يُثبت في كتابه- ثم يؤسس على ذلك فيقول في ص30: “.. وربما قُصِدَ بتسمية العام بعام الفيل؛ نِسبةً إلى هذا القائد، لا لوجود فِيَلة أو فيل مع الحملة، وفق ما أثبتت الكشوف الحديثة” (1).

وَمَأتى خطورة هذا الطرح المَأنوس من زيدان، والمَعْهود عليه في غَيْرِ كتابٍ له (كما في “سلسلة روايات تاريخ الإسلام” و”تاريخ التمدن الإسلامي”) أنه يُسوِّغ للمسلم النظر للقرآن كوثيقة تاريخية قابلة للتصحيح والتضعيف، والمُقَابلة على غيرها من وثائق البَرْديات والمَخْطوطات والمُستحاثَّات والكشوف، لا كنص مقدس لا يَحْتمل هذا التنزيل المُهِين.

فيَنْشأ من هذا التنزيل المهين لكلام الله مُجَاوَزة مَرْجعية الوحي إلى مرجعيات اصطنعتها بشر تُكذِّب صريح مَنْطوق القرآن الكريم! وتجعل كلام الله على ميزان المساواة مع كلام البشر، ولا سيما حين يقول الله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بـ”أصحاب الفيل”).

وليس خافيًا أن الكلامَ على قَدْرِ المُتكلِّم، والمُتكلم الذي نُدِير الحديث عليه هاهنا هو عربي بمُؤهِّل “مستشرق بالوكالة”! مع انتفاء كونِه مستشرقًا بالمعنى التاريخي للمصطلح؛ لأنه عربي من بلاد الشرق، ومعلوم أن حركة “الاستشراق” إنما نبتت في أوروبا بدافع الانبهار بالحضارة العربية الإسلامية في الفترة بين “منتصف القرن الثامن الميلادي وأوائل القرن الثالث عشر الميلادي” (2)  على الراجح من أقوال المؤرخين.

إلا أنك واجدٌ أنه –أي: زيدان- يَبِيع في تآليفه خبائث المستشرقين، غير مفترق في ذلك عن سماسرة الشُّبَه الخفية التي يُنادَى عليها لتزيينها بِعُنوانات خَدَّاعات! ظَاهِرُها إنصاف الإسلام وبيان رحمته وأخلاقيته وإنسانيته بل عَدَالته، وبَاطِنها الطعن عليه وعلى أهله، وإظهارهم كمصاصي دماء! وشَبِقين انتهازيين يعيشون بعقلية “حقبة ما قبل الكامبري”! أو العصور الوسطى في أرقى الأحوال!

فالمستشرقون ووكلاؤهم العرب إنما تنبهوا على أن أمة اقرأ لا تقرأ؛ ولذلك لَانَ لهم قِيَادها إلى الحِمَى الذي يريده ذاك الراعي الخبير. فكانَ أَهونُ الطرق عليهم، وأقصرها سُلُوكًا إلى مآربهم هو بإيراد ما كان قبل أحقاب خاليةٍ عُرفًا عالميًّا ونظامَ حياةٍ اجتماعيًّا على وجهٍ يُوهِم القارئ العربي أنها اختراع إسلامي خالص، لا واقعًا قائمًا ساد العالم القديم كله عربًا وعجمًا (السبي، الاسترقاق، الجواري، الإماء والعبيد، الفتوحات، زواج القاصرات، تعدد الزوجات، الجِزْية، نظام الحكم، الحدود الشرعية، المواريث ..).

وليس الأمرُ إلا أن يُعَمِّيَ الكاتب في مَوْضِع لَبْسٍ أو في تخييل سراب بِقِيعة، فيُمسِك عن البيان حيث يَقْتضيه ذلك منه على حِيلة: (ولا تقربوا الصلاة)!!! من دون استكمال تمام الآية: (ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ..).  

ومن أجل ذلك، كان حَـريًّا بنا أن نُلِمَّ بمَجَامع قصة الشَنآن القديم لنا من أهل الاستشراق، وما حَمَلهم عليه، لسببين؛ الأول: تخليصًا لصدورنا من الشُّبُهات المصنوعة مع كل عصر، ونفيها من الإيمان باستيقان الحجة عليها، كلٌّ حسب ما يُطِيق، ومَنْ يَعُول. وفي هذا الفَلَك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “مَن لم يعرف أسباب المقالات -وإنْ كانت باطلة- لم يتمكن من مداواة أصحابها، وإزالة شبهاتهم”.

واستوصى هارون الرشيد مؤدبَ ولده المأمون فيه فقال: “عَلِّمه الظُّلم؛ حتى لا يَظْلِم”؛ أي: عَرِّفه إياه، وما يؤدي إلى الوقوع فيه.

والشاعر يقول:

عَرَفتُ الشَرَّ لا لِلشَر

 لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ

وَمَن لَم يَعرِفِ الشَرَّ

مِنَ الخَيرِ يَقَع فيهِ

والثاني: تَحْضيرًا للجواب عنها “جوابًا إسلاميًّا” مُستقِلًا بذاته.

ولعلَّ أفضلَ من تكلم في هذا –فيما نعلم- واستفتحَ به على أوجز تأصيل هو الفيلسوف المغربي د. طه عبد الرحمن في صَدْرِ كتابه “الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري” إذ يقول: “لا يخفى أن لكل زمان أسئلته التي تخصه، كما لا يخفى أن واجب كل أمة -كائنة ما كانت- أن تجيب عن هذه الأسئلة. لكن ما قد يغيب عن أذهان البعض هو أن الأمة لا تكون أمة بحق حتى ترتقي بالجواب عن أسئلة زمانها إلى رتبة الاستقلال به؛ إذ ليس لها إلى امتلاك ناصية هذا الزمان من سبيل إلا هذا الجواب المستقل، وإلا صار مِلْكُه إلى أمة سِواها؛ فتُضطر إلى أن تُجيب بما تجيب به هذه، مُسَلِّمةً وهي راغمةٌ قِيادها إليها” (3).

ثم انتهى إلى أن قال: “فلنسأل إذن: هل للأمة المسلمة جوابُها الخاص عن أسئلة زمانها؟ ويزداد هذا السؤال إلحاحًا متى عُلِم أن زمان هذه الأمة ليس كمثله زمان؛ إذ لا يَنحصر في زمن البعثة النبوية، ولا في الفترة التي استغرقتها حضارتها، وإنما يمتد إلى زماننا هذا، بل إلى كل زمان يأتي من بعده؛ فمعروف أن الدين الذي أنشأ هذه الأمة وسَوَّاها هو الدين الخاتم، وكل دين يبقى الزمانُ زمانَه إلى أن يُنْسَخَ بدين غيره، والإسلام دين ناسخ غير منسوخ!”(3).

على أنَّ ظَاهِر جواباتنا اليوم عن أسئلة هذا الزمان إنما تتكلف الإجابات الحداثية، وتُأَسْلِمها بإفراط عشوائي فوضوي، مدفوعة في هذا باستحياء من دينها وثقافتها وحضارتها، ولَكأن الفاتحين المسلمين هم المسؤولون عن مجازر الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي لعشرات الملايين من: الرقيق، والهنود الحمر، والموريسكيين (العرب المواركة في الأندلس)، والأريسيين (النصارى من أتباع أريس)، ويهود الأندلس، في كل من أستراليا وأمريكا الشمالية وإفريقيا وإسبانيا وأوروبا وبلاد البلقان!

فجعلتْ تلك الجوابات بذلك الإسلام في مَوْضِع الـمُتَّـهَم داخل قفص الاتهام، والمسلم في مَوْضع المحامي عنه! والغرب في موضع القاضي عليهما!

فأيُّ انهزامية نفسية، وعقدة نقص، و”متلازمة ستوكهولم”، ومازوخية حضارية، وولع بتقمص دور المظلومية، واضطراب هوية هذا الذي بلغناه اليوم! حتى بلغ بنا استشعار النقص أنْ طلبنا تَسميات عَلْمانية حداثية فأقحمناها عَنْوة على تعاليم ديننا؛ بغية تجميله في أعين الغرب! (مثل: لبرلة الإسلام، أنسنة التراث، أسلمة العلوم، الاشتراكية الإسلامية، تجديد الخطاب الديني، التفسير العصري للقرآن، الخطاب الحداثي، القراءة المدنية للقرآن، محاكمة التراث، حرية الأديان، الإسلام السياسي ..إلخ).

ولقد أَبَانَ المفكر الإسلامي إبراهيم السكران في كتابه “مآلات الخطاب المدني” عن سرطان الهُوية فقال: “الخطاب الحداثي صَبَّ اهتمامه باتجاه تقريب الدين من الذوق الأوروبي، وتأسيس قيم الحداثة من الدين ذاته، مثل: مفاهيم المدنية، وحقوق الإنسان، والديمقراطية الأوروبية (…) فتحول الوحي من حاكم على الحضارة إلى مجرد محامٍ عن منتجاتها! يبررها ويرافع عنها، ولا يُقْبَل من الوحي دور غير ذلك! وليس يَخفى أن الحكم نوع من السيادة، أما المحاماة عن الغير فحالةُ تَبَعٍ يُقَاس نجاحها بإمكانيات التبرير والتسويغ” (4).   

صار الغرب بهذه الإمامة المفوَّضة له من أهل الإسلام رئيسَ “أهل الحل والعقد”! وقاضيَ قضاة الشريعة! فهو الذي يُشرف على خطط إعداد المناهج الدراسية؛ لينزع من كتب الأجيال الآيات الـمُحرِّضة على صناعة الإرهاب والدموية! فهي –عنده- آيات كريمة ينبغي الاحتراز من أن يُسَاء فَهْمها، والاحتيال بها؛ لذا فالحل الأنجع استثناء إيرادها في المقررات المدرسية! حتى دروس الجهاد والمَغَازي والفتوحات يُحبذ أن لا تُدرج في كتب المراهقين؛ فهي تاريخ جميل ولكنه يخص عصرًا مضى وانقضى بمن فيه في عالم سادته الفوضى آنذاك! أما اليوم فالعالم منضبط بمواثيق دولية و”مجلس خوف” و”أمم منفصلة” وديمقراطيات مستقرة كفيلة بإحلال السلم العالمي، ومنع اعتداء دول الجوار بعضها على بعض؛ لهذا ركزوا عوضًا عن التاريخ الـمُغْبرِّ على تكريس “تقبل الآخر”، و”التعايش مع الآخر”، وإشاعة ثقافة “حوار الأديان”، وتعلم الحوار المتمدن، والمناداة بالمساواة بين الذكر والأنثى في كل شيء، وتحرير المرأة من عبودية الزواج والأسرة بأن تكون حرة في التصرف بجسدها وعملها وتقرير مصيرها، وإياكم وتزويج القاصرات دون الثامنة عشرة لكونه اغتصابًا لطفولتهن، لكن إنْ شاءتْ أن تُخادِن وتُباضِع وتُسَاكن خارج إطار الزواج الشرعي أو المدني فلا تحجروا على حرِّيتها في جسدها، فتصاب بالكبت والاكتئاب!!!

وفي الجملة، فإن الذي لا شك فيه أن الإسلام لا يعيش أزمة هُوية بذاته، ولا قطيعة حضارية عن الواقع الإنساني المعاصر؛ ذلك لأن “الواقعية الإسلامية”، وعالمية الخطاب القرآني المتجدد مع القطع بعصمة هذا الوحي الإلهي من التصحيف والتحريف والإبدال منذ القِدَمِ، يؤكد أن الأزمة الحقيقية قابعة في نفس هذا المسلم، فالصراع فيه لا في ذات الإسلام. ومتى عَزمَ المسلم الانعتاقَ من أغلال المدنية الغربية وسحرها، ورجع إلى نفسه، وأدرك معنى كونه مستسلمًا لله أتاه الجواب العاصم من الشبهات، ورحم الله الإمام الأوزاعي إذ يقول: “مَنْ عرف نفسه؛ فقد عرف ربَّه!”.

المراجع:

(1) “اللغة العربية كائن حي”/ جرجي زيدان، ص29 و30 – دار الهلال للطباعة والنشر، القاهرة سنة 1922.

(2):  “المستشرقون”/ ثلاثة أجزاء-  نجيب العقيقي، دار المعارف في القاهرة سنة 1964.

          “الاستشراق في التاريخ الإسلامي”/ د. علي حسني الخربوطلي، معهد الدراسات الإسلامية في الجيزة، أيلول 1976.

 (3): “الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري”/ طه عبد الرحمن- ص15و16 و17، المركز الثقافي العربي- المغرب، طبعة 2009م.

(4): “مآلات الخطاب المدني”/ إبراهيم السكران، ص20، دار الوعي للنشر والتوزيع، 2014 م – الرياض.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق