إشراقات سياسية

رصاصة إسرائيلية سبقت شربة”الماء” فنزل عماد عن الجبل شهيدآ

ابنته آلاء تعيشُ صدمة وشقيقاتها يحدقن في “الجدار”

رصاصة إسرائيلية سبقت شربة”الماء” فنزل عماد عن الجبل شهيدآ

غزة/ يحيى اليعقوبي:

أمسكتْ هاتفها المحمول، تحاول الاتصال على زوجها عماد دويكات مرةً تلو الأخرى لكن دون إجابة، تسألها طفلته” ليش بابا تأخر.. صايرله إيشي!؟”، وفي غمرة الهواجس التي تجتاحها لم تعثر على الإجابة “والله مش عارفة؛ خليني أرن على أولاد عمكم”، لكن أيضًا لم يرد عليها أحد منهم، فعاودت الاتصال على هاتف زوجها، هذه المرة التقطت المكالمة، كمن يلتقط شيئًا يوشكُ على الإفلات منه: “مالك يا عماد بتردش .. أقلقتنا عليك ساعتين”، لكن لم يكن هو “أنا مش عماد يختي .. معك ضابط الإسعاف”. “اسعاف؟” ..

ترافق صرختها دموعٌ أسقطها الاسم وكأنَّ قلبها سقط أيضًا على الأرض وعادَ إلى مكانه، لا تقوى على النطق، خائرة القوى: “ايش صاير لعماد”، أنهى المتصل المكالمة، وتركها تبحث عن النقطة الأخيرة في بحثها عن مصير زوجها بعدما قال لها إنه مصاب بـ “حالةٍ خطرة”، في لحظة أدركت أن الحياة أسودت أمامها، فضباب الحزن يهزُ وجدانها، تمرُ أشباحُ الخوف أمامها، وبدأت مراسمُ الحداد تنحفرُ بملامحها، شعر أطفاله بذلك أيضًا.

مساء الجمعة ( السادس من أغسطس/ آب 2021) لم يعد عماد لمنزله كعادته بعد انتهاء فعاليات يقيمها أهالي قرية “بيتا” جنوب مدينة نابلس على قمة جبل “صبيح” يوقدون المشاعل المضيئة، ويشعلون إطارات السيارات، وغيرها من الأدوات للضغط على الاحتلال يحاولون تفكيك مستوطنة “افيتار” التي يحاول الاحتلال إقامتها على قمة الجبل.

كانت زوجته سمر دويكات تصغي إلى دقاتِ قلبها، ينخرُها التوترُ ويحاصرُها القلق وتتساقطُ في عقلها هواجسٌ واحتمالاتٌ كثيرة تجهل مصيره.

على قمة الجبل، وحسب روايات شهود عيان، كان عماد يوشك أن يشرب كأس الماء بعد يوم دام عاشه المتظاهرون أصيب منهم العشرات بفعل رصاص الاحتلال ليبتل ريقه، لكن الرصاصة الإسرائيلية وصلت قلبه قبل نزول الماء إلى رئتيه، وكأنَّ تلك الرصاصة اخترقت قلب زوجته قبل أن تخترقَ قلبه.

“لم يرد أحد على اتصالي، كنت خائفة، فالوضع على قمة الجبل صعب وجنود جيش الاحتلال كل جمعة يعتدون على المشاركين في التظاهرة والفعالية التي تطالب بإزالة بالبؤرة الاستيطانية بوحشية ويطلقون الرصاص الحي على صدور المشاركين” ..

صوت الحزن ينبعث من خلف جراح قلبها، ممزوجٌ بالحسرة والبكاء، تستمع إليها صحيفة “فلسطين” عبر الهاتف وهي تعيد رواية الحدث من بدايته: “استيقظ صباح الجمعة، وهو اليوم الذي يتعطل فيه عن عمله في البناء بالداخل المحتل، تناولنا طعام الإفطار وجلسَ مع بناته الأربع ولعبَ معهن وداعب ابنه الرضيع علي (شهران) “.

سمر التي لم تعترض على مشاركة زوجها لأهالي قرية “بيتا” الذين يقاومون بؤرة استيطانية يحاول الاحتلال إنشائها على قمة جبل “صبيح” كل جمعة، وجدت هذه المرة عذرًا قد يدفعه للعدول عن المشاركة: “روح عند أبويا عشانه مريض اقعد معه بالمستشفى”، تسمع تنهيدة تحملها أنفاسها المختنقة بالدموع وهي تستذكرُ تلك اللحظة: “أخبرني أنه أمضى يوم الخميس عند أبي، ووعدني أنه بعدما يعود من قمة الجبل سيذهب لوالدها.

تعلق بحسرةٍ: “كان مكتوبله يروح الخميس عشان يودعه”. لم تذهب إلى المشفى للتأكد من استشهاده، استجابت لإحساس قلبها بأنه “رحل ولن يعود” حتى صدق ذلك أصواتُ أهالي القرية المتوافدين للمنزل، يقدمون لها العزاء، ويطلبون منها احتساب مصابها الجلل لله.

كانت صابرة هنا أيضًا “الحمد لله ربنا يصبرني على فراق عماد ويعيني على تربية بناتي”.

يومان مضتْ ولم يزر النعاسُ عيني زوجته وأطفالها، أكبرهن آلاء تسع سنوات لم تستطع حتى القاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمانه ترقد منعزلة عن الجميع لا أحد يشعر بالمرارة التي تعيشها الطفلة التي فقدت في لحظة ٍ والدها وهي فرحته الأولى، بيلسان (8 سنوات) ورؤى (ست سنوات ونصف) وجنَّة (أربع سنوات) اكتفين بالتحديق بصورته التي علقت على جدار غرفة استقبال الضيوف يبكون وهم لا يعرفون الكثير عن مراسم الوداع يتوجهن لوالدتهن: “بدنا بابا؟” طلبٌ تحتارُ الأم في الرد عليهن فيه، أم علي ابن الشهرين لم يهنأ والده بقدومه إلى الحياة.

“لم أنم منذ يومين، أشعرُ أني أعيشُ حلمًا سأستيقظ منه مرةً أخرى، كلما أحاول النوم لا أستطيع، أتأمل صورة عماد أستذكر لحظاته الأخيرة فقبل أيام كان يتأمل صورة أحد الشهداء، ويركزُ في ابتسامته، وكان يمني النفس أن يكونَ شهيدًا، لكني غيرت الحديث في تلك اللحظة خشية حدوث ما يتمنى” ..

صوتها الذي خفت، نابت عنه دموعها التي غلبتها في لحظةٍ فلم تستطع أحبالها الصوتية إعانتها على إخراج كلمات أخرى.رحل عماد، ولن يطل كل يوم قبل ذهابه للعمل على شقة والديه في أسفل المنزل، ولن يعود من العمل ليقبل يديهما قبل صعوده لشقته ورؤيته أولاده، لن يناغش شقيقته نهاية التي تعيش مع والديها، تفتقد شقيقته عبر الهاتف كل ذلك وقد سبقت صوتها الدموع “نعيشُ في صدمة لا نصدق أن عماد رحل، أبي وأمي يبكيان طوال الوقت عليه فقد كان حنونًا بارًا بهما، لا يمكن أن يعود إلا ويمر عليهم”.

وجع قلبها يتجسد في صوتها المكلوم “في كل جمعة كنت أحاول منعه عن المشاركة خوفًا عليه من بطش جنود الاحتلال، لكن الجمعة السابقة ودعته بالدعاء: ربنا معك .. ربنا يحميك يخوي، لكن قلبي كان يشعرني بالقلق وبأن شيئًا ما سيحدث”.ترثي رحيله “أفتقده؛ أفتقد كل شيءٍ في رحيله، طلته، ابتسامته، دائمًا ما يسألُ عني وعن أحوالي، يحبُ بناته فكان يعلمهن قراءة القرآن وهن صغار حتى أصبحن يجدن التلاوة ولم يتجاوزن عشر سنواتٍ (..)

حسبنا الله ونعم الوكيل للاحتلال اللي حرمنا من أخويا”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق