تدويناتتقارير

صفاء لـ “أمير الظل”: لقد تحققت نبوءة “الرداء الأبيض”!

دق الطارقُ بابَ منزلهم قبل أن توقد شمعةَ ميلادها قبل عامين، فتحتْ صفاء باب المنزل لتستقبل ظرفًا مغلفًا؛ حتى اللحظة لم تعرف الوجهة المرسلة للهدية، ساقها فضولها لمعرفة هوية صاحب “المفاجأة الجميلة!” بعد أن ذهب المراسل وأغلقت الباب، أزالت الغطاءَ بهدوءٍ، لتجد الهدية رداءً طبيًا، ثم ساقها نظرها لعبارة مكتوب عليها “الدكتورة صفاء البرغوثي” ثم التقت عيناها مع اسم صاحب الهدية الذي ذيل توقعيه عليها وهو والدها الأسير عبد الله البرغوثي.

هديةٌ تجاوزت عتمة السجون، يثبت من خلالها “امير الظل” أنه قادر على أن يكون الغائب الحاضر دومًا بمناسبةِ أولاده، وهو يقدمُ درسًا تلو الآخر بأساليب التحفيز التي لا يمكن أن تقيدها سجونٌ وقضبان.

مع بداية السنة الدراسية للثانوية العامة، كانت المسافة الفاصلة بين صفاء وحلمها بدراسة الطب، هي المساحة التي تفصلها عن الكتب والورق، علقت الرداء الطبي أمام مقعدها الدراسي، تنظرُ إليه ومن خلال الرؤية بدى طيفُ والدها، تتذكرُ هديته، تفهم رسالته بأنه يريد أن تكون طبيبةً، تشعرُ بمسؤوليةٍ كبيرة، فسهرت ليالٍ طويلة وهي تمر على الصفحة تلو الأخرى، وتراجع الدرس والمعلومات وتخزنها في ذاكرتها، وتدونها على الورق، حتى مرت أيام التوجيهي بـ “حلوها ومرها” وتجاوزت عقبة أزمة كورونا وقدمت الامتحانات.

يوم الإعلان عن النتائج، تجمعت عائلتها حولها، كانت عين صفاء تنتظر أن ترى معدلها يقفزُ من شاشة هاتفها المحمول، لكن قلبها كان هناك عند والدها الأسير، تدركُ أنه سيعرف نتيجتها من خلال الإذاعات، تمني النفس لو أنها تستطيع أن تحظى باتصالٍ تسمعُ فيه صوت فرحته، لو أنها تستطيع احتضانه.

ظهرت النتيجة بحصول صفاء على معدل 98.3% في الفرع العلمي، معها توقفت هدير مخاوفها في لحظاتٍ حبست فيها أنفاسها وهي ترقبُ المعدل وعمت الفرحة أرجاء المنزل.

“أنا ابنةُ عبد الله البرغوثي صاحب أعلى حكم في تاريخ القضية الفلسطينية والعالم” .. بهذا التعريف عن النفس استهلت صفاء التي تمسك الطرف الآخر من سماعة الهاتف حديثها لصحيفة “فلسطين”، تنبعث الفرحة من صوتها “كانت لحظات لا تصفها كلمات حينما أعلنت النتائج، وأهدي نجاحي لأمي وأبي الذي تمنيتُ أن يكون بجانبي ليشاركني الفرحة”.

تزيح الستار عن بقايا تفاصيل هدية والدها “كنت أحدثه عن حلمي بأن أكون طبيبة، فأخذ الأمر على محمل الجد وأرسل الهدية (الرداء الطبي) في يوم ميلادي، وكانت حافزًا كبيرا، لدرجة أني أيام الامتحانات علقت الرداء أمامي حتى أحقق أمنيته”.

إضافةٌ لمنعها من زيارة والدها منذُ ثلاث سنوات، وتأثير ذلك النفسي عليها، تخطت صفاء أيضًا صعوبات أخرى بصعوبة التعلم الالكتروني، “رغم ذلك تحديت غياب أبي، وسعيت للحصول على معدل يرفع رأسه (..) في نظام دراستي لم أركز على عدد الساعات بقدر ما كان نظامي التركيز على مذاكرة عدد الدروس اليومية بغض النظر عن الوقت الذي سأمضيه فيه”.

قبل عدة أسابيع تخرجت تالا ابنة “أمير الظل” من الجامعة من تخصص المحاسبة وأوقدت شمعة فرح في عتمة السجن، واليوم توقدُ ابنته صفاء شمعةً أخرى بين مؤبدات والدها المحكوم بالسجن 67 مؤبدًا كأعلى حكمٍ في التاريخ، وهو معتقل منذ الخامس من آذار/ مارس 2003م.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق