إشراقات سياسية

بريطانيا، أمريكا والتطبيع: “ثالوث” الجريمة في فلسطين

خلدون زكريا مظلوم

لم تقع فلسطين المحتلة تحت احتلالين عبثًا أو لما فيها من نفط أو ما شابه من ذهب أسود كأخواتها السعودية ودول الخليج، ولكن احتلت من قبل بريطانيا أولًا بسبب ضعف الدولة العثمانية وخذلان جامعة الدول العربية للشهيد عبد القادر الحسيني عندما طلب منها عونًا ومدًا عسكريًا لمحاربة العصابات الصهيونية التي وضعت قدمًا في أرض فلسطين التاريخية عبر وعد بلفور المشؤوم.

ووقعت فلسطين تحت الاحتلال أيضًا بسبب موقعها الاستراتيجي الذي يتوسط الوطن العربي، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية التي أرادت السيطرة على العرب والمسلمين عبر احتلال أرض الوقف التي تعني الكثير للعالم أجمع، وليس فقط عربيًا وإسلاميًا، فوضعت سرطانًا في المنطقة حتى تبقيها منشغلة في حالها، فتُنفذ أمريكا أهدافها وخططها بثوب ألبسته لنفسها حبكت عقده بالسلام والحرية.

وفي جانب آخر من التاريخ؛ فقد أغفل الناس فصلًا مهمًا في قضية فلسطين العادلة؛ التي شغلت العالم على مدار 73 عامًا (منذ عام 1948) حتى يومنا هذا، ذاق فيها شعبنا الويلات وارتكبت بحقه مئات آلاف الانتهاكات والاعتداءات التي صُنفت في معظمها على أنها جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية التي فقدها العالم حينما صوت لصالح قرار تقسيم فلسطين المحتلة..

الفصل الذي أغفله التاريخ هو غزوة نابليون بونابرت عام 1799 لمدينة عكا، المحتلة حاليًا من قبل الاحتلال الصهيوني، حينما دعا ذاك القائد الفرنسي المعروف ببطشه وعنصريته لإقامة “وطن قومي” للجماعات الصهيونية المتشرذمة بشتى أنحاء العالم وتجميعهم في فلسطين، وكلنا يعلم كيف كانت تلك الجماعات معضلة مستمرة للدول التي كانت وما زالت فيها، لا سيما أوروبا، والسعي الدائم للتخلص منها.. وبعد أن تحطمت نوايا بونابرت على أسوار عكا وعاد مخذولًا مدحورًا إلى باريس، بعدها بـ 98 عامًا احتضنت مدينة بازل في سويسرا، دولة أوروبية وعضوًا في الاتحاد الأوروبي حاليًا، مؤتمرًا للجماعات الصهيونية بتاريخ 29 آب (أغسطس) عام 1897، بزعامة ثيودور هرتزل، وقد نجح في الترويج لفكرة استعمار فلسطين وإقامة وطن لليهود هناك.. وكان من أهم نتائجه إقامة المنظمة الصهيونية العالمية لتنفيذ البرنامج الصهيوني الذي ينص على أن “هدف الصهيوني هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام”.

وفي الـ 2 من تشرين ثاني/ نوفمبر 1917 منحت بريطانيا العصابات الصهيونية “وعد بلفور”، والذي ترتب عليه احتلال كامل تراب فلسطين بداية من عام 1948، وقبله، عدا عن المجازر والانتهاكات وكل الاعتداءات.

وصولًا إلى الدعم الذي حصلت عليه العصابات الصهيونية عبر قرار التقسيم، دعم دولي وفي مختلف المؤسسات الدولية لإقامة “إسرائيل”، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 29 نوفمبر 1947 والذي حمل رقم 181.. وقد أعطى اليهود كيانًا على مساحة 57.7٪؜ من أرض فلسطين ووضع القدس وبيت لحم تحت وصاية دولية.

وبعد إعلان العصابات الصهيونية قيام دولة الاحتلال لاقت دعمًا بكل السبل؛ العسكرية والدبلوماسية والسياسية، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.. مساعدات عسكرية تمثلت بمنح جيش الاحتلال وسائل عسكرية وذخيرة قاتلة مميتة بكافة الأنواع؛ لا سيما الطائرات المتطورة والتي شكلت فارقًا في كل معركة وعدوان شنّه الاحتلال ضد الفلسطينيين ومن قاتل معهم على مرّ التاريخ.

وقد حصل الاحتلال على تغطية سياسية مستمرة؛ في المحافل والمؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، مجلس الأمن، محكمة العدل الدولية..)، خاصة بعد أي عدوان يُرتكب فيه جرائم ترقى لما يُحاسب عليه القانون والمواثيق الدولية والدولية الإنسانية.

ولن يقف الدعم الأمريكي عند منح الصهاينة القدس “عاصمة مزعومة” أو عند غض النظر عن الاستيطان التهجير والتهويد وتغيير المعالم العربية الإسلامية إلى صهيونية ومحاولة تثبيت تاريخ مزوّر ووجود لا وجود له.

وثالث أضلاع الجريمة التي وقعت في فلسطين المحتلة؛ التطبيع، والذي شجّع الاحتلال وغطى على جرائمه وقدّم له مسوغات استمراره في الاستيطان والعدوان وعمليات القتل والاعتقال بحق شعب أعزل.

وحتى نقطع الطريق على أذناب عمليات التطبيع والتسوية الاستسلامية؛ فإن الضرر قد وقع على القضية الفلسطينية داخليًا وخارجيًا، بدءًا من التوقيع على اتفاقيات أوسلو بأقسامها السياسية والأمنية والاقتصادية، إلى الاعتراف بـ “إسرائيل” على 75% من أرض فلسطين التاريخية، وقبل ذلك وضع فلسطين في موضع الاختيار بين معسكر الاتحاد السوفيتي سابقًا والولايات المتحدة خلال وبعد الحرب العالمية.. وصولًا إلى الانقسام الداخلي منذ حزيران (يونيو) 2007، وليس أخيرًا الرهان على الأنظمة الخارجية، لا سيما الولايات المتحدة وغيرها من الدول الأوروبية، لـ “إنعاش” عملية سلمية يدعون فيها “تحرير” فلسطين، وهي ذاتها التي كانت قد منحت شتات اليهود موطأ قدمٍ في أرض فلسطين، وزادت من وتيرة الاعتداءات والاستيطان.

فلسطين وأهلها يعانون من “ثالوث” جريمة وضعت أضلاعه خططًا نجحت في بعضها وتُخطط للاستمرار، حفاظًا على أهداف استراتيجية بعيدة المدى، ينظر كل ضلع من خلالها لمصالحه الشخصية؛ لا سيما الأنظمة العربية المُطبعة التي تُريد الحفاظ على كرسي نظامها بعيدًا عن مصلحة شعوبها، وليس نهاية بالعالم الذي وجد في أرض فلسطين إلى جانب مزاعم صهيونية في فلسطين ومصالح أمريكية للسيطرة على المنطقة بما فيها من نفط وثروات.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق