إشراقات سياسية

حتى لا نسقط في الفخ

يدور جدل على مواقع التواصل في (السعودية) حول قرار الحكومة السماح بفتح المتاجر في أوقات الصلاة، على خلاف ما درجت عليه العادة منذ عقود طويلة في البلاد؛ إذ كانت المحال التجارية تغلق لمدة تقارب النصف ساعة، في أوقات الصلوات الخمس حتى يذهب الناس لأداء الصلاة في المساجد.

انقسم الناس هناك إلى من يهاجم القرار ومن يدافع عنه، وكعادتنا – كعرب – في كل مسألة خلافية نتطرف في مواقفنا ونخوض كل نقاش وكأنه معركة.

وحتى نستطيع الإجابة على السؤال المتعلق بصوابية القرار الجديد، فإن هناك سؤالان يجب أن نقف عندهما، وهما:

** هل كان القرار القديم بإغلاق المحالّ التجارية صائبًا أم لا؟

** وهل دوافع القرار الجديد بريئة، ونيّة متَّخِذِه حسنة أم لا؟

بالطبع فالقضية الرئيسة التي أريد التنبيه إليها ليست تفاصيل تلك القرارات، وإنما أن نستفيد من المنهج الذي يجب أن نتعامل من خلاله مع هذه الأمور.إن الإجابة على السؤالين السابقين ضرورية لتحديد مسار النقاش في هذه القضية والقضايا المشابهة لها.

من الواضح أن قرار إلزام التجار بإغلاق محالّهم التجارية أثناء مواعيد الصلاة لم يكن قرارًا سليمًا، فهو قد تسبب في إشكاليات عدة، منها:

أن النساء كنَّ يتكدّسن في الشوارع عند إغلاق المحلات منتظرات إعادة فتحها، وفي نفس الوقت فإن القرار لم يفلح بإيجاد الوازع الداخلي لدى عامة التجار للمحافظة على الصلاة، فمن كان فاقدًا لهذا الوازع الداخلي كان يغلق باب محله على نفسه، ولا يذهب للصلاة في المسجد، وعمومًا لا يُعرَف أن هذه الممارسة طُبّقت بهذا الشكل الإجباري في المجتمعات الإسلامية قديمًا، وإنما كان الناس يغلقون محالّهم ويبادرون للذهاب إلى المساجد بإرادة داخلية منهم.

ومع ذلك فإنه لا يجوز أن يغيب عن موقفنا جواب السؤال الثاني، سؤال الدافع وراء هذا القرار، وقبله قرارات أخرى كقرار السماح للمرأة بقيادة السيارة، فهذه القرارات لم تأت في سياق تصويب خطأ سابق والتراجع عنه، ولو كانت كذلك لوجب الدفاع عنها، ولكنها قرارات جاءت تهدف لسلخ المجتمع في الجزيرة العربية عن التزامه الديني، فهي تأتي ضمن منظومة متكاملة فيها بعض الحقّ كهذا القرار وقرار السماح للمرأة بقيادة السيارة، وفيها الكثير من الباطل كالقرارات المتعلقة بالسياحة والمهرجانات الفنية وما شابهها.

روي – ولا أدري مدى صحة ذلك – عن الإمام عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الإسلامية في الجزائر (المتوفى سنة 1940 م) أنه قال (والله لو طلبت مني فرنسا أن أقول لا إله إلا الله، ما قلتها)، وهو هنا – إن صحت الرواية عنه – نظر إلى أنه لا يمكن لفرنسا التي كانت تحتل الجزائر حينها أن يكون طلبها هذا بريئًا، رغم أنها تطلب شيئًا صحيحًا، وهذا درس يجب أن نَعِيَه:في بعض الأحيان يكون القرار أو الموقف – لو نُظِر إليه بشكل مجرّد – صائبًا، ولكن يكون من الغفلة أن تؤيده دون الانتباه لدوافع صاحبه، وفي نفس الوقت ليس من الحكمة أن تنتقده لسوء قصد صاحبه حتى لا يلتبس على الناس الحق بالباطل، ولذا فالمطلوب في مثل هذه الحالات – ومن أهل الرأي على وجه الخصوص – أن يوضحوا موقفهم عبر بيان صواب الموقف والتحذير – في نفس الوقت – من دوافعه وتوابعه، وإلا سنعرض أنفسنا وأبناء مجتمعنا لاختلاط الحابل بالنابل، واشتباه الحق بالباطل.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق