إشراقات سياسية

العلاقة ما بين قمع المتظاهرين والانحلال الأخلاقي

إنّ مما يطيل عمر الاستبداد والأنظمة القمعية التي اعتادت السحل والقمع والقتل والإقصاء، إشاعة الفوضى الأخلاقية وإغراق المجتمع في مزيد من الانحلال الأخلاقي، والفلتان القيمي، وإشاعة أجواء من اللذائذ والمتع المحرمة والشهوات النسائية، كمهرجانات الرقص التي ترعاها تلك الأنظمة، وتوفر لها الدعم الكامل، وإن عجزت عن المكان لمواراة سوءات نظامها، تفتح مقامات الأنبياء ومساجدهم؛ لإكمال المهمة.

ولذلك جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: «صنفان من أهل النار لمْ أرَهما بعد: رجالٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلْنَ الجنّة ولا يجدنَ ريحها، وإن ريحها ليوجدُ من مسيرة كذا وكذا».

فهذا الحديث يشير إلى علاقةٍ وطيدة بين النظام البوليسي القمعي، وما بين الانحلال الأخلاقي، فهنا «قومٌ معهم سياط كأذناب البقر» وصفٌ لقومٍ قميئين يتفننون في إذلال العباد، وتعبيدهم طريق الذل والعبودية، ما إن تسمع آذانهم كلمة (اضرب)، (اسحل)، (اقتل)، (اعتقل) تجد السياط حاضرة، والعقول مقفلة، فعقولهم استحوذت عليها أسماعهم فلا عقل إلا الأذن، كما أن (أسياط)، (أذناب) والكلّ جمْع تدل على أن ذلك وسيلة نظام مستبدّ باطش وليس حالة فردية.

وأما الانحراف الثاني (الصنف الثاني): فهو النساء اللواتي ينشرنَ الرذيلة بوسائل كثيرة، ويسمحن لأنفسهنّ ليكنّ أداة رخيصة بيد من باعوا دينهم بدنيا غيرهم، لإشباع غرائزهم.

ولكنّ السؤال الأهم الذي يجعلنا نفكّر مليّاً هو: ما العلاقة بين السياط وأذناب البقر وبين النساء الكاسيات خاصة أن الحديث جمع بينهما «صنفان من أهل النار لم أرهما»؟! والجواب عليه: أن ثمة ارتباطات بين القمع والانحلال، فالضرب بالسياط فيه إهدار لآدمية الإنسان وكرامته التي كفلها الله تعالى “ولقد كرمنا بني آدم”، وكذلك التعري والمجون والرقص الخليع، فيه من الهوان ما يجلب الذل والعار لصاحبه، مما يهدر آدميته وكرامته.

كما أنّ الصنفان يدلّان على فساد منظومية الحكم،

فالأول: يشير لفساد العلاقة بين الحاكم والشعب، ويجعل ثمة هوة شاسعة بينهم، وهذا فساد سياسيّ.

والثاني: فساد العلاقة الأسرية والاجتماعية بين الرجل والمرأة وفقدان التربية للأبناء، وهذا فساد اجتماعيّ وأخلاقيّ.

فالعلاقة بينهما إما أن تكون:

١. علاقة عكسية: فكلما مارست الأنظمة البوليسية القهر والظلم وكبت الحريات وتكميم الأفواه، فإن ذلك يؤدي إلى الانحراف والانحلال والاختلال في الأخلاق والسلوك، والعكس صحيحٌ، وهذا ما أشار إليه شيخنا العلامة يوسف القرضاوي، بأن الانحراف الأخلاقي مقدمة إلى الاستبداد السياسي.

٢. علاقة تلازمية: فالحاكم المستبدّ لا يكتفي بالقمع والقتل والقهر فقط، بل يسعى لنشر الانحلال والإباحية وإطلاق الغرائز

لتكون النتيجة: جيلا ساهيا لاهيا مفرغا من مضمونه مشوه الانتماء ومطموس الهوية، لا يفكر كيف يقف في وجه الفساد والاستبداد، ولا يعتبر التعري إلا مقاومة للاحتلال، وتفريغاً للكبت والتضييق، وبالتالي ليس غريباً أن تنشط اقتحامات المقدسات الإسلامية وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك، في الوقت الذي تنشط فيه حركة القمع وتكميم الأفواه ومهرجانات الرقص والتعري. وصدق الله إذ يقول: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا” الإسراء، 16.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق