تدوينات

عصر المظلومين

إن أبشع العصور هي عصور الظلم ، والتعدي عن الحق إلى الباطل ، والجور على الكرامة الآدمية ، رغم أن البشرية بكليتها تُجمع على قيمة العدل   كقضية انسانية مشتركة لكن الأنانية الشهوانية تتغلب على القيم  في غياب الضمير وتوهم القوة  ، فتضيع الحقوق وتنتشر عبودية الإنسان للإنسان ويستفحل الفساد في البر والبحر وتطفو طبقية متكرشة ، وعامةٌ مسحوقة مقهورة ، وإن الإنسان ليس لحم ودم فحسب بل أيضا مشاعر وأحاسيس إذا ما اختنقت خنقت معها دمه وحياته

إن الإسلام العظيم جاء بتشريعاته منسجما مع الفطرة و محققا لكرامة الإنسان ( ولقد كرمنا بني آدم) مبينا حقوقه في كل موضع وواجباته حتى لا يبغي أحدٌ على أحد ، ولكن حَيدَ الإنسان عن تعاليم السماء واستسلامه لشهواته وشيطانه يصنع من عالمه غابة موحشة يُصبِر المؤمن فيها ايمانه بالعدل الرباني في الآخرة ، فقد بين لنا ربنا جل في علاه في الحديث القدسي ( إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ) وفي الحديث الصحيح عن الآخرة  (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء )

وكذلك العدل  في الدنيا وإن طال ليل الظالمين (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير ) وقد قيل إن الله ينصر دولة العدل الكافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة ،  وقال تعالى ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) فهي رسائل قرآنية للعالمين ودولهم  للبحث في التاريخ والنظر في نتائج  صيرورة الدول الظالمة واستخلاص العبر ،
 وهي قبل ذلك  تخاطب المسلمين أفرادا مُذَكِّرة لهم بإيمانهم الأخروي محذرة لهم من الظلم ، فيقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح  ( أَتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فِينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ، فقالَ: إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأْتي قدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ) ويحذر عليه السلام كل من تسول له نفسه بظلم فيقول (اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب ) ويذكرهم ربهم بنعمه عليهم ليتجلى لهم المُعطي والمانع فيذكُر لهم قول موسى عليه السلام  ( قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين)

أما المظلومين فإن عصرهم يُحتم عليهم تكاتفا وتراصا ونصرة ودفاعا ، ويأبي عليهم استكانة وسكونا وانتظارا ، وإلا فإنهم يجرئونهم على المزيد من الظلم ، وإن الظلم الواقع على غيرك سيصل إليك  ، فمغادرة منازل القاعدين إلى ميادين الصادحين رفعا لراية الحق المبين  تُثقل الموازين ،  ولنا في ذلك بيان من أبي بكر وعبرة من سير الأولين  ، والنصوص النبوية ظاهرة  بيِّنة ، قال عليه السلام (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) وقال عليه السلام (ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موطن يُنتقص فيه من عرضه , وينتهك فيه من حرمته , إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته ، وما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه , وينتهك فيه من حرمته , إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته )

 فرفع الظلم واجب كفائي في الإسلام إذا قام به البعض ورفعوا الظلم فبها ونعمت وإلا فالإثم يشملهم ، وكل وفق استطاعته ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)

أخيرا فإن شعبا ما زال يتعرض لظلم تاريخي وقد احتلت ارضه ونهبت خيراته وآلة القتل والتشريد والأسر ما زالت ماثلة مستصرخة تنتظر الخلاص والعدالة ، حري به أن يُعلي من قيمة العدالة بين مكوناته ، فإن كان لا يستقيم الظلم في المجتمعات المستقرة فأعظم بها من خيانة في شعب يرنوا لرفع ظلم المحتلين .


الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق