تدويناتتنمية بشرية

تخفف من توقّعاتِك ودع الحياةَ تفاجئك

أسير في طريقي فأنظر إلى البيوت الممتدة أمامي، لم يكن الفضول يومًا من طبع نفسي، لكنني مأخوذ بحجمِ العالم وبكثرةِ ساكنيه، خلف كل باب من أبواب تلك البيوت يعيشُ إنسانٌ واحدٌ على الأقل، ولكل إنسانٍ قصة، حياةٌ كاملة، هموم و أحلام ، أفراحٌ و و أتراح ، أسئلةٌ تنتظر جوابها و أدعية يخرج من القلب، في كلِّ حركةٍ أتخيلها خلف كل باب أشعر بقدرة الله العظيمة، ثمة رجلٌ يرشفُ رشفة من فنجان قهوته في صالة بيتِه ويفكّر في أمرٍ يشغلُه ، ثمةَ امرأةٌ تهون على ابنائها وهب تطلب حنان اللهِ لهم ، وهناك شاب ربما يكونُ من جيلي يتحركُ في ولا تهدأ له سريرة وهو يحاولُ تصوُّر ما يُمكن أن يكونَ مُخبَّئًا له في الغد، تُتعبُه محاولات التنبؤ فيُريحُها تفويضُ علَّامِ الغيوب ،

أفكار تخِزُ كالإبر، و أخرى تداعبُ كالنسيم، طفولة ضاحكة، شباب متسائل ، تمتمة خفيضة للذكر، يد على القلب، تذكر الأشياء السعيدة؛ ما فات منها، وما تودُّ أن يجيء، وكلما أراد جفنك أن يسقطَ على الجفنِ مدَّ الضميرُ مسمارًا. كلها تفاصيل متشابهة ، نفسها دائما ، نفسه الزمان دائما باختلاف ما تكدسه الأيام و السنوات على الجبين ، وفي القلب.

لستُ مُشتَّت ولا تائه ، لم تتسرب مني الفكرة ولم أفقد التركيز، ما أُريد قولَه أن اللهَ خلقَ غيري وغيركم كثيرًا ولم ينسَ أحدًا ممن خلق، وأن الحياة أوسعُ من نظرةِ أحدنا اللحظيةِ في جروحِه وظنِّه أنَّ حياتَه مُعتمة، والحاصلُ أن الحياةَ لم تُعتمْ وإنما أعتمتْ بصيرتُه ، وأنه نسي، نسيَ أنه ملك الله واللهُ يتصرفُ في ملكِه كيف شاءت حكمتُه، وأن الله حتى وهو المالكُ المُتصرِّفُ حنَّانٌ مَنَّانٌ حتى عندما لا يرى العبدُ بنظرتِه القاصرة ونفسِه الهلوعة حنانًا ولا منَّة.

وعندما أصل بيتي ، تحت ضوء غرفتي الخافت و سكون الليل ، و بينما ينشغل السهرانُ بترتيبِ دماغِه وتهويةِ قلبِه، أجدُ في دماغي وفي قلبي سؤالًا كبيرًا: ما الذي يحدث فتحدثني نفسي : ، أن معظم شقاء الناس ، أنهم ينشغلون كثيرًا بالسعادة، هناك من يختزلونها في مأمولٍ يُحبطون بعدمِ حصوله وتفقد الدنيا معناها بفقدانه، ومَن يحصرونها في تغير واقعٍ صعب فلا يسعدون ما دام قائما، والأشقى من هؤلاء وأولئك هم الذين لا يعرفون ما السعادة أصلا، ولعل منشأ علتهم عدم معرفتهم ما يريدون في دنياهم. إن كان من شيءٍ أستطيعُ أن أقولَه لتحصيل السعادة فهو: لا تشغل نفسك بها.

تقرب إلى الله وانشغل بما ينفعك، املأ أوقاتك بما يستغرق عقلك وقلبك حتى لا تدع ثغرة، انظر في كلِّ متاحٍ لكَ كنعمةٍ لا كحق، عندها ستفرح بالحياة العادية كل يوم وستُدهشُك التفاصيل، إذا نجحت في كل هذا ستسكن، ربما لا تحصل لك سعاداتٌ كبيرة، لكنك سترضى وسيهدأُ قلبك.

عُدَّ ما لديكَ كل يومٍ ولا تنتظرْ شيئا بعينِه، تخفف من توقّعاتِك ودع الحياةَ تفاجئك .

لنكن أعقلَ وأنصفَ وأفهم؛ ولنُحبَّ اللهَ أشدَّ من حبِّنا أقدارَه وما ننتظره منه، الأقدارُ تتغير والله لا يتغير، معكَ في أيِّ حالٍ كنت، لا تحتاجُ أكثرَ من يا رب، ليقول لك لبيك!

لا تدعوا الوقتَ يتسرَّب، واستغلوا كلَّ فرصةٍ ممكنةٍ للفرح، كل لحظةٍ يمكنكم صبغُها بالبهجةِ لا تترددوا عنها، لا تُعلِّقوا أعينَكم على ما فات، ولا تغفلوا عما بين أيديكم، ولا تُكثروا الحساب لما سيأتي.

أنتم بخيرٍ ما دام عندكم شيءٌ تستطيعون أن تنشغلوا به وتنغمسوا فيه حتى تنسوا، أنتم بخير ما دمتم تستطيعون السجود، حتى ولو دفعتم أنفسَكم دفعًا لفعلِ شيءٍ من هذا كله، أنتم بخير ما دمتم قادرين على الاستجابة للدفع ومغالبة الكآبة. عش الحياةَ بامتنانِ الذي نجا لا أسى الذي كاد يهلك، وانظر لما بين يديك كأنعُمٍ لا مُستَحقّات.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق