تدويناتشرعي

سيكولوجيا الـمُعاند: لماذا يؤمن الملحدون بالله سرِّاً ويكفرون به جهرًا؟!

تَحَار حين تَفْحص مِن كَثَبٍ عن سيرة واحدٍ من أَحَدِّ الأذكياء في القرون الخالية كابن الراوندي الذي كان أحد علماء المسلمين قبل أنْ يُـلْحد، ويتكسَّب باستكتاب اليهود والنصارى إياه للطعن على القرآن، وإبطال النبوات.

حتى قال في فَرْطِ ذكائه الـمُبرد رأس النحاة في زمانه: “جلس إليَّ أيامًا، ووالله لو اختلفَ إليَّ سنةً لاحتجت إلى أن أقوم، وأُجلسه مكاني!”.

وكذا الأمر عينه ينسحب على غَيْرِ واحدٍ من حاضرنا الـمَعِيش، مثل عالم الفيزياء الملحد “ستيفن هوكينج” الذي انفرد عن أضرابه، بل بَـزَّهم بالجملة، بأطاريح ونظريات كونية استبهرتهم، ودلل بها على توكيد وقوع حوادث طواها الزمن السحيق عن أن تُـحَسَّ! وافترضَ عليها بـ”السببية” ما أَقـرَّ أنها قطعيات حادثةٌ في الماضي، وأخرى تقع في المستقبل!

بل اسْتَهوته شياطين عقله أن يَحْسِب موعد انتهاء العيش على الكوكب الأزرق، فقَدَّرَ له بمئة سنة مستعينًا بالمعادلات الرياضية! لكنه لما سُئل عن الله، قال إنه لم يجد في الفيزياء ما يدل على وجود الله!

وأغلب الظن أن هذه “الفيزياء الـمُلْحِدة!” ألهمته التحمس لنظرية العوالم المتعددة، واقتحام الثقوب السوداء، والفراغ الكوني مِن على كرسيه المتحرك من غير أن تُعْثِره على أُعْجُوبةٍ فلكية واحدة تُقْنِعه بوجود إله! فَسُحقًا لها من فيزياء متآمرة على العقل!!!

انتشت جَمهرة العلماء تسليمًا بالذي عَدُّوه حقيقةً علمية تتضافر على تقويتها حسابات رياضية عَوِيصة، قامت بالأصل على “التجربة والملاحظة”؛ إذ يمتنع على العلماء -ولا يزال- النفاذ من أقطار السماوات، ثم العودة إلى الأرض في حياتهم وحياة ذراريهم إذا ما أخذنا بالحسبان أن متوسط أعمارنا بين 60 و70 سنة، وهي بمقياس السنة الضوئية لا تساوي عُشْر ثانية ضوئية! ذلك لاختلاف مفهوم الزمن ومَاهيته عما أَلِفته عقول الأرضيين (عَبَّر عنه آينشتاين بـ”الزَّمَكَان”).

فالإنسان يُقَلِّب النظر في الأشياء بحَسْب مألوفاته ومشاهداته وخبراته العقلية والفكرية؛ لأنه يصعب عليه أن يفكر على أساس غير مألوف، فإنما أنت ابن بيئتك وثقافتك وزمانك مهما اتفقَ لك من ذكاءات متعددة، وهذا هو سبب الثورة التكنولوجية في القرن الواحد والعشرين، وبِدائيتها الـمُتخلفة قبل قرون، على الرغم من أن “إنسان الحاضر” ليس أذكى قَطُّ من “إنسان الماضي”، لكنَّ الذكاء لوحده لا يَسُد مَسَدَّ الخبرة الحضارية، ولا يُعَوِّض عن الخبرة اللغوية والاجتماعية والبيئية، إلا إذا رَضيِنا من أحدهم زَعْمَه أن النقودَ سَبَبُ تطور النشاط الاقتصادي البشري!  

وبعد أن ترى هذا التخشع للحقيقة العلمية التي أدى إليها حدس الفَرض، ومُعاينة الأثر، تَستعجب من ملحديهم ووُجُودييهم، تَستعجبُ حَطَّهم على مَنْ يؤمن بالله تعالى خالقًا للكون من عَدَمٍ!

يُجادلونك مع إنغاض رؤوسهم في أننا نعيش في زمان لا سلطان له فيه إلا للعلم الذي أدى إليه العقل المـُجرَّد، أرنِي اللهَ أُسَلِّم لك بوجوده! فما هو غير مُحَسٍّ لا يكون! والإله ليس إلا أساطير انتحلها الناس بالفرض الخالي عن الإثبات بالحِس؛ بِدافع الخوف من المجهول، أو للإجابة عن رَجْعِ صَدى السؤالات الوُجودية في نفسه!

لِسانُ حالهم يُشكك على مَذْهب ديكارت “أنا أفكر؛ إذن أنا موجود”، ويَسْتعير من غطرسة الشيوعية وعجرفتها قَوْلَـة مكسيم غوركي: “خُلِقتُ لِأَعْتَرضَ”! وهذا الـمُعْتَرِض بلا مُدَافعٍ أَضْحَكُ كوميديا سوداء؛ لاعترافه بأنه خُلِقَ، لكنْه تَخَلَّق مِن غير شيءٍ، ودونما خالق!! فإنْ هو استدرك على وَرْطته الأُضْحُوكة فأَقَرَّ على مَضض أنه غير مخلوق، فيَلْزمُ من هذا أنه مَحض شبح موهوم لا وجودَ حقيقيًّا له في عالم الوجود؛ ما سيُفوِّت عليه من الإمكان ممارسة الاعتراض!

وهو في كِلا الحالين –مخلوق أو غير مخلوق- يَأبى بإصرار مُعَانِد قَبُول الحق الذي قامت عليه حُجِّيتُه.   

غير أنَّ الذين يُطالبونك بالحس، وبالمـُدْرَك الـمُحَس للإثبات هم أنفسهم الذين أثبتوا في كراريسهم المسطورة، وفي قُدَّاساتهم العلمية وجود قوة غامضة غير مرئية، ساحبة إليها كل شيء، اصطلحوا لها على اسم “الجاذبية الأرضية”.

فإذا أنتَ أنكرتَ عليهم وُجودها؛ بكونك لا ترى بحواسك ما زعموا أنه مقطوعٌ بوجوده مع غيابه عن لازمِ الحِسِّ، استغبوا فيك فساد القياس السليم؛ لأنَّ النتائج البَعْدية عندهم مَسْبوقة لابد بمَظانّ سببية قَبْلية.

فرحم الله شيخ المؤرخين الإمام الذهبي حين أزرى بأمثال هؤلاء ممن آمن ببعض آيات العقل، وكفر ببعض، فقال: “ألا لعنَ الله الذكاء بلا إيمان، ورضي عن البلادة مع التقوى”.

على أنَّ هذه المزاجية العقلية، والنفاق العلمي مع كل ما يتصل بسببٍ إلى: رُبوبية الله (الملحدين)، وأنه ليسَ ثالثَ ثلاثةٍ (المسيحية) وغيرها من مِلَل الكفر، يَـسْتنفرنا سؤالًا مؤرقًا شديد الإلحاح على طلب الجواب، بل مخيفًا: لماذا يُصدِّق النابغون الضُّلاَّل فقط ما يَوَدون تصديقه! مع ما اجتمعَ لهم من أسباب العبقرية، ومنهجية التفكير، ومَلَكَة الاستنتاج؟!! أَفَكانَ وصولهم المريخَ بعد عقود من الإنفاق والبحوث وحَبْسَ الأنفاس أَيْسَر عليهم من الوصول إلى الله مُوجِدًا ومَوْجودًا؟!

ولقد نعزو هذا التعطيل الطَوْعي للعقل مع الله والغيبيات الدينية، وإعْمَالَه في ما سِوَى ذلك من الغيبيات المادية (العوالم المتوازية، الأكوان المتعددة، السفر عبر الزمن، النظرية النسبية ..إلخ) إلى التواطؤ على الكذب.

لكنَّ الكَذبَ بما هو نفيٌّ وإنكارٌ للشيء ليس إلا وسيلةً لا أصلَ السبب، والدليل على سطحية هذا التحليل أنَّ تعليلكَ فِعْلَهم بـ”التواطؤ على الكذب لأجل الكذب” مُقْدِمُك لا مَحالةَ على مأزقٍ تساؤلي لا تَستطيع تَحَاشيه، ولا الجواب عنه بعَدالة: لماذا يكذبون لمجرد الكذب؟!!   

وقد حُكِي عن نابليون بونابرت أنه سأل العالم الفلكي المشهور “لابلاس”: أين تجد مكان العناية الإلهية في نظام السماوات؟ فأجاب: لستُ أدري مكانًا لِمَا يسمى “العناية الإلهية” في ذلك النظام يا صاحب الجلالة!

والجواب المـُطْبَق على صَوابه لهذا اللغز النفسي هو ذلك الجواب الذي يبدأ من جنس السؤال ذاته؛ فلأنه أحجية نفسية يقتضينا هذا أن نلتمس جوابًا سيكولوجيًّا من النفس ذاتها مَحل الإشكال.

فلو نحن تدبرنا كيف أن عباقرة الملحدين تَأوَّلوا لِمَا لم يجدوا له تفسيرًا ماديًّا اشتقاقاتٍ مصطلحية تفتح الشَّهية المعرفية، فَنَحَتُوا له مسميات دَسِمة مِن نَحْوِ: “ما وراء الطبيعة”، “نظرية الأكوان المتعددة”، “الانفجار العظيم”، “الفراغ الكوني”، “الثقوب السوداء”، “موت النجوم” ..إلخ، فإذا تدبرنا ذلك كله أَلْفينا أن هذه الحال أوضح مَثَلٍ يُضْرَب لِمَا استقر علماء النفس على تسميته بـ”تحيز التأكيد” أو “الانحياز التأكيدي”.

ألستَ تأنس من نفسك ومن غيرها أَنْفُسًا ميلًا قلبيًّا يُسوغ لك المسارعة إلى تصديق شائعة مُشِينة في حق مَن لا تُطِيق ظِلَّه! وعلى النقيضِ تَميلُ كُلَّ الميلِ إلى تكذيب الشائعة عَيْنها حين تكون في مَنْ لا تُطِيق عَيْشًا بغير وجوده!

ومِن هذا الوجه أَمْكننا أن نفهم معنى الإِضْلال على سابِقة علمٍ؛ إذ أَنَّى لله أن يَصْرِفَ عن الهداية مَنْ عَرفها ثم لا يكون ظلَّامًا للعبيد! فكان الجواب أن الله لا يُجبر نفسًا على الضلال، ولكنه يَذَرُها في تِيهها الروحي إذا ما استسلمتْ طوعًا، وبإرادةٍ حرة، مع إدراكٍ تام للعواقب لِمَا تَسْتبطنه من تحيزات مُسْبَقة، فقال عز وجل: (أفرأيتَ مَن اتخذ إلهه هواه، وأضله الله “”على علم””، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون).

ومِن هذا الوجه أيضًا فَهِمنا الباعث على استكبار قريش عن الإسلام لله مع تَأكُّد اليقين من نفوسهم بصدق النبوة فقال عز وجل: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ).

وفي الجملة، فإن هذا الاستسلام الطوعي لتحيزاتنا النفسية -مع مَن نحب، فضلًا عمن نُبغض- مَزْلَقةٌ لنا دنيا وآخرة وإنْ سلم القصد، ونبلت النية؛ لأنه يوردنا موارد الشُّبَهِ والمؤاخذة، وانظر كيف أن بعض المدارس الفكرية في صَدر قرون الإسلام لم تَدْرأ عنها غاية تعظيم ذات الله وتنزيهه الوقوعَ في شطط عَقَدي؛ لِغَلبة “تحيز التأكيد” على مناهج النظر لديهم فأُشْرِبَتها قلوبهم.

ولو أنك استقرأتَ مثلًا مذهب المعتزلة، وما أدى به إلى أن يقول بأشياءَ غَلَّطها عليهم كُبَراء العلماء لَوجدتَ أن أصل المشكلة كامن في أن المعتزلي: “يَعتقدُ ثم يَستنبط”!! فإذن المنهجُ قائم على إثبات قناعة مسبقة، ونتيجة مُقَرَّرة مُضْمَرة، والانتصار لها، وليس العكس، وهو ما يُجافي الموضوعية العلمية، والحياد البحثي وفق التسمية الحديثة، وهو ذاتُه “تحيز تأكيد” بِلغة علم النفس.

وعلى أي حال، فإن دماغ الإنسان بتركيبته العصبية مُتحيز؛ أيْ: انطباعي وارتجالي، لكنَّ هذا جزءٌ من امتحان الله للناس، فالله أودع في الإنسان غلبة الطبع، وعَجَلة الظن، والانطباع مع الخاطر الأول، غير أنه في المقابل أرشدهم إلى ما يضبط ميزان ذلك كله لإقامة الحُجَّة عليهم فقال: (ولا تزِر وازرة وزر أخرى) (وكل إنسانٍ ألزمناه طائره في عنقه ..) (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ولو على أنفسكم) (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) (إنَّ بعض الظن إثم).

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق