مع الراحلينمن الذاكرة

سيدي عمر (فلسطين) حكاية الوطن في عرين آل صالح البرغوثي

سيدي عمر: وداعا أيها البطل.. لفقدكـ تدمع المقل بقاع الأرض قد ندبت .. فراقــكـ واشتـكى الطلل. واهتزت جنبات الروح بعد إنفصال الجسد لكنها في اتصال لا ينقطع فانتم في القلب حبته وفي العين ملؤ العين والبصر. يا سليل العظماء يا جذوة القسام ونخوة المختار عمر( ليبيا ) سلام عليكم يوم ولدتم ويوم تبعثون شهداء.

 لن تنتهي حكايات الابطال في بلادي ولئن كنا ترعرعنا منذ الصغر على حكايات بطولات عمر المختار والقسام في احراش يعبد وحيفا فإنه والله قبس ونور ممتد لم ينقطع، كيف لا وقرآن ربي يرتل في جنبات الكون في الحر والظلل. يصوغ البنيان ويرفد طريق الحق بالدرر من الرجال والابطال، فهي سيرة العظماء نستقي منها القيم والعبر والدروس. ليس مبالغاً في القول: إن بيت الحاجة فرحة والام الفاضلة أم عاصف امهات الشهداء والأسرى مدرسة مكتملة الأركان في ابعادها التربوية والسياسية والاجتماعية وغيرها.

إستشهد أبو عاصف _نحسبه شهيداً بإذن الله تعالى_. فتعلمنا منه أن المقاومة بالكلمة والبندقية لا ترتبط بلحظة عابرة، ولكنها روح متقدة تسري تبحث على امتداد الوطن للمتشابهات فيه فينتظم العقد، وهذا ما عمله أبو عاصف وهو يقدم ولدية _صالح شهيداً وعاصم اسيراً مؤبداً_ على مذابح الحرية من أجل  تراب الوطن الجامع، إن الحالة الجهادية التي  تمثلت في  هذه العائلة لهي تجربة غنية لنا وللشعوب العربية والاسلامية، تدفعها نحو البناء وامتلاك عناصر القوة؛ من أجل السير في عملية التمكين والخلاص من نير الاحتلال والاستبداد معا وأينما وجد.

عمر أبو عاصف شكل نموذجاً رائعاً من نماذج البطولة العربية الإسلامية، التي تجمع بين القيم الإيمانية السليمة، وقيم الحرية والكرامة الإنسانية، وقيم الرجولة والفروسية التي تتمسك بالحق والفضيلة؛ ما يحتم علينا جميعاً إبراز هذا النموذج وجعله مثالاً يحتذى به في العصر الحديث، إذْ باشر الانخراط في القتال ضد الاحتلال  الصهيوني مبكراً  حتى لحظة استشهاده وقد نيف على الستينن من عمره، واستمر في نضاله المقدس دون أن تلين له قناة أو تفتر له عزيمة. لقد كان جبلاً أشماً لا يلين ولسوف يبقى الدرس البليغ ممثلاً باستعصائه على محاولات التصفية والقتل  البطئ من خلال الاعتقالات التي  بلغت ما يقارب ثلاثين عاماً، ولم يقم بتحويل نضاله إلى مكاسب سياسية متقزمة على المستوى الشخصي أو الحزبي! إلى أن استشهد في مرضه ليصنع نموذجاً حياً في فعله وفي حكمته التي كانت تتقاطر كالدرر فتزرع في ذاكرة الاجيال أفعاله البطولية  ومقولاته النورانية إذ يقول سيدي عمر: ( كل فلسطيني ليس تحت وسادته بندقية فهو آثم) ويقول أيضا (لا تذرف دموعنا أمام اعدائنا مهما كان المصاب جلل) (كل أسير قضية فلتزرع أرضنا شجراً بأسماء الاسرى الذين قضوا زهرة شبابهم ليمدوننا بأسباب الكرامة) ويقول ويقول… .

نحن الآن أمام لحظة فاصلة من عمر الزمن، ينبغي على الأجيال الجديدة أن تنتهز الفرصة، وأن تعي الدرس بـذكاء، وأن لا تكرر الضياع، وان تبتعد عن كل اشكال السطحية والعبثية في مسارات لا تطيل الا أمد الاحتلال، وأن تمزج بين قيم الإيمان الاصيلة، والتمسك بالحق والفضيلة، وقيم الجهاد النبيل الذي يبتعد عن كل مظاهر الفرجة والسجالات العقيمة الى ميادين العمل، كما يبتعد عن اثارة الفتنة الداخلية التي تبدد الطاقة والجهود الوطنية في معارك وهمية خاسرة! وأن تعمد إلى إيجاد الإطار الحضاري الواسع الذي يحترم كرامة الإنسان ويصون حريته وآدميته أولاً، ويجمع شتات شعبنا وشعثه ثانياً، ويعلي شأن الحق وكلمة الحق مهما إدلهمت الخطوب، كما فعل شيخنا سيدي عمر أبو عاصف.

أخيراً… لن تصل إلى هنا إلاّ برفقة دموعك أيها القارئ، و ستستغرب أيما استغراب فيما جرى، حين تدرك أن الشيخ عمر بكته السجون وبكاه الاحرار والابرار الصغار والكبار لسان حالهم يقول أبو عاصف وكل آل صالح البرغوثي انتم شرفنا أهلنا أحباؤنا اليكم النسب وبكم الحسب تيجان أنتم فوق الرؤوس  فأنتم النماذج التاريخية التي لا بد أن تُدرّس، و تُحْفَر في ذاكرة الأجيال لنهاية الزمن.

دام ذكركم وتشرف من يذكركم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق