إشراقات سياسية

الانتخابات الفلسطينية .. معادلات لا بدّ منها

أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوم خاص بإجراء الانتخابات الفلسطينية على مراحل، بعد ما يقرب من خمسة عشر عاماً على آخر انتخابات تشريعية ورئاسية حصلت في الأراضي الفلسطينية، وكان ذلك بسبب نجاح الجهود التي بذلها كلٌّ من جبريل الرجوب عضو اللجنة المركزية في حركة فتح وصالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس.

لم يكن نجاح جهود المصالحة بين القائدين المذكورين صدفة، إذ طرأت ظروف موضوعية أسهمت في تذليل العقبات التي حالت دون الوصول لتفاهمات طيلة الفترة السابقة، وعلى رأس هذه الظروف؛ الخطوات أحادية الجانب التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق “ترمب” من نقل للسفارة الأمريكية لشرقي القدس أو الاعتراف بالمدينة المقدسة عاصمة لدولة الاحتلال، عدا عن الخطوات العقابية للسلطة الفلسطينية كإغلاق مقر المنظمة في واشنطن ووقف المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية، ومن جهة أخرى سقوط عدد من الدول العربية في مستنقع التطبيع وفتح سفارات وممثليات لتلك الدول في الدولة العبرية؛ في وقت تأزمت فيه القضية الفلسطينية وتحتاج فيه عوناً ودعماً مضاعفاً من الدول العربية والإسلامية، ممّا دفع قيادة السلطة إلى الرجوع خطوة للوراء والبحث عن أوراق قوة قد تسهم في تماسك الموقف الفلسطيني.

لقد كان لفوز الرئيس الأمريكي “جو بايدن” الديمقرطي دافعاً إضافيّاً للعمل على توحيد الخطاب الفلسطيني، إذ صدرت إشارات من الإدارة الأمريكية الجديدة بالرغبة في إحياء مسار التفاوض من جديد، وهذا يتطلب من القيادة الفلسطينية حلّ بعض القضايا التي تعتبر مطلباً أمريكيّاً ودوليّاً، وعلى رأس هذه الأمور السيطرة على شقيّ الوطن المجزوء، غزّة والضفة وهذا لن يكون دون مصالحة وانتخابات وضخ دماء جديدة في النظام السياسي.

على الرغم من أنّ الانتخابات الفلسطينية استحقاق قانوني ومطلب وطني منذ فترة طويلة، إلاّ أنّ إجراءها في هذه الفترة سيضع الكلّ الفلسطيني في موقف لا يحسدون عليه، وستعاني غالبية الكتل الحزبية والفصائلية من إرباك وعدم قدرة على توقعات ما سيحدث في الساعات القليلة التي ستعقب إغلاق صناديق الاقتراع وذلك لأسبابٍ كثيرة؛ جزء مهم منها مرتبط بالانقسام وما خلّفه من آثار سلبية مسّت الحياة السياسية بأضرار بالغة، كان من نتيجتها تراجع الحريّات بصورة كبيرة، إضافة لتماهي بعض تلك الفصائل مع طرف من أطراف الانقسام، أو ضعف تمثيل طرفي الانقسام إمّا في الضفة أو في غزة.

بدأ الحراك الفتحاوي الداخلي مبكراً بعد إعلان مرسوم الانتخابات، وبدأت علامات الشروخ تظهر في صفّه ومن قيادات وازنة، فبعد أن تمّ فصل محمد دحلان من حركة فتح عقب صراع على قيادة الحركة والسلطة، وتشكيله تيّاراً منافساً للقيادة التقليدية في الحركة، وقيامه بنشاطات عديدة مدعومة من جهات عربية ودولية، وضخّه للأموال في الضفة وغزة لتعزيز قوته، ظهر على ساحة الحراك الفتحاوي السيد ناصر القدوة مدير مؤسسة ياسر عرفات وعضو اللجنة المركزية للحركة معلنا ًعن تشكيله للملتقى الوطني الديمقراطي الفلسطيني، والذي سينافس في الانتخابات القادمة على مقاعد المجلس التشريعي، تاركاً الباب موارباً لأي توافق مع تيار محمد دحلان، كلّ ذلك يضاف إليه زخم الأسير مروان البرغوثي في حال قراره بدعم هذه القائمة أو تلك بعيداً عن قائمة فتح الرسمية عدا عن رغبته بالترشح لمنصب الرئاسة.

من هنا تواجه حركة فتح تحديّات استثنائية من الصعب التغلب عليها في الفترة القصيرة القادمة، ولذلك فإنّ خياراتها إن لم تتوافق مع القيادات الكبيرة التي تنضم للتيارات التي تمّ ذكرها، سيكون عليها من الصعب حسم النتيجة منفردة، ومن هنا فإنّ فكرة تشكيل قائمة وطنية موحدة تشترك فيها حركة حماس وحركة فتح وآخرين، قد تقطع الطريق على مشهد لا يحب أن يراه أبناء حركة فتح . مراقبين للشأن الفلسطيني يرون وفق هذه الحالة، أنّ أمراً طارئاً قد يكون سبباً في تأجيل هذه الانتخابات، والابتعاد عن صدامات محتملة قد تعيد الكرة إلى مربعها الأول، وعند ذلك ستتعطل مشاريع سياسية بانتظار نتائج هذه الانتخابات.

الانتخابات ضرورة للتغيير والبحث عن بدائل عن الجمود السياسي والعجز في الصمود أمام الهجمة الاستيطانية والإجراءات الاحتلالية التي تمس الحجر والشجر ليل نهار، ومن هنا فإنّ التجربة أثبتت عجز فصيل واحد عن حمل همّ الشعب الفلسطيني وقضيته، وهذا يتطلب رؤية مسبقة عند الجميع بضرورة الشراكة السياسية في وحدة وطنية على برنامج متفق عليه للفترة القادمة، وغير ذلك يبقى تجريب المجرّب في إضاعة الوقت وخسارة الفرص وبالتالي تراجع جديد في تحقيق الأهداف الوطنية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق