قصة قصيرة

قصة شجرة الزيتون الفلسطينية

“مرحبًا يا صغيراتي أنا شجرة الزيتون الكبيرة سمعتُ أنكم تحبون الحكايات، وتتشوقون لمعرفة حكايتي بالتأكيد وها أنا أحكي لكم ما حصل لي” هكذا رحبت شجرة الزيتون المعمرة بالشجرات الصغيرة وسط تشوقهن لمعرفة ما حدث لها بالتفصيل فقد سمعن مواقف قصيرة من هنا وهناك وجئن من مكانٍ بعيد ليسمعن ما تقوله لهن لم يدركن بعد المسافة لأنهن كن يلعبن ضاحكات ويرددن الأهازيج التي تناقلنها جيلًا بعد جيل تلك الأهازيج المشبعة بحب الوطن كما تفعلون أنتم حين تسمعون الأغاني الوطنية وقصصها من أجدادكم ث تبدأون بترديدها في كل مكان، وهكذا قطعن الشجرات مسافة طويلة دون أن يشعرن بذلك…

_ لقد كنتُ أعيش منذ طفولتي إلى جانب شجرة أخرى وسط بياراتٍ لا أستطيع حصرها لكن ما أعرفه أن رفيقة عمري كانت ملك رجلٍ آخر فالأرض التي أنا عليها يملكها رجل غير الذي يملك الأرض التي هي عليها ونحن الأشجار نتعانق فحسب دون التفكير بتقسيم الأرض لم يكن هناك حاجز وإنما حدود بسيطة وأحيانًا تختفي تلك الحدود لكثرة السيول وكان هذا أكثر شيءٍ يسعدنا….

لكن يومًا عصيبًا باغتنا، باغت البلاد كلها قبل أن يباغتنا، ذلك اليوم الذي جعل للأراضي حدودًا مبنية، بل ورسم للمدن الفلسطينية حدود تقسيمها….

لم أعد ألامس الشجرة التي في الجهة الأخرى إلا بجذورها المتشبثة بي تلك الجذور التي لا يمكن لها قبول ما يحدث، تلك الجذور التي تصرخ بكل ما فيها أنا باقية رغم قوانينكم، تلك الجذور التي بقيت فينا متحدية كل من أراد محو وجودنا وتماسكنا، ومحو كينونتنا تلك الجذور ستبقى متمسكة بكل فرعٍ اتصل بها وإلى يوم الدين…

رسموا حدود الأراضي الزراعية بعد أن اختلقوا الأسباب المختلفة للاستيلاء عليها، لا أعلم أكانت الأرض التي علينا من حقهم لأنها أراضٍ خاصة بالتدريب العسكري، أم أملاك غائبين، أم أنهم هكذا بسطوا أياديهم عليها عنوةً بعد فرار الأهالي حين مارس الاحتلال أبشع أنواع التعذيب والتنكيل بهم…

كل ما أعلمه هو ما حدث في تلك الليلة التي لا يمكن أن أنساها وأنا الشجرة العجوز التي قد تنسى ما حولها “قلبٌ شجاع” هكذا بدأت الشجرة بسرد الموقف

” يدٌ حانية… “

لم تتمالك الشجرة وسقطت دمعةً تلو الأخرى على جذعها المتشقق

” حسنًا لا تكملي” قالت إحدى الصغيرات

ردت الشجرة الكبيرة: ” لا سأكمل يا صغيراتي” وبالفعل أكملت السرد: حنيني إلى تلك الليلة وإلى تلك الأيادي هو ما جعل دموعي تتساقط رغمًا عني ذلك الشاب الذي لم أسمع وقع قدميه، مد يديه إلى ساقي و مسح على جذعي الصغير في حينها وتسلقه، ثم أخذ يشتم الأوراق والثمر، ونشج بكاءً لكنه سرعان ما تمالك نفسه ولطم خده بخفة كأنه يلقي عتابًا ويقول ليس الآن وقت تساقط الدمع، بل تساقط الثمر، وأخذ يهز الساق، أكل ثمرتين تقريبًا وتلذذ بهما، ومنعه من أخذ الثمر المستاقط وابل من الرصاص الذي شنه جنود من خلفه لأنه دخل متسللًا!!!

وهكذا استيقظت جميع شجرات الأرض على دمٍ يسيل إلى جذوري…

منذ ذلك اليوم وأنا بهذه المرارة، بل إن مرارتي تزداد كل يوم…

مرارة الدم مرارة الجزع والخوف مرارة الحنين، هي التي تجعل زيتوني وزيته بهذه المرارة يومًا بعد يوم…

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق