تدوينات

موتٌ على قيد الحياة


لا يوجد هناك قسوة أكثر من أن نسمع خبر وفاة من نحبهم، فيكون الخبر صدمة كبيرة لنا تؤثر في حياتنا ولا نستطيع أن نعود كما كنا من قبل..

صحيح أنّ الموت حق على كل إنسان في الحياة إلّا أنّه مفجع ويترك ألماً لا يمحى مع الزمن، ولا يبقى لدينا إلّا ذكرياتنا معهم والدعاء لهم في قبورهم بالرحمة.

عندما قابلت الموت أول مرة، كنت صغيرة، لكنني قابلته كبيـراً، عظيماً، موجعاً، مفجعاً ومزعزعاً..
حينها..هزني، صدمني بصدمة تفوق عمري آنذاك، وبوجع يفوق قدرتي على التحمل،فأنا الطفلة التي لم أتجاوز عامي الأول بعد.. كبرت وكبر معي مشهد اغتيال والدي في تاريخ 25/7/2001 م،من قبل قوات الاحتلال الصهيوني، باستهداف سيارته بخمسة صورايخ وهو بداخلها، فحولتها إلى كومة من الحديد، ومزقت جسده الطاهر، فلم يبقى منه شيء سوى قدمه التي عرفوه منها..

لكنني بعد تلك الفاجعة تعلمت الصبر، وتلحفت بالإيمان، وامتلكت القناعة..،فصار كل الرحيل تافهاً وكل الغياب سخيفاً، صار الفراق يشبه أي شي..

لكن عندما عاد شبح الموت بعدها بظله الأسود الطويل، عدت أرتجف الرجفة الأولى ثم أغوص في اللاشيء، لم يكن موجعاً إلى ذاك الحد ولا مفجعاً كصدمة الدهشة الأولى، لم يكن بارداً كيتمي..

فقد فقدت عمي أيضاً بعد فقداني لوالدي بعام، وبسنياريو شبيهة أيضاً..، فقد اندلع اشتباك مسلح في تاريخ 30/6/2002م، بينه وبرفقته المجاهد مهند الطاهر، وبين القوات الصهيونية المدججة بكل أنواع السلاح، ليرتقي بعد أكثر من ثلاث ساعات من النضال شهيداً هو ورفيقه، ويلحق بوالدي..

ولم يمضِ عامان ولحقت الأم بولديها.. نعم رحلت جدتي أيضاً إثر تعرضها لجلطة دماغية، فأي عقل يستوعب الفقدان لمرتين متتاليتين وأي فقدٍ كفقدها فلذاتِ أكبادها..!


واليوم وفي هذا العام، توفي جدي..الذي جمعتني به ذكريات كثيرة، و تربطني به أحاسيس كبيرة..، فأنا أمام موته وقفت مرة أخرى مذهولة، فللموت رهبة لا تشبه الأشياء، كان عليّ أن أحدق في الفراغ طويلاً قبل أن أعود إلى صوابي.. ، جدي ذلك الذي أذكر منه سيرته العطرة في مسيرة الدعوة إلى الله ، وتعليم القرآن وأحكامه، وإمامة المصلين، والمدوامة على صلاة الفجر وصلاة الجماعة، فكان لا يتخلف عن الذهاب إلى المسجد إلا بعذر، أذكره في صورة قديمة كان فيها جالساً بجانب والدي بعد خروجه من الأسر ويحدق به ويتأمله كما كنت أفعل مع جدي..،والدي الذي فقدته قبل أن يفقد والده..!

لم أكن أريد أن أرى جدي ميت مسجى على نعشه، لم أكن أريد!،لأني لا أريد أن أسترجع في ذاكرتي شريط الصور الموجع، الصور التي جاهدت كي أنساها، وعندما عجزت.. قررت فقط ألا أتذكرها..!

اليوم توفي جدي، اليوم زارنا الموت مرة أخرى.. ولا أدري متى سيعيد الكرة،، لكنني سأعود في كل مرة أرتجف رهبة وخشية، وأنا أتأمل سخف هذه الحياة التي نناضل من أجلها، دون أن نستطيع إليها سبيلاً، وأنا أتأمل هذه البشرية العظيمة في أتفه لحظاتها وأكثرها عجزاً وصغراً وسخفاً..


أقول في النهاية، إن الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا مفر منها، وإننا مهما حاولنا الهروب منه، فاجأنا بأقرب الناس إلينا، ليثبت هذه الحقيقة في قلوبنا ويتأكد من أننا لم ننساه!

فلنصادق الموت ونتهيأ لاستقباله في أحسن حال، وندعو ربنا بحسن الختام وألا يفجعنا فيمن نُحب..

اللهم ارحم والدي وعمي وارحم جدتي و جدي، وكل من وراراهم التراب وكانوا يوماً بيننا..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق