إشراقات سياسية

فلسطين.. 96 عامًا من العبث الدولي

96 عامًا قضتها فلسطين التاريخية محتلة وتعاني عبثًا دوليًا، تلخصه عشرات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والجمعيات والمؤسسات التابعة لها.. عززه ظلم بريطانيا ومنحها “وعد بلفور” للصهاينة قديمًا، وأكمل حلقاته التطبيع العربي ومفاوضات التسوية حديثًا.

فمنذ أن وقعت فلسطين تحت وصاية الانتداب البريطاني عام 1923 بدأت معاناة تسريب أراضيها للحركات الصهيونية، التي بدأت التحضير لـ “الوطن” بدءًا من مؤتمر بازل في سويسرا عام 1897.

مؤتمر بازل.. حسم المؤامرة

كان المؤتمر عاملًا حاسمًا في تحويل العصابات الصهيونية من “ظاهرة شعبية” إلى “حركة سياسية، بهدف إقامة دولة حديثة تقوم على حق الشعب اليهودي في تقرير المصير في وطنه التاريخي”؛ ولكن على حساب الشعب العربي الفلسطيني.

عندما جاءت الحركة والعصابات الصهيونية إلى أرض فلسطين التاريخية، والتي سبقت مؤتمر بازل، جاءت تحت حجج واهية مثل زيارة الأراضي المقدسة أو الاستثمار، لا سيما في الزراعة.

دخل بعضهم إلى فلسطين على أنهم “فلاحون” وبدأوا استيطانهم وسيطرتهم على الأراضي العربية الفلسطينية عبر مستوطنة “زراعية” إلى أن مُنحوا “وعد بلفور”.

تزامن ذلك تحريض الحركة الصهيونية لليهود في العالم على عدم الاندماج مع المجتمعات، لا سيما الأوروبية؛ التي سعت جاهدة إلى التخلص من اليهود على حساب أراضٍ عربية استعمرتها كثيرًا بعد مرض الدولة العثمانية.

وإلى جانب ذلك كانت الأهداف الاقتصادية عاملاً مهماً من عوامل قيام الحركة الصهيونية وتشجيع اليهود للهجرة إلى فلسطين وإقامة “وطن قومي لهم” على أرضها، زاعمة أنها “أرض الأجداد”.

في عام 1908، أنشأت الحركة الصهيونية “مكتب فلسطين”؛ وقد تأسس هذا المكتب في مدينة يافا من قبل المكتب التنفيذي للمنظمة الصهيونية باعتباره وكالة مركزية للاستيطان اليهودي، ويقوم بإنشاء الشركات لشراء الأراضي.

فلسطين القصة التي لا تنتهي

لكل قصة بداية ونهاية، إلا القضية الفلسطينية؛ فقد أغفل المجتمع الدولي بقراراته المتتالية بحق فلسطين وشعبها بداية القصة وحاول طمسها حتى تُنسى وتختزل في عدة صفقات سياسية باهتة بائسة لا تلبي نصفًا في المائة من حقوق وطموح الشعب الذي يرزح تحت الاحتلال (الإسرائيلي) منذ عام 1948 بشكل فعلي، ومن قبله عاش سنين طويلة تحت انتداب واحتلال بريطاني وهب أرضًا لا يملكها لعصابات لا تستحقها.

قصة بدأت بـ “تسريب” الأراضي من قبل الانتداب البريطاني، حتى تمكنت العصابات الصهيونية وبدأت بتنفيذ أكثر المجازر والانتهاكات جرمًا وعنصرية.. خُطت تلك القصة بدماء فلسطينية عربية، وبتواطئ دولي بدءًا من قرارات الأمم المتحدة وليس انتهاء بالدعم البريطاني والأمريكي لدولة الاحتلال.

تفكك الدولة العثمانية

تاريخيًا يمكن القول إن معاناة ومأساة الشعب الفلسطيني قد بدأت بعد أن ضعفت وتفككت الدولة العثمانية وتغلغل فيها الاحتلال الأجنبي، لا سيما البريطاني، وتحديدًا عقب خروجها مهزومة من الحرب العالمية الأولى 1923-1924، وما رافقها من حروب صليبية أدت إلى احتلال أجزاء من الدولة، ما أسفر عن إضعافها.

ملخص الموضوع العثماني؛ ضعف الدولة في أواخر عهدها جعل الدول الأوروبية تتآمر عليها، فأثاروا ضدها الحركات الانفصالية السياسية والدينية، كما استغل دعاة القومية والصهيونية هذا الضعف مما جعلهم يقومون بحركات لتقويضها.

رغم أن معرفة كيف سارت الأمور في الدولة العثمانية إلى انهيار حكمها؛ والذي كان قد اتسع ووصل أجزاء في آسيا وإفريقيا وأوروبا، شيء جيد كي نعي كيف وصلت العصابات الصهيونية إلى فلسطين (..)، إلا أن مجموعة من القرارات الدولية ساهمت إلى جانب تفكك الدولة العثمانية باحتلال فلسطين وتمكين العصابات الصهيونية منها.

مؤامرة وقرارات دولية

ما يهمنا في هذا كله هو “المؤامرة” التي حصلت في نهاية المطاف، وكيف ذهبت أوروبا بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الخروج من عنق الزجاجة والتخلص من الجماعات الصهيونية واليهودية المتطرفة على حساب أرض وشعب فلسطين التي استمر فيها الاحتلال (الانتداب) البريطاني حتى القرار الدولي الأول بتقسيمها؛ فكان قرار التقسيم عام 1947، ومن بعده “وعد بلفور”.

كيف أغفل المجتمع الدولي قصة احتلال فلسطين وحاول طمسها؟، ذلك يظهر من خلال قراراته التي عززت احتلال أرض فلسطين التاريخية؛ بدءًا من تقسيمها وإعطاء جزء منها للعصابات الصهيونية وليس انتهاءً باعترافه بـ “كيان” الاحتلال كـ “دولة”، وعدم تطبيق أيّا من القوانين والقرارات الخاصة بفلسطين.

ومن أبرز هذه القرارات، قرار تقسيم فلسطين؛ وهو الاسم الذي أطلق على قرار الجمعية العامة التابعة لهيئة الأمم المتحدة (رقم 181)، صدر بتاريخ 29 نوفمبر 1947.

ويتبنّى خطة تقسيم فلسطين القاضية بإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وتقسيم أراضيها إلى 3 كيانات جديدة: دولة عربية، وأخرى يهودية، والكيان الثالث ضم القدس وبيت لحم والأراضي المجاورة تحت وصاية دولية.

جاء هذا القرار في تقرير لجنتي بيل 1937، وودهد 1938، وصدر هذان التقريران عن لجنتين تم تشكيلهما من قبل الحكومة البريطانية لبحث قضية فلسطين إثر الثورة الفلسطينية الكبرى 1933-1939.

ولكن النتيجة كانت أن الانتداب البريطاني (1923-1948)، وبعد انتهاءه قرر تسليم فلسطين للصهاينة؛ والذين كانوا يرون في قرار التقسيم “خطيئة” من منطلق أن “أرض الميعاد، والتي تشمل كل فلسطين وشرق الأردن” دولتهم المنتظرة.

وصولًا إلى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 69؛ والذي اعتمد بتاريخ 4 مارس 1949. ويقرر أن “إسرائيل دولة محبة للسلام وقادرة وعازمة على تنفيذ الالتزامات التي يتضمنها الميثاق”.

وما أكد أن المجتمع الدولي لم يُرد يومًا حل القضية الفلسطينية ومنح الشعب الفلسطيني الاستقلال هو قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 273؛ والذي مُرّر في 11 مايو 1949 لقبول طلب “دولة إسرائيل” الدخول في عضوية الأمم المتحدة. وقد تم تمريره بعد تبني قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 69 في 4 مارس 1949.

وأيضًا قرار رقم 194 الصادر بتاريخ 11 ديسمبر 1948، وينص على إنشاء لجنة توفيق تابعة للأمم المتحدة وتقرير وضع القدس في نظام دولي دائم وتقرير حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم في سبيل تعديل الأوضاع بحيث تؤدي إلى تحقيق السلام في فلسطين في المستقبل.

لم يُنفذ أيّ قرار، إلا تلك التي أوجدت “كيان الاحتلال” واعترفت به كـ “دولة” على أرض فلسطين؛ حيث لم يُنفذ المجتمع الدولي حتى يومنا هذا قرار رقم 194، والذي نص على حق العودة للاجئين.. بينما أقر ونفذ قرار رقم 273 والذي قبل “إسرائيل كدولة في الأمم المتحدة”.

ظلم فلسطين والمفاوضات

خلال عشرات السنوات تعرضت فلسطين وقضيتها العادلة، وما زالت، لـ “ظلم” مستمر، تخلله دعم المجتمع الدولي للمفاوضات التي لم تقل ظلمًا ولا عدوانًا عن “السكوت الدولي” على جرائم ارتكبت بحق شعب أعزل؛ ما قُتل ولا عُذب إلا لأنه أراد أن يعيش بسلام في أرضه وربوع وطنه الذي ما ذاق الحرية أكثر من 24 ساعة تخللها عملية انتقاله من انتداب بريطاني إلى احتلال صهيوني عنصري.

وحتى لا ننظر إلى النصف المليء بالمؤامرات على القضية الفلسطينية، لا بُد أن نُشير إلى أن المجتمع الدولي اعتمد قرارات لصالح فلسطين، ولكنها ضئيلة جدًا إذا ما قورنت بتلك التي اتخذت لصالح الاحتلال.

قرارات اتخذت شكلًا وأدخلت بعد التصويت عليها في أرشيف الأمم المتحدة، وما أُريد منها إلا أن تكون بمثابة “عملية تنويم” للشعب الفلسطيني، وذر للرماد في العيون، حتى يسكت قليلًا عن ممارسات الاحتلال التي ترافق كل قرار دولي، لا سيما سرقة الأراضي لصالح المشروع الاستيطاني الصهيوني وتدنيس والاعتداء على المقدسات وتهويد وتزوير الآثار والمعالم التي تُثبت في كل مرة أن لا حضارة للاحتلال في فلسطين وأرضها العربية الإسلامية.

وخير دليل على ذلك قرار “2334” الخاص بالاستيطان؛ صدر عن مجلس الأمن الدولي في 23 كانون أول 2017، وطالب بوقف فوري وكامل للاستيطان بالضفة الغربية والقدس المحتلتين.

وينص القرار على أن المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها شرقي القدس المحتلة، ليس لها أي شرعية قانونية، وتُعتبر انتهاكا صارخا وفق القانون الدولي، وعقبة أساسية أمام تحقيق حل الدولتين وسلام عادل وشامل ودائم.

فهل طبق المجتمع الدولي القرار فعليًا على الأرض؟، لا!. واستمر الاحتلال بعمليات البناء في الأراضي الفلسطينية المحتلة، دون أن يُقدم المجتمع الدولي على فعل شيء يذكر إلا بضع بيانات “خجولة” في وقتها “خبيثة” في مضمونها.

التطبيع

لن تكتشف الدول التي سارعت وهرولت إلى التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي مدى خطورة خطوتها حاليًا، وربما لن يكون لذلك أي تأثير سلبي ظاهر على مدار عدة أشهر، أو على المدى القريب، لأن الحركة الصهيونية التي عملت منذ قرون لاحتلال فلسطين وأسست لدى الغرب “قاعدة” تعمل لأجل تلك الفكرة البغيضة، لن تضرب ضربتها سريعًا في الشرق الأوسط وتحديدًا في الوطن العربي.

التطبيع الذي تتسابق عليه وله الأنظمة العربية، أو بعضها، فهو ليس لصالح الشعوب المقموعة والمغلوب على أمرها في غالب الأحيان، وإنما لمصلحة صهيونية عليا؛ هدفها الظاهر أنها تُريد أن تصنع “السلام المزعوم” في المنطقة، ولكنها على المدى البعيد تُريد أن تُحقق الهدف الذي فشلت في تحقيقه قديمًا منذ أن وطأت أرجلهم أرض فلسطين التاريخية، وهو إنشاء “دولة إسرائيل” ما بين النهرين.

الاحتلال وعبر عمليات التطبيع يُريد أيضًا قطع الطريق أمام أي وحدة عربية أو إسلامية مُستقبلية، لأن في ذلك إضرار بمصالحه ومشاريعه التي يسعى لها في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما السيطرة على ثرواتها؛ وفي غاز مصر أكبر دليل.

وبذلك يضمن أيضًا الانقضاض الكامل على مقومات القضية الفلسطينية العادلة وأبرزها حق العودة، والقدس والمقدسات، التي يسعى لتهويدها لإثبات وجود وتاريخ مزعوم له في أرض فلسطين.

خلاصة القول؛ منذ 96 عامًا وفلسطين بأرضها وشعبها ومقدساتها تتعرض لـ “عبث دولي” انتهى بإعلان قيام “دولة الاحتلال الإسرائيلي”؛ مرّ ذلك من خلال استغلال ضعف وتفكك وهزيمة الدولة العثمانية، عبر القرارات الدولية التي أصدرتها الأمم المتحدة وليس نهاية بـ “مسلسل” مفاوضات التسوية السياسية التي عبثت هي الأخرى بتركيبة وديمغرافية فلسطين؛ لا سيما من خلال منح الاحتلال قرابة الـ 70% من أرض فلسطين التاريخية والدخول في مفاوضات على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، وكأن ما سبقها لا شأن له بفلسطين التاريخية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق