إشراقات سياسية

محسن فخري زادة (الاغتيال)

بشكل غير مسبوق سجلت عمليات التصفية والتي تعرض لها علماء وشخصيات إيرانية، تم تمثيل عملية نوعية في تاريخ ٢٧/١١/٢٠٢٠ والتي من خلالها اغتُيلَ العالم الإيراني النووي والمسؤول الأعلى فيه محسن فخري زادة، والتي استُخدمَ فيها سلاح من الجيل الجديد –هايتك- التصفية بحد ذاتها لا تمثل عائقًا جوهريًا أمام المشروع النووي الإيراني؛ فالمشروع قائم على عدة ركائز، من أهمها:

وجود قضية عقائدية يتم الدفاع عنها بكل السبل والوسائل، عدا عن وجود فريق كامل ومتكامل من العلماء والتقنيين الذين يديرون المشروع النووي، وعليه لن تقف إيران أمام هذا الاغتيال، حقيقة الأمر أن الاغتيال يمثل انتصارًا معنويًا للجهة المنفذة ليس إلا، العدو الأبرز لإيران في المنطقة -الكيان الصهيوني- والذي تابع الحدث بشكل لافت وبصورة مركزة بكل التفاصيل،

فالوجهة الايرانية الطريق الأسهل أن يتم إلقاء اللوم على الكيان الصهيوني كالسببية التي تقود دائما إلى نتيجة حتمية، في اللحظة الأولى خرجت الأصوات من إيران في وجه السبل للكيان الصهيوني الذي تفاعل وما زال بكل جدية وصولا إلى إعلان حالة الاستنفار في المنظومة الأمنية الصهيونية ككل، وعليه تم تحذير الصفارات الصهيونية بإمكانية حصول استهداف لها وللرعايا الصهيونيين في الامتداد الدولي المتواجدة فيه،

المنظومة الأمنية الصهيونية اليوم تعيش نشوة الانتصار المعنوي الذي تم تحقيقه -وإن لم يتم الاعتراف في العملية حتى الأن- لكن الخبراء في تلك المنظومة يحللون كيف وأين ومتى سيتلقى الضربة الانتقامية الأكيدة من طهران، مؤخرا تم بث برنامج استقصائي على القناة العبرية ١٣ قدمه الصحفي المقرب من الوسط الأمني في الكيان الصهيوني ألون بن ديفت، بشكل دعائي وتشويقي والذي يعكس (الهيمنة المطلقة) المزعومة بجهاز الموساد الصهيوني، محاورًا فيه بشكل رئيسي نائب رئيس جهاز الموساد سابقًا (رام بن بارك) ساردًا سلسة من عمليات الاغتيال والتي عرفت في مجملها بوقت سابق في برنامج (قائمة الاغتيال) والتي بثته قناة ١٣ العبرية خلال العام الماضي، محاولًا من خلال سرد تلك العمليات (والتي قام ببعضها الكيان الصهيوني كما أعلن عنها)

بتصنيف أشكال وأنماط عمليات الاغتيال المذكورة، والأساليب التي تم استخدامها من قبل المنفذين والتي تنوعت ما بين استخدام منفذ واحد؛ كما حصل في عملية اغتيال الشيخ المجاهد عز الدين القسام والمهندس يحيى عياش وصولا إلى طريق تنفيذي، بعدد كبير يصل إلى قرابة الأربعين كما في عملية اغتيال القائد في كتائب القسام محمود المبحوح في دبي عام ٢٠١٠، مرورا في عمليات الاغتيال أخرى من ضمنها اغتيال القائد الفتحاوي الكبير أبو خليل الوزير، وشخصيات أخرى مناضلة فلسطينية،

ومن خلال التعمق في وضعية البرنامج نجد أن الحوادث التي ذكرها البرنامج والتعقيب عليها كأنماط مختلفة في عمليات التصفية الجسدية للخصوم مع التأكيد على أهمية التفاصيل المذكورة إلى أن الهدف الأساس دائما من عمليات التصفية هو محاولة البحث عن الانتصار المعنوي على العدو،

ومن وجهة أخرى كمن الخطورة في ما تم طرحه في البرنامج من خلال الرسائل الخفية والتي يمكن قراءتها من بين السطور في الحوادث التي ذكرت في البرنامج، ففي سنوات والأجهزة الأمنية الصهيونية والدولية تتابع نشاط القائد الأمني علي الحسن سلامة التابع لياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية السابق،

وتقيمه كخطر عالي المستوى على الكيان الصهيوني وحلفائه في المنطقة، وعليه تم إقرار أمر الاغتيال بحقه منذ البداية، ولذلك تم البحث عن أفضل الطرق الممكنة والتي لا تسبب الخسائر في المقام الأول للمنفذين والنجاعة الفورية للعملية، ومن أجل ذلك زرع عميل بصورة شخص أجنبي في جزء من حياة القيادي سلامة،

وكما ذكر البرنامج ولقد كان العميل يتواصل مع القيادي سلامة من خلال تواجده في النادي الرياضي، والذي قدم بذلك معلومات قيمة عن سلامة وشخصيته، وبذلك ساعد في تشكيل الصورة الواضحة عن الهدف وما يتعلق به، لكن وللمتابع المتفحص يجد أن العدو الصهيوني يمتلك الوقت الكافي والمكان المناسب لمدة طويلة يعطيه الأفضلية في عملية التصفية الجسدية،

ومع ذلك لم يقدم العدو الصهيوني على ذلك، وهذا ما يؤكد أهمية القاعدة الأمنية التي تقدر الحصول على المعلومة الأمنية من المصدر العدو على أن يتم تصفيته بداعي الانتقام أو غير ذلك، وبوجود عميل قريب جدًا لسلامة كمثال أتاح للعدو الصهيوني ولفترة طويلة الحصول على المعلومات المهمة والخطيرة من المصدر نفسه، وهذا ما يعطيها الأفضلية في معركتها الأمنية ضد الخصوم، عدا عن وجود عميلة أخرى شاركت في المراقبة والتنفيذ، بما يقودنا إلى التساؤل عن كمية المعلومات المذكورة والتي تم كشفها من خلال العميلة المذكورة للعدو الصهيوني والتي شاركت في التفجير من خلال تفعيل موجات الراديو الموجهة للعبوة في سيارة تفجير،

السؤال المهم هنا كيف وصلت العبوة إلى قلب المنطقة دون الكشف عنها؟

ويذكر الضابط السابق في الموساد بن بارك تقييمه عملية اغتيال القيادي في كتاب القسام محمود المبحوح في دبي قبل عشر سنين تقريبًا من اليوم أن هذه العملية ولأهمية الحدث يمكن أن تكون من أكثر العمليات نجاحًا، بقدر ما شكلت من فريق المنفذ من ناحية الكشف المباشر لشخوصهم، لذلك يعتقد بن بارك أن العميلة كانت مكشوفة بالكامل، وهذا ما ينافي أسلوب جهاز الموساد في تنفيذه لعمليات التصفية، وفي انتقالة استعراضية للمنظومة الأمنية والعسكرية الصهيونية ومجموعات النخبة لديها والتي شاركت في عملية القائد العسكري لحركة فتح أبو خليل الوزير، والذي يعتبر والد العمل العسكري للحركة فتح حتى اغتياله في تونس عام ١٩٨٨،

الحديث هنا عن عملية عسكرية أمنية مركبة خمسة بحار بمشاركة قوات النخبة لدى العدو الصهيوني، والذي يقودنا إلى قراءة تشكيكية في أهداف لعملية التصفية إن كانت تصفية جسدية انتقامية بحثا عن نصر وهمي في تصفية الجسد، أو إن كانت العملية ستقود إلى نظرة استراتيجية إلى تصفية بقايا المسار العسكري لدى حركة فتح بقيادة أبو جهاد الوزير، من أجل إتاحة الفرصة للقيادات الأخرى للحركة تقود لاحقا عملية سلام تلبي الاحتياجات الصهيونية في المنطقة عموما وفي أمور فلسطين خصوصا، وصولا إلى عملية اغتيال المؤسس في حركة حماس القيادي يحيى عياش في طريق جديد لم يكن معمولا به باستخدام الهاتف النقال،

وهذا ما يقودنا إلى الجملة النقدية في ما قام به المؤسس الشهيد يحيى عياش من استخدامه للهاتف النقال من أجل التواصل مع والده، وعليه التساؤل إن كان من أصل بأن يمسح للقائد كبير وبهذا الوزن أن يستخدم جهاز نقال على هذه الشاكلة، عدا عن ذلك الحديث يدور عن رتابة المطارد في تواصله مع والده والذي بذلك سهل الكثير على المنظومة الأمنية الصهيونية في الكيفيات الممكن من خلالها استهداف المؤسس يحيى عياش وبأقل الخسائر،

ليصل البرنامج في صلب الموضوع في دقائق قليلة معدودة حول استهداف العالم الإيراني الشهيد محسن فخري زادة والذي تم استهدافه بسلاح ذكي يتم التحكم به عن بعد، الخطورة أن يعمل فريق التنفيذ في قلب أراضي العدو دون أن يتم اعتراضه أو إفشال مخططات فريق التصفية، بحسب البرنامج ثلاث أيام قام بها فريق التنفيذ بأخذ كامل احتياطاته واحتياجاته في تنفيذ العملية على أتم وجه، دون أن يتم اعتراضه من قبل الإيرانيين،

وعليه تم تثبيت السلاح الموجه عن بعد في سيارة نقل تم تمويلها من قبل منفذ العملية ثم نقطة سيارات مراقبة لاسلكية، ستعمل على تشخيص الهدف لحظة التنفيذ، وقامت بذلك بفاعلية عند لحظة التنفيذ، في لحظة الاستهداف أطلق السلاح ١٣ رصاصة من العيار الثقيل، خمسة منها أصابت العالم الإيراني محسن فخري زادة بشكل مباشر، أدت إلى استشهاده، وبعد ذلك تم تفجير السيارة نص نقل، والتي تم نقل السلاح عليها لإخفائه، وتأخير للكشف مع من يجب عمن يقف خلف العملية، في الخاتمة ضابط الموساد السابق بن بارك يعتبر أن هذه لعبة بين القوى المتصارعة، يتم أخذ من الإيرانيين أحيانا والعكس صحيح، لكن جميع وحدات الاستطلاع للأجهزة الأمنية الصهيونية تبحث وتقدِّر كيفية تلقّي الضربة الارتدادية من الإيرانيين أو حلفائهم في المنطقة، ومحاولة إفشالها قدر المستطاع، إلا أن الواقع يقود إلى المزيد من الفعل ورد الفعل بين إيران وأعدائها وهم كثر اليوم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق