إشراقات سياسية

هل كانت الثورة العربية الكبرى بداية التطبيع؟

بدأت خيوط الثورة العربية الكبرى (كما تُسمى) تتشكل بعد دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى عام 1914 إلى جانب ألمانيا، وهو ما دق جرس الإنذار لبريطانيا، وحذَّرها من خطورة الموقف.. فكان لا بد من إحداث التغيير الجذري الذي يضمن بقاءها!

وعبرت الوثائق البريطانية التي رُفعت عنها السرية والتي تتعلق بتلك الحقبة، حيث ذكرت إن الخطر تمثل آنذاك في “الخوف من ثورة المسلمين في مصر والهند ضد الوجود البريطاني وإحياء فكرة الوحدة الإسلامية مجددا”، فكان لا بد من استئصال شأفة ذلك عبر إضعاف الحكومة العثمانية؛ وقد كانت الوحيدة في تلك الآونة القادرة على إعطاء زخم لفكرة الوحدة الإسلامية وبالتالي انحياز جميع المسلمين لها وللقتال في صفوفها، الأمر الذي حدا بالبريطانيين إلى بدء مراسلات طويلة مع شريف مكة الحسين بن علي( وسميت مراسلات مكماهون الشريف حسين، لمن يرغب بتتبع الأمر)، لتشجيعه على الثورة ضد الوجود العثماني في الحجاز، حيث خاطبوه بألفاظ التعظيم والتشريف ووعدوا بتنصيبه خليفة للعرب، لأن عروبته وأصوله النبوية المباركة تؤهله لذلك، وتجعله الأنسب لهذه المهمة العظيمة!

أمدت بريطانيا الشريف حسين بالمال والسلاح، وأمدت أبناءه بالتبغ! وعززت جيشه بأعداد كبيرة من الأسرى العرب الذين كانوا يتبعون للجيش العثماني، ليشعل شرارة الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية ويقود خطامها، حتى تمكن من السيطرة على بلاد الحجاز! أما ابنه فيصل، فقاد جزء من الجيش العربي الطامح بحكم عربي لبلاد العرب، وتوجه به لدمشق لتحريريها من أيدي العثمانيين، وتمكن من دخولها بالتنسيق مع البريطانيين!

وأمام الانتصارات السريعة( بمساعدة بريطانيا) والتي حجَّم بموجبها النفوذ العثماني في الحجاز، وحال دون تجميع المتطوعين للقتال في صفوف الجيش العثماني، رفض الشريف حسين إعلان الدعوة للجهاد ضد بريطانيا! وحتى بعد أن انكشفت خيوط معاهدة سايكس بيكو، صدق الشريف حسين وبكل سذاجة خدعة البريطانيين، حين أقنعوه بأنها مجرد تفاهمات على الورق لا أساس لها من الواقع، وبارك لهم سيطرتهم على مدينة القدس معتقداً أنهم سيضُّمون المدينة المقدسة لمُلكه المنشود، أليس هو من السلالة النبوية؟ ألا يحقُّ له ذلك؟

وانتهت الحرب العالمية الأولى، وأُضعفت الدولة العثمانية فأصبحت رجل أوروبا المريض المحتضر الذي يعد من حوله له الأنفاس ليسارعوا إلى دفن جثته واقتسام إرثه.. وامتنع الشريف حسين عن التوقيع على معاهدة فرساي التي حضرها ابنه فيصل باسمه؛ لأن الدول المنتصرة تجاهلت حق الشعب العربي في تقرير مصيره أسوة ببقية الشعوب الأوروبية الأخرى التي شملتها الاتفاقية، وبدلاً من امتلاك حق تقرير المصير، احتلت الجيوش الفرنسية سوريا، وطردت منها فيصل نجل الشريف حسين، وفرضت بريطانيا الانتداب على فلسطين، ومنحت اليهود وعد بلفور وبدأت في توطينهم.. ولم يكن الشريف حسين ليقبل بتلك الإجراءات التي تُجرِّده من حلم عاش في جنباته حتى ظنه أمراً واقعاً لا لُبس فيه، فما كان من بريطانيا إلا أن تخلت عنه، وعمدت إلى دعم عبد العزيز بن سعود أمير نجد، الذي لم يتوانَ في اجتاح الحجاز عام 1924 والسيطرة عليها، فهرب الشريف حسين إلى العقبة ولكن الإنجليز أجبروه على مغادرتها ليعيش في منفاه الاختياري في قبرص.

ومنذ تلك الأحداث الكبرى التي عصفت ببلاد العرب والتي أوجدت للمحتلين موطئ قدم يرتكزوا عليه ليشرعوا ببناء دولتهم اللقيطة على دمائنا وجماجمنا وأرضنا وحتى اللحظة، ما يزال قادة دول العرب يتسابقون لاسترضاء الدول الكبرى التي تبذل وسعها لتثبت وجود الصهاينة في فلسطين وتأمين مصالحهم وضمان الموارد الاقتصادية لهم، فلا يصيبنا العجب من تسابق الحكومات العربية الواحدة إثر الأخرى في التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب، فالمتتبع للتاريخ يُدرك تماماً أن تفتيت الأراضي العربية إلى دويلات يقدس كل منها حدوداً وقطعة قماش ملونة يدَّعيها رايه لنفسه يرافق رفعها أنغام موسيقية يقفوا لعزفها لأنهم يظنون أنها تمثلهم، وعلى كل شبر أرض منها قائد يعيش ليبقى زعيماً ولا يُزحزحه عن عرش البلاد إلا دابة الأرض تأكل منسأته، أو رصاصات السادة إن هم غضبوا منه ذات مرة..

وكان هذا هو الضمان الوحيد لبريطانيا لتتمكن من غرس دولة الصهاينة المدَّعاة في سويداء القلب العربي دون أن تجد منْ يحارب هذا الوجود ويسارع إلى استئصال شأفتها وبتر العضو الذي سيطر عليه الخبث وتخليص الأمة من شرِّه، واستمرت في إعطاب خلايانا وصولاً بنا إلى الدمار الكامل..

فليس غريباً على دول تعمد سياسة” فرق تسد” أن تدعم الشريف حسين ليقاتل الدولة الحاكمة المسلمة، وتدعه يعيش في أحلام المُلك والسيطرة، حتى إذا انتهت من العدو الأكبر تنكرت له وفتكت به.. لتكون الرسالة واضحة تماماً لكل من يأتي بعده: الولاء المطلق لنا ولبني صهيون.. وإلا…!!

د. زهرة خدرج

كاتبة فلسطينية

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق