إشراقات سياسية

الإسلاميون ومزالق المشاركة السياسية

اِختِلافُ النَهارِ وَاللَيلِ يُنسي

                                       اُذكُرا لِيَ الصِبا وَأَيّامَ أُنسي

يبدو أن ما قاله (أحمد شوقي) في بيته السالف ينطبق على ممارسة (الإسلاميين) لنشاطهم السياسي، ولذا كان الواجب علينا أن نديم التذكير بالأساسيات لئلا ينسينا اختلاف الليل والنهار ما الذي نريده ونسعى لتحقيقه.

لقد أصبحت – في بعض الأحيان – أشكُّ في نفسي وفي فهمي لما تريده الحركة الإسلامية من نشاطاتها، فقد نشأنا وتربينا على شيء، وما ألحظه في كثير من المواقع يخالف ما كنت – ولا زلت – أعتبره من الأساسيات والمبادئ.

الذي نشأنا عليه أن هدف الحركة الإسلامية هو (استئناف الحياة الإسلامية) ويكون ذلك عبر عمل لا يعرف الوهن والكلل سعيًا من البدء بإنشاء الفرد المسلم الذي يحمل هذه الفكرة وصولاً إلى إعادة الخلافة الإسلامية واستعادة ريادة العالم، والأصل أن تكون كل النشاطات التي تمارسها الحركة خلال مسيرتها خادمة لهذا الهدف ساعية لتحقيقه، وينبغي الانتباه إلى أن بعض النشاطات تساهم في الاقتراب من الهدف إن مورست بمستوًى معين، ولكن ممارستها بعشوائية وبلا انضباط تعيق ذلك السعي، فهي كالدواء للمريض، إن أُخِذ وفق الجرعات المطلوبة أفاد، وإلا فضرره كبير.

وهنا نأتي للمشاركة في الأنظمة السياسية الحاكمة في بلادنا عبر البرلمانات والحكومات، لنرى هل ساهمت في تقريبنا من الهدف أم أنها أضاعته من خارطة طريقنا؟

وحتى نستوعب الأمر على حقيقته يجب أن نكون واعين لأمرين اثنين؛ أولهما طبيعة الأنظمة التي نشارك فيها، والثاني الهدف من المشاركة.

بالنسبة لـ (طبيعة الأنظمة) فالذي أعلمه أن النقاشات الفكرية والفقهية التي كانت تدور في أروقة الحركة الإسلامية بين المؤيدين والمعارضين للمشاركة السياسية في مؤسسات تلك الدول كانت تحاول الإجابة – فقهيًّا وفكريًّا – على سؤال يتعلق بـ (حكم المشاركة في أنظمة الحكم الجاهلية)، مع التنبيه إلى أن وصف أي نظام حكم بأنه (نظام جاهلي) لا يستلزم تكفير القائمين عليه كأشخاص، بل هو وصف لكون ذلك الحكم لا يطبق منهج الإسلام، وذلك كما وصف الرسول صلى  الله عليه وسلم أبا ذر رضي الله عنه بأنه (امرُؤ فيه جاهلية) بسبب خطابه العنصري لبلال بن رباح حين قال له يا ابن السوداء.

فيجب أن لا يغيب عنا أنها أنظمة جاهلية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن أنظمة الحكم هذه – التي تسيطر على بلادنا – ليست أنظمة ديمقراطية حقًّا، إذ قد يكون النظام (جاهليًّا)، ولكنه (ديمقراطي) يقبل الاحتكام لاختيارات الناس، أما أنظمتنا فهي تجمع إلى جاهليتها الديكتاتورية، فلا تقبل من الآراء إلا ما يوافق أهواءها، ولو كان رأي (99 %) من أبناء شعبها مخالفًا لها، وهي مستعدّة لمصادرة حرية التعبير، ومنع وصول مخالفيها إلى سدّة الحكم ولو اضطرت لسفك دماء أبناء شعبها.

إنَّ فهم هذه الطبيعة لهذه الأنظمة مهم لمن يريدون المشاركة فيها ليدركوا الحدود المسموح لهم بالتحرك فيها في ظل تلك المشاركة.

أما بالنسبة لـ (الهدف من المشاركة) فهو يتحدد بناء على فهمنا لطبيعة الأنظمة، فإذا كنا ندرك أن هذه الأنظمة لن تسمح مطلقًا لمخالفيها بالوصول إلى سدة الحكم، ولن تسمح بتغيير الدستور بما يتوافق مع برامج وطموحات الإسلاميين، ولو اضطرت لسفك دمائهم كما فعلت ولا تزال، فإن من العبث والسذاجة أن نظن أن مشاركتنا يمكن أن توصلنا لتحقيق هدفنا المتمثل في (استئناف الحياة في ظل نظام إسلامي وخلافة راشدة)؛ لأن من يسمح لك من تلك الأنظمة بالمشاركة يضع محددات تعيق سعيك، وهو يريد من مشاركتك معه تدجينك واستئناسك، وعندما يشعر أنك ستشكل خطرًا عليه بتغيير قواعد اللعبة ومحاسبته على جرائمه سيقلب لك ظهر المجنّ ويكشر عن أنيابه، وستجد الزنازين وأعواد المشانق جاهزة لاستقبالك.

بالطبع فإن البعض سيقول: ما دام الأمر كذلك فما هي فائدة المشاركة؟ وسيزعمون أن الأفضل عدمها لأنها لن تحقق الهدف النهائي الذي نريده.

والذي أزعمه أن كلامهم ليس صحيحًا، فالمشاركة قد تكون لازمة في بعض الأحيان، ولكن المهم فيها أن نحدد ماذا ينبغي أن يكون الهدف من المشاركة؟ وهل يمكن أن تكون المشاركة ذات فائدة؟

ولْنَعُد إلى مثال الدواء للمرض، فهناك بعض الأدوية قد يحتاجها المريض وهي لا تعالج مرضه بشكل مباشر، فقد يحتاج دواء يعزز مناعة جسمه، مع أن مرضه لا يتعلق بالمناعة مباشرة، ولكن تعزيز مناعة جسمه يساعده في مقاومة المرض، وهكذا فمع الإدراك بأن المشاركة لن تحقق الهدف النهائي فإنها في بعض الحالات قد تساعد في تحقيقه، ذلك أن المشاركة تحقق فوائد من نوع: توفير حصانة لبعض رموز الحركة ليتحركوا بين الناس وينشروا فكرهم، ومنبرًا للحركة لتعريف الناس بها، وقد تساهم المشاركة في تقليل الباطل والفساد الذي يسعى النظام لنشره بين الناس، وقد تساهم في منع النظام من استئصال الحركة، أو تصعب عليه ذلك، وهناك العديد من الفوائد، ولكنها كلها فوائد فرعية وليست أساسية، ولكنها – كما أسلفنا – كالدواء للمريض، إن تناوله وفق خطة علاجية أفاده، وإلا كان سببًا لقتله.

مشكلتنا التي نعاني منها – فيما ألاحظ – أن كثيرين من أبناء الحركة الذين يخوضون غمار السياسة نسوا أو جهلوا أو غابت عنهم النقطتان الرئيستان للمشاركة، وهي فهم طبيعة الأنظمة، وتحديد الهدف من المشاركة، فصاروا يظنون أنهم لاعبون رئيسون في لعبة السياسة في دولهم، وأن لهم تأثيرًا قد يقودهم لتحقيق أهدافهم، أو أن أهدافهم – وهذه معضلة كبرى – قد غابت عنهم وصار العمل تحت سقف النظام الذي يعيشون في ظله هو غاية طموحهم، وتناسوا أنهم كانوا يسعون لريادة العالم لا لإصلاحٍ هنا أو هناك.

نحن بحاجة إلى وقفة لمراجعة الذات، ونحن بحاجة إلى أن يعلي أصحاب الفكر والفقه أصواتهم ليردوا التائهين عن الصراط ويذكروهم إلى ماذا يسعون، وما هي طريقتهم لتحقيق أهدافهم، حتى لا تصبح (الوسائل) التي كنا نستخدمها لتقريبنا من الهدف أهدافًا بحدّ ذاتها، وإلا فهذا فراق بين منهجين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق