إشراقات سياسية

في الذكرى الـ33 لانطلاقة حماس: إلى أين تسير خطوات المقاومة؟

14/12/2020

لم يكن تزامن انطلاقة حماس مع انطلاقة الانتفاضة الأولى بالصدفة، فقد جاءتا نتاجًا طبيعيًا لعشرين عامًا من الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967م، حيث وصل الشعب الفلسطيني إلى قناعة أن قدوم النصر من خارج فلسطين قد طال والخسائر تتراكم ولا مجال لمزيد من الانتظار.

لم تكن الانطلاقتان عفويتين بل نتيجة لتراكمات، فالاحتجاجات على الاحتلال الصهيوني كانت تتوالى وتتراكم وبلغت ذروتها عام 1986م لتندلع الانتفاضة في العام التالي بتاريخ 8/12/1987م، وكانت القوى السياسية تقود جماهير الشعب الفلسطيني طوال سنوات الاحتلال.

مر الإخوان المسلمون خلال العشرين عامًا بمخاض فكري انتهى بتبلور قناعة بضرورة التحرك ضد الاحتلال الصهيوني، وسبق الإعلان عن إنطلاقة حماس عدة مجموعات مسلحة قريبة من الإخوان مثل أسرة الجهاد عام 1981م ومجموعة المجمع الإسلامي بقيادة الشيخ أحمد ياسين بداية الثمانينات، إضافة لمشاركة الإخوان الفاعلة في الاحتجاجات الشعبية منذ عام 1982م.

التأسيس والانطلاقة

فعندما اندلعت شرارة الانتفاضة الأولى كان الإخوان المسلمون في خضم نقاشات حول سبل تصعيد المواجهات الشعبية مع الاحتلال، فكانت بمثابة اللحظة التاريخية التي التقطوها بذكاء فأصدروا بيان انطلاقة حركة المقاومة الإسلامية في 14/12/1987م.

كانت فصائل منظمة التحرير بالتوازي مع ذلك تشارك بفعالية في المقاومة الشعبية، وإن ميز العلاقة بين فتح وحماس التنافس والندية والاحتكاكات أحيانًا بين الوافد الجديد على ساحة العمل المقاوم (كما كانوا ينظرون لحماس) وبين التنظيم الأساسي في المنظمة التي شكلت القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، فيما كانت العلاقة أقل احتكاكًا وتوترًا مع الجبهتين الشعبية والديموقراطية وباقي فصائل منظمة التحرير.

لم يمنع هذا التنافس من تطور المقاومة، خاصة لدى حركة حماس التي شكلت تجربة مميزة، فانتقلت من العمل الجماهيري إلى المسلح فكانت أولى عمليات اسر الجنود الصهاينة عام 1989م وشكلت عدة أذرع عسكرية قبل أن تستقر على مسمى كتائب عز الدين القسام عام 1992م.

شكل انفراد حركة فتح بتوقيع اتفاقية أوسلو التي أنهت الانتفاضة واستعجلت قطف ثمارها، أزمة للشعب الفلسطيني بعد نجاحه في استنزاف الاحتلال طوال سنوات الانتفاضة الأولى الست، وأدت لسلسلة من الأزمات الداخلية الفلسطينية تراكمت وصولًا إلى وضعنا الحالي.

حاولت حركة حماس الموازنة بين الاستمرار ببرنامجها المقاوم وعدم الدخول في صدام مع فتح ومشروعها الممثل بالسلطة الفلسطينية، رغم أن العلاقة في الأصل لم تكن جيدة بين الطرفين، فاستمرت بالعمليات الاستشهادية وتحت ضغوط من السلطة خففت من حدتها، قبل أن تستأنفها بعد استشهاد يحيى عياش عام 1996م.

انتفاضة الأقصى

عانت بعدها حركة حماس من حملة أمنية واعتقالات شلت حركتها، إلى أن جاءت انتفاضة الأقصى لتشكل فرصة جديدة لتستأنف مشروعها الجهادي من أجل تحرير الضفة والقطاع كمرحلة أولى على طريق تحرير فلسطين.

كانت العمليات الاستشهادية هي الذراع الضارب لحركة حماس خلال انتفاضة الأقصى بالإضافة لعمليات إطلاق النار، ولاحقًا تطوير الصواريخ وعمليات تفجير الأنفاق في قطاع غزة.

انتفاضة الأقصى محطة أكثر عنفًا وشراسة من الانتفاضة الأولى وآلمت الاحتلال ووضعته في مأزق تاريخي، وأدت لاستشهاد أكثر من 5 آلاف فلسطيني ومقتل أكثر من ألف مستوطن، وانتهت بقرار شارون التاريخي بتفكيك 21 مستوطنة في قطاع غزة والانسحاب منه عام 2005م، بالإضافة لتفكيك 4 مستوطنات شمال الضفة الغربية وبناء جدار الفصل العنصري.

ما بعد انتفاضة الأقصى

لم تعد حركة حماس القادم الجديد على ساحة المقاومة، بل كانت القاطرة التي تقود عمليات المقاومة خلال انتفاضة الأقصى، وبدأت حركة فتح تخشى بشكل جدي من فقدان موقعها التاريخي كقائد للشعب الفلسطيني.

ونتيجة الظروف الدولية غير المواتية بعد أحداث 11 أيلول وغزو أمريكا لأفغانستان والعراق، ونتيجة استنزاف المقاومة في الضفة الغربية بعد اجتياحات عام 2002م، برز محمود عباس خليفة لياسر عرفات واستطاع اقناع المقاومة بالتهدئة والدخول في انتخابات لقيادة السلطة عام 2006م وبذلك انتهت عمليًا انتفاضة الأقصى.

الانقسام الفلسطيني

دخل الشعب الفلسطيني بعد ذلك دوامة الصراع الداخلي التي وصلت ذروتها خلال أحداث الانقسام عام 2007م، وبعد أن كانت الضفة وغزة توأمًا في المصير السياسي والعمل المقاوم، تشكل في كل منهما كيان منفصل عن الآخر، ورأى الاحتلال أنها فرصة لتعويض ما خسره في انتفاضة الأقصى.

خسرت حماس نتيجة هذا الصراع وجودها في الضفة، فيما استمرت بتطوير قدراتها العسكرية والمقاومة في قطاع غزة وخاضت ثلاثة حروب ضد الاحتلال أواخر عام 2008م وعام 2012م وعام 2014م، وأثبتت قدرتها على تطوير أسلحتها بشكل كبير وصولًا إلى الصواريخ بعيدة المدى والطيران المسير والقدرة على تخطي نظام “القبة الحديدية” الصهيوني.

في المقابل تكبلت مقاومة الضفة الغربية نتيجة سياسة محمود عباس، أو ما تعرف بسياسة التنسيق الأمني، مما أتاح للاستيطان التمدد بأريحية وصولًا إلى مرحلة الإعلان عن صفقة القرن ونية الاحتلال ضم الأغوار والمناطق ج.

وصلت العلاقة بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية إلى طريق مسدود، نتيجة التحولات في الطبقة الحاكمة بالكيان الصهيوني وانزياحها نحو اليمين كأحد إفرازات انتفاضة الأقصى، ولم يعد لدى السلطة وفتح مشروع تستطيع الدفاع عنه.

وفي المقابل فإن حركة حماس ما زالت عاجزة عن العودة للعمل الفاعل في الضفة الغربية، باستثناء بعض العمليات المسلحة بين الحين والاخر، ورغم اندلاع انتفاضة القدس عام 2015م إلا أن الحركة عجزت عن استثمارها لإعادة توجيه البوصلة نحو المقاومة في الضفة.

وماذا بعد؟

يمكن أن نستنتج من هذا السرد التاريخي للعمل المقاوم الفلسطيني في الداخل، أن المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس استطاعت أن تشكل حالة استنزاف للاحتلال الصهيوني داخل الضفة وغزة، ورغم اتفاقية أوسلو إلا أنه تم الحفاظ على العمل المقاوم واستنزاف الاحتلال خصوصًا في قطاع غزة، إلا أن المقاومة في الضفة تعاني من أزمة خانقة نتيجة انفراد حركة فتح بالقيادة وافتقارها لأي مشروع مقاوم.

في مباحثات المصالحة الأخيرة بين فتح وحماس تم الاتفاق على إطلاق موجة مقاومة شعبية في الضفة الغربية، إلا أنها لم تر النور رغم أن الوضع مهيأ إلى حد ما، وذلك نتيجة عدم رغبة فتح وترهلها والعجز المزمن الذي أصاب حركة حماس.

في ظل موجة التطبيع التي أطلقها ترمب ونتياهو في محاولة لكسر معنويات الشعب الفلسطيني، يجب التأكيد على أن الانتفاضة الأولى جاءت بعد اتفاقية كامب ديفيد واجتياح لبنان وموجة الانبطاح العربية الأولى، وانتفاضة الأقصى جاءت بعد موجة الانبطاح الثانية ممثلة باتفاقيات أوسلو ووادي عربة وفي ظل الاستفراد الأمريكي بالقيادة العالمية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

كانت مقاومة الشعب الفلسطيني هي المقاومة المستحيلة، التي استطاعت أن تنجز شيئًا من لا شيء، ويبقى التحدي الحالي هو إشعال المقاومة في الضفة الغربية وتوسيع المقاومة إلى جميع أنحاء تواجد الشعب الفلسطيني، لا يهم شكل المقاومة شعبية أم مسلحة، المهم هو الاستنزاف المستمر للاحتلال.

ومثلما أدت انتفاضة الأقصى وحرب غزة الأولى إلى انكسار موجة التطبيع التي أعقبت أوسلو، فتجديد المقاومة الفلسطينية هو الكفيل بوأد موجة التطبيع الجديدة.

تحرير فلسطين لن يأتي فجأة ولن يهبط من السماء، هو فعل تراكمي بدأ من حجر ألقاه الفلسطيني العاري من كل سلاح، الطريق إلى الأقصى ليس مفروشًا بالورود ويحتاج لنفس طويل وعمل مقاوم منظم ودائم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق