تدوينات

عندما زارني الفايروس “كورونا”

#تجربة_شخصية

سنون شبابي الثلاثون لم تكن لتشفع لي أمام هجمة فايروس كورونا الأخيرة والمتواصلة على مناطق شمال غرب سوريا ومدينة إدلب بالتحديد.

كنت من أشد الحذرين من الفايروس واتبعت أقسى درجات الوقاية ليس خوفا منه ولكن كنت أخشى أن أكون ناقلاً له وأتسبب بالعدوى لأحد كبار السن الذين لا يستطيعون مقاومته، رغم ذلك قدر الله كان السبّاق، ووقع المحظور.

في الحادي والثلاثين من تشرين الأول /أكتوبر أجريت الاختبار الطبي للكشف عن الفيروس، كنت أشبه بالمتأكد أني مصاب، بسبب ما ألم بي منذ أربعة أيام مضت، وفي اليوم التالي جاءت النتيجة لتخبرني أني أحمل فايروس كورونا وقد نقلت العدوى لزوجتي أيضاً.

في تلك اللحظة بدأت تتخبطني الذكريات والمشاعر فلا أعرف ما أقدم منها عن الأخرى، بدأت أحاول تذكر من خالطت من البشر ومن قد أكون نقلت له العدوى، لتقتحم عليّ مشاعر فرح بأني منذ أكثر من أسبوع لم ألتق بأهلي وأقربائي ممن تقدم به السن، فقد كنت حريصا على عدم زيارة والدايّ اللذان يقيمان في قريتي النائية بجبل الزاوية، حتى باقي أقاربي اقتصرت من زيارتهم منذ بداية ظهور الفايروس كي لا أكون سببا لأذية أحد، وهذا ما كان يشغل بالي وتفكيري.

بعدها بدأت بترتيب واستجماع افكاري المشتتة، فيجب التعامل مع الواقع الذي حلّ بي، فيجب ترتيب الأولويات من الرعاية الصحية لي ولعائلتي إلى الاستمرار بعملي في الخوذ البيضاء عبر الإنترنت والذي يمكن قضاء أغلبه عن بعد، حيث كان عملي التحرير والنشر على وسائل التواصل والمعرفات الرسمية، بالإضافة إلى بعض الأعمال الأخرى، ليستمر العمل كما لو أني على رأس عملي، حتى المقابلات التلفزيونية بدأت أجريها في اليوم العاشر من الإصابة حيث بدأت أستعيد عافيتي واستطيع التكلم أمام الكاميرا بشكل جيد.

الأطفال، الحجر المنزلي، الأدوية، مدارس أطفالي الأربعة، طفلتي الصغيرة “فاطمة” التي تعلقت بي وبوالدتها ولا يمكن أن نبعدها عنا بأي ظرف كان، جميع تلك المحاور في حياتي يجب أن تُراعى، حتى خوفي الذي أخفيه عن زوجتي وأطفالي، يجب أن أحافظ على ثباتي وقوتي أمامهم لنواجه المرض نفسيا وأشدد من عزيمتهم.

اتخذت قرار الحجر المنزلي وأن أواجه هذا الوباء مع عائلتي دون التوجه لأي مركز صحي مادامت الآلام والمخاطر محدودة وغير قاتلة.

في ذلك اليوم، الذي يعتبر الأول بعدما عرفت النتيجة والخامس منذ بداية ظهور الأعراض، كانت تزداد آلام الجسد والرأس، للمرة الأولى في حياتي أتعرض لهذا الكم من الألم دفعة واحدة، فخلال سنوات الثورة الطويلة وما كابدناه من آلام، فقد الإخوة والأقارب والأصحاب، التهجير، الدمار، المجازر العديدة التي قمت بتصويرها إثر كل غارة من طيران النظام وروسيا، كانت آلام نفسية، غيرت كثيرا من طباعي ولكن كان جسدي وروحي صامدين، أما مع الأيام والليالي التي قضيتها مع كورونا كانت نكهة الألم بشكل آخر.

شعور الإرهاق الدائم والتعب والنعس كان السمة الغالبة على تلك الأيام التي لم ولن أحسبها من تاريخ حياتي.

أشبه ما يكون هذا الشعور مثل الخيال أو الظل، فتور في الأطراف وتعب من كل حركة حتى الطعام كان بمثابة عمل شاق أنجزه وأحيانا أتركه ناقصا، أما ألم الرأس فذاك شيء آخر، ربما يشبه غوغاء منطقة تعرضت للقصف، ووقعت فيها مجزرة، أنين الجرحى وصراخ الأهل والأصدقاء وصوت سيارات الإسعاف المرعب، الغبار، رائحة البارود، رائحة الدماء، كلها مجتمعة في رأسي يسببها فايروس تاجي صغير.

لحظات تعيشها من حياتك لا يمكن أن تسميها حياة، بل أشبه بقفار منزل مترامي الأطراف ليس من دمار ولكن من وحشةٍ وعزلة وغياب المؤنس والصديق، ك بيت كَبُرَ أبناؤه ورحلوا كلٌ في سبيله، وبقي الأب والأم وربما الجد والجدة، وحيدان يتعايشا مع جوانب منزل فارغ، كان في الأمس يعج بالصبيان والبنات.

الأعراض كانت متوسطة إلى شديدة أحياناً، أشدها إيلاماً هو ألم الرأس والصداع الدائم والذي يسكنه بعض أقراص السيتامول، لكن الألم يعود بزوال تأثير المسكنات، بالإضافة إلى آلام الجسد والظهر بكل جزء منه ، حتى الحرارة التي كانت تزورني أحيانا عندما تشتد المعارك في جسدي ، قضيت على هذه الحالة أكثر من ثمانية أيام، اقتصرت فيها على تناول بعض الأدوية مثل حبوب المسكن التي تحوي مركب السيتامول وبعض أقراص الفيتامين (c + d ) ولم أضطر لتناول دواء (الأزيترومايسين) ولله الحمد لأنه لم تظهر لدي أعراض ومشاكل تنفسية.

31 تشرين الأول، في ذلك اليوم كنت رقماً إيجابياً من 278 حالة ظهرت نتيجتها في مخبر الترصد الوبائي، لكن ليس إيجابيا بالمعنى الجيد أو الخير كما ارتبطت كلمة الإيجابية في أذهاننا وإنما تعني بأني أحمل فايروس كورونا، الذي أخذ من صحتي وعافيتي وقوتي الشيء الكثير ولا أعلم كم من الوقت أحتاج لاسترجاعها.

واليوم بعد عشرة أيام داخل الحجر المنزلي ومع ما كابدته من آلام، بدأت تنقشع غمامة الصيف التي خيمت بظلها الثقيل عليّ وعلى عائلتي، وبدأت تزول الأعراض واحدً تلوَ الآخر، اليوم خرجت لأشاهد الشمس وتشاهدني بعد غياب طويل ولأول مرة منذ ولدت أبتعد عنها كل تلك الفترة. أفضل ما يمكن للمصاب أن يقوم به هو حماية غيره من الوباء، وذلك بالحجر والابتعاد عن الجميع ريثما يُشفى من المرض، وهو ما أشكر الله عليه أني لم أخالط أحداً ولم أكن ناقلاً للعدوى ، عبر التزامي المنزل وعدم مخالطة الأخرين وهو ما يجب على جميع المصابين فعله حتى يتم كبح جماح هذا المرض وإيقاف العدوى المتسارعة، فيما انتظر بفارغ الصبر أن أكمل اليوم الرابع عشر وقد شفيت تماما لأخرج من السجن الذي فرضته على نفسي وعائلتي، وأعود إلى عملي وحياتي الطبيعية في زمن غير طبيعي.

وتراودني الظنون، ما ذنب هذا الشعب المكلوم أن تلاحقه كل هذه المصائب والابتلاءات – الأسد وبوتين، النزوح والتشرد، الأمطار وغرق الخيام، القصف والموت والدمار- ثم كورونا، كلها اجتمعت على الشعب السوري في الشمال المحرر، ليكتب التاريخ كيف عانى الشعب السوري عدة ابتلاءات في آن واحد. فرفقاً يا ربي بنا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق