اشرقات ثقافيةتربوية

مسؤولية الفرد تجاه المجتمع

إن طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع طبيعة متداخلة فالمجتمع في المحصلة هو مجموع أفراده ، وأفرادُه تتنازعهم توجهات مختلفة ومُؤثرات متباينه ، والإنسان بطبيعته يتأثر  بمحيطه الذي  يعيش فيه ويتبادل معه المنافع ، ويكتسب من ثقافته وأخلاقه ، ويسهم معه في تنشئة أولاده ، والإنسان بصفته الإجتماعية لا يمكنه أن يعيش منعزلا عن الناس ، فمن لحظة ولادته يعيش في أسرة  وينشأ فيها مشاهدا لمعاني تحمل الوالدان المسؤولية  في رعايته ثم مساهما في أعمالها وعلى قدر تحمله واستيعابه ، فيبدأ بتعلم معاني المسؤولية الإجتماعية ، لينطلق بعد ذلك نحو دوائر اجتماعية أوسع ليسهم في تكاليفها الإجتماعية ،

إن الحديث عن مسؤولية الفرد اتجاه مجتمعه تنبع أهميته من إلزامية العلاقة المتداخلة معه ، ثم لحجم التأثير الجمعي عليه  في قيمه ودينه ومعاشه بل في طبيعة الرغيف الذي يأكله ، ولتباين الإتجاهات السلوكية المجتمعية الإيجابية منها والسلبية ، ثم لأن المسؤولية المجتمعية تتأتى من خلال الإكتساب عبر التربية والثقافة والتدافع ، من هنا تبرز أهمية الحديث حول هذا الموضوع   مساهمة في تنمية الوعي الفردي حول هذه المسؤولية ، فبمقدار تعزيز هذه الثقافة والسلوك في أي مجتمع يكون استقراره وقدرته على مواجهة الشدائد ، فالأمر بمرتبط بالوحد المصيرية بين الفرد ومجتمعه فخلاص المجتمع ونهضته هو نهضة لأفراده وحماية لهم ، ولذا بإمكاننا القول أن المسؤولية المجتمعية المتبادلة ضرورة فردية كما هي ضرورة جمعية ،

ولأن الإنسان كائن شبه اجتماعي فقد تتناقض مصالحه مع مصالح مجتمعه فيتدثر بالأنانية ضاربا بعرض الحائط مصالح المجتمع الذي يعيش فيه منتصرا لحقه الشخصي ولو ألحق الضرر بمحيطه ،  فكان لا بد من الموزانة بين الحق والواجب حتى تستقر المعادلات الجمعية ، ولذا نرى الدول تسن القوانين التي تضبط هذا التداخل المُضر منعا من استفراد أصحاب الأهواء والنفوذ ، وكان إسلامنا سباقا في ترسيخ هذه المعادلات على أسس أخلاقية وكذلك حدود وأحكام رادعة ، وفي تعزيز مفهوم المسؤولية تجاه المجتمع والإرتباط به والعمل على نهضته  وتحمل مسؤولية الأقوال والأفعال والسلوكات ، معتبرا ذلك من أخص الأعمال العبادية التي يتقرب بها المسلم لربه ونيل رضاه ،

والناظر للخطاب القرآني يجد أنه خطاب لجماعة الناس وخطاب للأمة ولأهل الإيمان وليس خطابا فرديا ، وهذا ينمي الشعور بالجماعة والإرتباط بها فيقول الله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ، والخطاب المتكرر ( يا أيها الذين آمنوا ) وليس يا أيها المؤمن !  حتى الفاتحة التي نقرؤها في كل ركعة في الصلاة نقرأ  (اهدنا الصراط المستقيم) وليس اهدني الصراط ! والأمثلة أكثر من أن تُعد ، وفيها إلماحة بينة لذات الأمة وواجب تحقيقها والإرتباط العاطفي معها والعمل على نهضتها وتصحيح مسارها ومواجهة أعدائها ، وإن كان الحساب يوم القيامة حسابا فرديا (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا)

وكذلك فإن الأحاديث النبوية الشريفة  تدعونا للإهتمام بالآخر سواء أكان من أُسرنا وأرحامنا او جيراننا أو حتى من بقية مجتمعنا ، ففي الحديث الي يُبرز بشكل جلي المسؤولية الفردية تجاه المجتمع (أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها، قال إن فيها عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين، قال اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط) وإن كان للعلماء قول في مدى صحة الحديث  لكن القول الفصل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع واجب في شريعة الإسلام  ،

إن واقع بعض الناس اليوم في تخليهم عن واجباتهم تجاه مجتمعاتهم وقضاياهم الكبرى يُحتم على العلماء والدعاة والإعلام والمنظومات المؤسَسِية تنمية الشعور بالمسؤولية المجتمعية والبحث في الأسباب التي أدت إلى هذا التراجع ، وأكاد أجزم أن الفساد في المنظومات الحاكمة وتحكم الطغاة إحدى أهم أسباب التقوقع في اللامبالاة ، بل إن عملهم الدؤوب على تهوين وإماتة كل محاولات ايقاظِ الشعور بالمسؤولية تجاه الأمة وقضاياها   المتعددة وحرف بوصلتهم عن وضع اليد على الموطن الصحيح للعلة ، حتى يستمروا في هيمنتهم وفسادهم ، لكن النبي عليه السلام يوقظ شعورنا بالمسؤولية فيقول ( سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله) ، لذا فإن تحقيق المسؤولية الفردية سينعكس حتما على الأنظمة الحاكمة ومدى تحملها لمسؤولياتها تجاه شعوبها والثمرة هي النهضة والتحرر وتحقيق الأهداف والإستقرار ،

ولعل من أبرز المسؤوليات الملقاة على عاتقنا تجاه مجتمعنا:

 أولا :تعزيز الإيمان بالله في قلوب الناس فهو ملاذنا وانطلاقنا وتحررنا من كل الضغوط المانعة ، وتبدأ هذه المسؤولية تجاه أفراد أُسرنا وأجيالنا الصاعدة ثم بقية الناس ، والأقربون أولى بالمعروف ،

ثانيا :تعزيز المنظومة الأخلاقية  وهي واسعة لا مجال للإسهاب فيها لكن أود الإشارة إلى المسؤولية المهنية في العمل ، واحترام الآخرين وعدم إيذائهم خاصة في هذا الزمن الذي انتشر فيه مرض كورونا ، وعدم ظلم الناس والإعتداء عليهم فإن الظلم ظلمات ،

ثالثا : تعزيز الروح الوطنية الإيجابية والتخلص من عوامل الشرذمة كالعصبية العائلية والحزبية والتطرف ، ثم الدفاع عن هذه الأرض المباركة السليبة حتى تنتهي هذه المظلمة التاريخية الواقعة على شعبنا ، وهي بداية ضرورية نحو بناء ذاتنا الجمعية في بوتقة الطموح المرجو

رابعا: تعزيز الوعي والعلم فإن الجهل مرتعه وخيم

خامسا: الإيجابية في الحياة من خلال العمل التطوعي  والوقوف بجانب الفقراء والحفاظ على الممتلكات العامة والنظافة إلى غيرها من الامور ……

مسك الختام ، فإننا نعيش على هذه الأرض ، وعليها الصالح والطالح وعليها العالم والجاهل وحسن الأخلاق والمُعدم منها  والوطني والخائن والمسلم والمتربص ، وهذا يتطلب أن يتحمل كل واحد منا مسؤولياته على قدر مكانته وإمكانياته ، فحالنا كما شبههُ النبي عليه السلام بالسفينة ومن عليها (فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) .

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق