إشراقات سياسية

أمة أحمد، تخلت عن أرضها المقدسة


احتلت فلسطين في لحظة غفلة من الأمة، لحظة كان فيه المجموع العربي ينقسم ويتشتت أكثر فأكثر، تتصارع قواه حول رايات ليست منّا، وقتها غرس الخنجر الصهيوني في قلب الوطن، غرس ليزيد من أوجاعنا، ويسيطر على تفاصيل أيامنا، لكنه ما استطاع انتزاع روح رفضه منا، كان ينطبق علينا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في تغيير المنكر بقلوبنا وذلك أضعف الإيمان لأن يدنا ولسان جلنا ما عاد به حيلة، حاول المحتل تغيير تلك القلوب فينا، سعى وراوغ وأسس وجمع ولكنه حتى وقت قريب ما استطاع.

نعم ضربت شعوبنا في الداخل والخارج أروع القصص في حب فلسطين ومناضليها، وتغنى الكل ببطولات شباب الحجارة والبنادق واعتبر ذلك مصدر فخر للأمة بأسرها، وكان للتضامن العربي أثره في شد أزر الناس وتقوية ظهورها، فمن مؤتمرات وجمعيات وإرساليات وكلمة وقصيدة، ما بخلت علينا الأمة بعطاياها وما تستطيع، كله طمعا في تغيير منكر الاحتلال وكنسه عن تراب الأرض المقدسة، وكان من يقف مع فلسطين يوضع على الرؤوس ومن اصطف ضدها تعاديه الأمة بشبابها وأحزابها، كان العرب منقسمين على كل شيء إلا فلسطين نقطعة اجتماعهم وجمعهم ولو ظاهريا!

ثم ماذا حصل ؟!

ظلت قضية فلسطين حية، حتى وقت ليس بالبعيد، أو بالأحرى ظلت كذلك لفترة ما قبل 15 عام الأخيرة، بعد أن توقفت انتفاضة الأقصى، تلك الثورة التي أرعبت الاحتلال وأشعرته بقرب دنو أجله، لكنها للأسف أفرزت واقعا غريبا على الداخل الفلسطيني، انقسم الفلسطينيون فيه على أنفسهم، وأمسى صديق الأمس عدوا، بدأ بساط التآلف يسحب من تحت أقدامنا رويدا رويدا، فالأسير والشهيد وعوائلهم أمست وحدها في الميدان، تدفع ثمن نضالها من حليب أطفالها، يضيق الخناق عليها لتقول ليتنا لم نولد قط، وقتها وجد المحتل ضالته، فهذه المقاومة لن تجف إلا إذا جف عمقها، كبل داخلها بأيدي الأخوة، وبيد الأخ الأكبر لا بد من الضربة القاضية!

لا أعلم ولا أحسب أحدا يعلم ماذا حصل تحت الطاولة، وكيف بين عشية وضحاها أسس لتلك الضربة القاضية، أصبح للمحتل شهود زور فينا، صوتهم عالٍ دون خجل، ينادي فيهم رئيس وحفنة مطبلين بتطبيع وتغيير طبائع، يسجن من يعارض يسحل من يرفض، تسقط وتحاصر وتخون دول ترفض أن تكون في صف المتخلين عن القضية الأم، تفتح سفارات وتؤسس علاقات، وتفتح صالونا تجميل للمحتل في ديار العرب.

قناعتنا، أن الغبار يخفي لمعان الزجاج، لا ينهي خاصيته ولا يغير طبيعته، لكنها اليد الطيبة التي تحمل إرادة التنظيف والتغيير هي من ستعيد للواجهة لمعانها، لن يحصل ذلك إلا إذا تعاون الأحرار وشدوا أزرهم وأعلوا صوتهم، وأزاحوا عن نفوسهم غبار الزمن، لن يعود صلاحٌ فينا ما لم تصعد مدارس الإصلاح والتجديد فينا، تعلم وتربي، تعد أجيالنا دينيا وثقافيا، تربينا روحيا، وتحل خللنا الإجتماعي، تعيد للعلماء دورهم، وتسقط عنهم جلباب الدولة وحب السلطان وخوف سوطه، يكون للمنبر فينا دوره في الانتقاد وسياسة التغيير، يكون في كل قرية ومدينة وشارع مدرسة من ذلك النوع تتظافر فيها جهود الكل نحو هدف واحد ووحيد أن تعود للأمة صفاء سريرتها، ونبل طريقها.

ويسألونك متى هو، قل عسى أن يكون قريبا

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق