إشراقات سياسية

أثر نتائج الانتخابات الأمريكية على القضية الفلسطينية

مع إعلان فوز جو بايدن بانتخابات الرئاسة الأمريكية على ترمب، يعتقد البعض أنه لا فرق بينهما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والدعم اللامحدود المقدم لدولة الاحتلال الصهيوني، وآخرون يقولون أن أمريكا دولة مؤسسات لا تتأثر قراراتها بتغير الأشخاص، وهنالك البعض داخل السلطة الفلسطينية يتأمل بأن تكون هذه بادرة لعودة المسار السلمي مع دولة الاحتلال.

صحيح أن أمريكا دولة مؤسسات ولها سياسات عامة يلتزم بها الجميع ويعملون وفقها، إلا أن هذا لا يلغي أمرين أن هنالك بصمات شخصية للرؤساء والمسؤولين، وأن الرئيس ينفذ سياسة حزبه والقوى السياسية التي دعمته والتي تختلف من حزب إلى آخر ومن فترة إلى أخرى، وهذا يخلق هامشًا من التغيير في السياسات الأمريكية تجاه المنطقة العربية.

الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني رغم أهميته ومحوريته إلا أنه لم يكن على وتيرة واحدة طوال الوقت، فقد كان ضعيفًا في بدايات نشوء الكيان الصهيوني وازداد بشكل كبير بعد حرب عام 1967م لتبدأ بعدها العلاقة التاريخية بينهما، واستطاع اللوبي الصهيوني أن يفرض أجندته بسبب الأداء السيء للأنظمة العربية بالإضافة لعدم وجود لوبيات عربية وإسلامية لفترة طويلة من الوقت فضلًا عن التقارب الثقافي والحضاري بين الفكرة الصهيونية والغرب.

والسياسة الاستعمارية الأمريكية في المنطقة لم تكن لتتمدد بهذا الشكل لولا أنها لم تجد مقاومة من الأنظمة العربية التي فتحت لها الأبواب على مصراعيها، فلو كانت مواقف هذه الأنظمة أكثر صرامة واهتمامًا بمصالح شعوبها لما رأينا هذا التغول الأمريكي.

وانتقد الباحثان الأمريكيان ستيفان والت وجون مارشماير في كتابهما الشهير “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية” سياسة الإدارة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، لأنهما رأيا أنها تراعي مصالح الكيان الصهيوني وليس مصالح أمريكا فحسب ما جاء في الكتاب رغم تقاطع مصالحهما إلا أن هنالك اختلافًا في عدة أمور، والقيادة الأمريكية لا تراعي ذلك وتورط نفسها في سياسات تضرها وتخدم الكيان الصهيوني.

وفي اعتقادي أن سبب هذه العلاقة المختلة هو الضعف العربي الذي سمحت للوبي الصهيوني أن يتمدد ويأخذ حجمًا أكبر مما يستحق.

ما هي الفروق بين ترمب وبايدن؟

شكل ترمب قفزة في دعم الكيان الصهيوني والتيارات السياسية الأمريكية المعادية للمسلمين والعرب، فعلى سبيل المثال أصدر الكونغرس الأمريكي قانونًا عام 1995م يقضي بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، إلا أن الرؤساء الأمريكان المتعاقبين (كلينتون، وبوش الابن، وأوباما) رفضوا تنفيذ القانون وكانوا يؤجلونه كل عام بدعوى الأمن القومي الأمريكي.

فكانت أمريكا حريصة على أن تحافظ على بعض التوازنات مع العرب رغم انحيازها الكبير لدولة الاحتلال، ثم جاء ترمب وبتحريض من اللوبي الصهيوني وتحديدًا جماعة نتنياهو، وقرر تنفيذ نقل السفارة وفوق ذلك الاعتراف بالقدس “عاصمة أبدية لإسرائيل”.

كانت وجهة نظرهم أن هذه القرارات لن تؤدي لأي ردود فعل عربية، وستمر دون خسائر وأن المخاوف عند صانعي القرار الأمريكي لم تكن في مكانها، وظنوا أنه بالاستعانة بالثورات المضادة العربية يمكن تمرير هذه القرارات وفرض وقائع جديدة.

وهكذا جاءت بعدها سلسلة قرارات غير مسبوقة على رأسها صفقة القرن وقطع الدعم عن الأونروا ووقف مشاريع الخارجية الأمريكية (USAID) وإغلاق مقر منظمة التحرير، ثم الضغط بشكل كبير جدًأ على الدول العربية للتطبيع.

الآن بايدن لن يكمل هذا المشروع وهذا سيعطينا كفلسطينيين وعرب متنفسًا حتى نعيد ترتيب أوراقنا، لأننا لم نجد طوال الفترة الماضية أي ردود حقيقية وحاسمة على صفقة القرن والتهافت على التطبيع، لو بقي ترمب في الرئاسة لخنقنا ولم يكن لدينا هامش كبير لمواجهة صفقة القرن وضم الضفة الغربية وتهجير سكان الأغوار والمناطق (ج)، ولانشغلنا بالأزمات المالية المستمرة الناجمة عن الحصار المالي “الأمريكي الصهيوني” القاتل.

هذا المتنفس البسيط نحتاجه بشكل كبير لكن مطلوب منا أكثر بكثير، علينا مواجهة الكيان الصهيوني وإشعال موجة مقاومة شعبية في الضفة الغربية حتى نستطيع إفشال مخطط الضم والتهجير، ودون ذلك سيستمر الاحتلال بتنفيذ المخطط دون إعلان رسمي عنه ولن يعترض وقتها بايدن بكل تأكيد.

البعض يخشى من أن تسارع السلطة لإعادة علاقاتها مع دولة الاحتلال تمهيدًا للعودة إلى المسار التفاوضي، رغم أنه لا يمكن الرهان على صمود السلطة إلا أن التركيبة السياسية الصهيونية لا تسمح بعودة المفاوضات والقادة الصهاينة يزدادون تطرفًا، فحتى لو تراجعت السلطة عن المصالحة مراهنةً على مفاوضات يرعاها بايدن فسرعان ما ستجد نفسها خالية الوفاض ومضطرة للعودة إلى المصالحة ومواجهة الاحتلال.

جماعات الضغط العربية والمسلمة

على صعيد السياسة الداخلية الأمريكية فإن بايدن وعد بشكل صريح بإلغاء قانون منع دخول المسلمين إلى أمريكا، والذي أصدره ترمب لمنع دخول مواطني عدة دول إسلامية لأمريكا بحجة الإرهاب، وقال بايدن بالحرف الواحد أنه سيلغيه في اليوم الأول لتوليه الرئاسة.

موقف بايدن ليس مبادرةً طيبة منه بل نتيجة جهود جبارة بذلتها جماعات الضغط المسلمة والعربية في أمريكا خلال السنوات القليلة الماضية، والتي استطاعت أن تجد لها موطئ قدم داخل الحزب الديموقراطي رغم أن المسلمين لا يشكلون أكثر من 1% من سكان أمريكا، وهذا لمسناه باستشهاد بايدن بأحاديث نبوية في خطاباته.

كما استطاعات جماعات الضغط من إيصال نواب في الكونغرس من أصول عربية (إلهان عمر ورشيدة طليب) ومؤيدين للقضية الفلسطينية مثل ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وكان هذا اختراقًا للكونغرس قبل عامين لأنه قبل ذلك كان هنالك إجماع على دعم الكيان الصهيوني دون سماع صوتٍ واحد معارض، أو كما كان يقول بعض المختصين “يمكن انتقاد إسرائيل داخل الكنيست لكن لا يمكن انتقادها داخل الكونغرس”.

في الختام

طبعًا هذه التحولات لن تغير الكثير في هذه الفترة الزمنية القصيرة وأكبر خطأ هو الرهان عليها وحدها، هي عامل مساعد لكن العمل الحقيقي الذي يجب أن يحصل هو عندنا في فلسطين والمنطقة العربية، تجاه مقاومة أكثر فعالية وإسقاط الأنظمة الاستبدادية ومحاربة دولة الاحتلال.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق