اشرقات ثقافية

التعليم الإلكتروني بين الخوف من التكنولوجيا وعشق القديم

يعشقُ النّاس ما ألفوا، وفي سبيله يكرهون التّجديد، منذ فجر التّاريخ ووسائل المعرفة تتغيّر وتتبدّل، رضي من رضي وسخط من سخط، مركب سائر، فإمّا أن تركب معنا، وإمّا أن تتقوقع حتّى تلفظ أنفاسك في عالم لا يرحم المتأخّرين، ولعلّ نظرة عجْلى إلى الوراء تُريك صدق ما أقول، فشمّر عن ساعد الجدّ وتقدّم، فليس لك إلا أن تكون، فمن حجز موقعه وبنى وشيّد فإنّ نصيبه النّجاح، ومن نكص على عقبيه، وأخذ في اللطم والعويل، فهيهات هيهات أن يُحالفه الفلاح.
صُدم العالم في مطلع شهر آذار من عام2020م بتغيّرات لم يحسبوا لها حسابا، وكأيّ صدمة إمّا أن تستوعبها، وتبحث عن الحلول وتفيد منها متجاوزا الآلام إلى الآمال، ومحوّلا ما فيها من محن إلى منح، ومن نقم إلى نِعم، فتقلب السّحر على السّاحر، وإمّا أن تستسلم أو أن تُمنّي نفسك بالعودة إلى الماضي الذي تظنّ أنّه سيحميك. لا يا صاحبي قطار التغيير يسير، ولسوء الحظّ ليس لك فيه صناعة أو تعمير، فأضعف الإيمان والحال ما وصفت أن تتناسى الوجع، وتطلّع للأمام، وأنا أنصح بعد ذلك، والنّصيحة الدّين أن تُبادر إلى التّجديد في طريقة تعليمك أو تعلّمك أو نهج حياتك. فمن قال إن طرائق المعرفة؛ أعني أساليبها مقدّسة لا يُمكن التغيير فيها أو التحوير، كلّا وألف كلّا، لا بُد من ثورة معلوماتيّة علمية مدروسة تفيد منها وتستفيد، ثورة عالميّة لا تعرف الحدود، ولا تؤمن بالجمود.
أدعوك أخي الشّاكي الباكي الحزين، أن تنسى ما مضى وأن تُعدّ العُدّة إعداد من دخل حرب القرن الحادي والعشرين، فليست الفرس ولا التّرس ولا الرّمح إلا ذكريات ناسبت عصرها، وليس لها في عالم اليوم إلا التغنّي وإشارات وكنايات نستخدمها إذا ما استلهمنا الماضي أو الشعر القديم.
وقف النّاس من بعض العلوم متوجّسين خائفين حتّى طلع الفجر وبان لهم أنّ من لم يتخصّص فيها أو يحصل على شهادة علميّة مصدّقة سيبقى صياحه وعويله صدى يسمعه كلّما طرق بابا للعمل، أو تذكّر موقفه القديم.
إنّ التعليم الإلكتروني أصبح ضرورة حتمية أو كاد، فهو وسيلة لا يُمكن الاستغناء عنها في هذا العصر، وعلى الجهات المعنيّة أن تُغيّر في خططها، وفي برامجها، وأجندتها، من رأس الهرم إلى القاعدة، هذا التعليم سيقلب الموازين، وقد بدأت رياح التغيير، فأن نتجهّز ونبادر خير لنا من أن يُفرض علينا، فلا ندري حينها ما نقول.
مناهج التعليم بحاجة ماسّة إلى تحوير وتبديل، والعقل المنظِّم لا بدّ له من إيمان منقطع النّظير، والدّاعم المموّل هو الآخر مطلوب منه حسن التّدبير، وأمّا القديم الرّافض فأبشّره بحزن طويل، ليس لنا فيه ناقة ولا بعير.
إنّ في محرّكات البحث من الفوائد الشيء الكثير، وفي الوسائل الإلكترونية، إن أحسنّا استخدامها ما يغني في بعض المواد عن مشقّة المكث أو الحضور، فلماذا لا تؤسّس مدارس وجامعات على هذا النّهج، مبتدئة بالتخصّصات الممكنة الجاهزة ثمّ يكون ما يكون.
إنّني أدعو المسؤولين على اختلاف مواقعهم إلى حمل راية التغيير مؤمنين معتقدين، ودراسة ما يترتّب على ذلك في جميع القطاعات إلا أنّ حديثي في هذا المقام مقتصر -كما تلاحظون- على المدارس والجامعات.
وحذار حذار أن نفهم التعليم الإلكتروني على أنّه مجرّد تواصل، فنستخدم له (الواتس أب أو الماسنجار أو مجموعة من المجموعات أو ما شابه) ونظنّ أنّنا تعلّمنا أو علّمنا ونصفّق بعد ذلك فرحين متباهين، فما التعليم الإلكتروني إلا وسيلة تعليميّة أخذت حجما، ولا بدّ من الاستفادة منه.
ولا يظنّنّ ظانّ أنني أُلغي بذلك التعليم الوجاهي، فبعض التخصّصات إلى الآن لا يُمكن إتقانها إلا بقسط ضروري من المواجهة والحضور، وآمل أن تتغيّر الظّروف، وتصبح ضمن مُكنة الطالب والمتعلّم.
لقد بات ممكنا دراسة اللغة العربيّة (على سبيل المثال) كاملة تامّة إن أحسنّا التّواصل في أيّ دولة نشاء، وتحصل على البكالوريوس والماجستير والدّكتوراه، فكيف ستتعامل التربية مع هذه الشّهادات؟ أيجوز لنا أن ننتظر حتّى تكون، وبعدها نبحث عن العلاج؟ أين هم المسؤولون المبادرون، الذي يسهرون على وضع الخطط، ويُغيّرونها وفقا لما يستجدّ من أحداث؟ وكيف ستتعامل الجامعات مع هذه الشّهادات؟ آن الأوان إلى التعجّل في وضع التعليمات ومراجعة القوانين، فلا حياة للخائف، أو المتباكي على القديم، فدعوا الأعذار والاعتذار جانبا، وكونوا كمن همّه أن يصنع الحاضر وأن تكون له بصمة التّجديد.

بقلم الدكتور مشهور موسى مشاهرة/جامعة بيرزيت/فلسطين

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق