اجتماعية

جرائم القتل بين الأسباب والعلاج

بتنا نسمع بين الفينة والاخر عن حالات قتل ومحاولات أخرى هنا وهناك ، في حالة من  الاستهانة بالدماء وعمليات الثأر البينية المتبادلة ، مما يهدد  بتفكك بُنانا المجتمعية  إذ لم تتضافر الأصوات العاقلة في مواجهة حتمية كارثية يتشوف لها عدونا المركزي ، وفي هذا المقال سأكتب عن حرمة الدماء في الإسلام ثم أعرج على أهم  أسباب القتل في واقعنا الفلسطيني ودور الإحتلال ثم أخيرا العلاج

أولا :جاءت شريعة الإسلام لحفظ مصالح العباد مؤكدةً على مقاصد خمسة ، عُرفت بالضرورات الخمس وهي حفظ الدين والعقل والنفس والمال والنسل ، وقد اختلف الأصوليون في ترتيبها ، ولأن مقال اليوم لا يدور حول تفاصيلها فإنني أركز على ضرورة من هذه الضرورات تستدعي حساسية اللحظة التأكيد عليها وهي ضرورة النفس ،

إن إسلامنا العظيم عظم حرمة الدماء وبين خطورتها في كثير من النصوص المقدسة في الكتاب والسنة ، حيث ذكر القرآن العظيم وأولى اهتماما لأول حادثة قتل وقعت في فجر البشرية بين ابنيَ آدم (واتل عليهم نبأ ابني آدم) تلاوة تحكي قصة لم تمح مع توالي القرون لعظيم جرمها ، بل إن النبي عليه السلام يؤكد (لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل) ثم بينت النصوص القرآنية كيف ركزت الشرائع السماوية للأقوام السالفة على خطورة القتل ، وشرائع من قبلنا مما ورد في قرآننا هي شرائع لنا مالم ترد النصوص التي تثبت خصوصيتها لتلك الأقوام ، وقد قال رب العزة فيما شرّع لبني اسرائيل ( من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ) وفي نص واضح لأمة النبي محمد عليه السلام (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه واعد له عذابا عظيما) وهي عقوبة مغلظة تقوم على وعيد متعدد بأركان أربعة لا تدع للمرء فسحة في دينه وهذا ما اكده النبي عليه السلام في الحديث الصحيح (لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما) وقوله عليه السلام (إذا التقا المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) قيل يا رسول الله هذا القاتل فما شأن المقتول ، قال : ( لأنه كان حريصا على قتل صاحبه )

وفي الإطار الواقعي فإننا كشعب فلسطيني شرفنا الله أن نكون على هذه الأرض المباركة وان نكون في مقدمة المدافعين عنها امام تغطرس عدو إحلالي يتربص بنا الدوائر ، يسفك دمنا وينتهك حرمة قدسنا ويقضم أرضنا ، وهذا يتطلب وحدة في الموقف وإذابة لكل تناقضاتنا البينية الداخلية وأن نجعل تناقضنا المركزي مع عدونا الإجرامي ، لا إثارة ما يُسهم في إضعافنا خاصة بعد الانكشاف الجلي لظهيرنا العربي والإسلامي

ثانيا : لعلني هنا اسلط الضوء على بعض ما أرى أنه من أسباب الإنزلاق إلى هاوية الإستهانة بالدماء ، فإن معرفة الأسباب طريق نحو خطة العلاج

  1. الأنظمة العربية والإسلامية التي قتلت الناس بالمجان فأصبحنا لا نرى على شاشاتنا المرئية والإخبارية إلا صور دماء تنزف وأرواح تزهق بالعشرات والمئات بلا حسيب ولا رقيب ، تارة بالبراميل المتفجرة وتارة  بالأسلحة الكيماوية وتارة بالرصاص الحي وعلى مرأى من العالم ، ولعله بسبب هذه الصور والأخبار تسللت عميقا إلى نفوسنا وفي غفلة منا  معاني الأستهانة  بالأرواح
  2. الأنظمة الحاكمة التي همشت الإرتباط بالآخرة  وأعلت من القيم المادية على حساب القيم الإيمانية وجرفت الوعي بالمنظومة  الأخلاقية حتى رأينا من هو على استعداد لقتل الآخرين على شبر من الأرض وغابت عنا (لئن بسطت إليَ يدك لتقتلني ما انا بباسط يديَ إليك لأقتلك اني اخاف الله رب العالمين)
  3. عدم تطبيق شريعة الإسلام في الحدود والقصاص ، حتى غدا القاتل يشعر بحالة نسبية من الأمان على حياته ، فالثمن سنوات قليلة من السجن ولكل حادث حديث ..
  4. اختلال منظومات القضاء العشائري وآليات عملها التي عجزت عن وقف الهرولة إلى الهاوية
  5. عجز المنظومة الحاكمة عن معالجة الاختلالات الأمنية والإقتصادية وتحقيق العدالة ورفع الظلم
  6. ضعف بُنانا التعليمية والتربوية (مدارس وجامعات ومساجد ووسائل إعلام) وكذلك المؤسسات الخاصة  في خلق رديف يسد الثغرة الظاهرة
  7. غياب فعالية والدور المنوط بالفصائل والأحزاب لأسباب ليس هذا موضع نقاشها ، بل حماية بعض هذه الحركات لظواهر الفلتان الامني الموجودة بل خروج تلك الظواهر من تحت عباءتها
  8. عدونا المركزي الذي عمل على تسهيل بيع السلاح الغير نظيف وتمكين وحماية بعض تجاره من الإسترزاق في محاولة  لإغراقنا في وحل الثارات البينية المتبادلة وتفكيك مقومات صمودنا في مواجهته

ثالثا : إن ما سبق من أسباب وربما غيرها يتطلب حوارا مجتمعيا واعيا يدرك خطورة المرحلة التي نحياها ، خاصة أن عدونا يسعى لإجهاض ما تبقى من قضيتنا الفلسطينية وربما يسعى لفرض منظومات حاكمة كبديل لواقعنا ، وذلك عبر حصارٍ اقتصادي ونشرٍ للفتنة عبر ميليشيات تكبر وتتمكن عبر عين الإحتلال ، حتى نصل لمرحلة الإستغاثة ، ثم بعدها  يَفرض علينا واقع سلطوي جديد على مقاس يتلائم مع متطلبات المرحلة وفق رؤيته ، وإلا فلا يعقل أن يستنفر عدونا بكل مكوناته الأمنية من اجل قطعة سلاح مقاومة واحدة ثم يسكت عن عشرات القطع بأنواعها بأيدي آخرين ! ولذا فإن على السلطة الفلسطينية أولا أن تأخذ دورها في محاربة هذه الظواهر التي تعرف عناصرها ثم تنفيذ أحكام القانون الرادعة ، وخاصة أحكام القصاص في الشريعة الإسلامية ، فإن من أمن العقاب أساء الأدب  ، ثم على الفصائل والتنظيمات تجريم ورفع الغطاء التنظيمي عمن يحرف بوصلة السلاح نحو شعبنا ، وكذلك على  العائلات الترفع عن عنصريتها المقيتة والعمل على رفع الغطاء المجتمعي عمن يعبثون بدماءنا ، فضلا عن حراك توعوي وثقافي ودعوي في مخيماتنا وقرانا ومدننا وفي مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا حتى لا نصل إلى نقطة يصعب معها العودة ولات حين مناص .، إن العلاج يكمن في الوقوف على الأسباب المؤدية لما نحياه وبتظافر الجميع كل وفق إمكانياته ومسؤولياته ، لأن الامر يتعلق بأمننا وامن اولادنا وبمصير قضيتنا الفلسطينية .

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق