إشراقات سياسية

العرب وأثمان التطبيع الباهظة

بدأت عدد من الدول العربية تتهاوى وتتساقط في وحل التطبيع، أشبه بحبات الدومينو ممّا فاجأ المراقبين والشعوب التي كان يعتقد بعضها  بأنّ تلك الأنظمة هي حامي حمى العروبة والإسلام. وقد شكّل ذلك صدمةً متوقعة لدى أحرار الأمة العربية ونخبها الفكرية والحزبية التي عبّر كثيرون منهم عن غضبهم من هذا الهبوط الكبير.

ولو أردنا أن نقرّب معنى التطبيع لمن ليس لديه فكرة عن ذلك، فقد يكون هو عبارة عن ممارسات سياسية واقتصادية وثقافية تقوم بها أنظمة ممثلة بحكوماتها وأحياناً أفراد مقربين لتلك الأنظمة، بإقامة علاقة طبيعية مع “إسرائيل” متناسين احتلالها لأراضٍ عربية، وتشريد شعب بأكمله، إضافة لاعتداءاتها على عدّة دول عربية، كمصر والسودان والعراق وتونس عدا عن لبنان والأردن وفلسطين وسوريا.

ويسوق فريق المطبعين من تلك الأنظمة مبررات عديدة لتسويغ فعلتهم المستنكرة من شعوبهم، وعلى رأس هذه المبررات “التهديد الإيراني” كما يصفونه، حيث أنّ تدخلات ايران في سوريا والبحرين واليمن ولبنان، كانت ولا زالت دافعاً قويّأً لخوف تلك الأنظمة التي ثبت ضعفها في مواجهة الأخطار التي تهدد دولها ومثال ذلك عجز التحالف العربي في اليمن وسوريا  – قبل التوافق مع نظام الأسد- من حسم المعارك رغم التفوق الكبير في مستوى التسليح والتمويل ، ومن هنا فهؤلاء المطبعّون يرون أنّ مصالحهم تلتقي مع مصالح دولة الاحتلال في مواجهة إيران، متناسين تدخلاته في دولهم العربية واحتلاله لأراضٍ عربية من لبنان وسوريا إضافة لفلسطين كاملة.

يرى مراقبون للتغيرات الجيوسياسية التي تحدث في المنطقة أنّ الهدف الأول للتطبيع هو عقد تحالف قوي بين دول عربية “وإسرائيل” لوقف التقدم التركي السريع والمؤثر في المنطقة، فتركيا أثبتت خلال فترة قصيرة؛ مدى قدرتها على التعامل مع كافة الملفات الشائكة في المنطقة دبلوماسيّاً وعسكرياً، فهي عنصر حاسم في الملف السوري والليبي، وقبل ذلك دورها المهم في الخلاف الخليجي حيث وقفت إلى جانب قطر بدعم عسكريّ مباشر ممّا أدى إلى إفشال مخططات الرباعي” السعودية والإمارات والبحرين ومصر”. إضافة لموقف تركيا الواضح في دعم الشعوب العربية في ثوراتها ضد الأنظمة، وفتح أراضيها لاستيعاب المُهددين الفارين من تلك الدول. لقد وصل الحال بتلك الدول العربية الإسلامية أن تتحالف ولو مع الشيطان ضد بلد إسلامي، وكل ذلك لحماية الأنظمة ومصالحها الخاصة، إضافةً لتهديد سيادتها المُفترضة للعالم الإسلامي كما تعتقد.

لقد كان لثورات الربيع العربي تأثيرٌ كبيرٌ على سياسات الأنظمة العربية، فقد سقط عدد من الزعماء العرب، دون أن يجدو حليفتهم الكبرى “الولايات المتحدة الأمريكية” تقدم دعماً لحمايتهم من هبّة شعوبهم على طغيانهم وفسادهم، والزعماء يعرفون أنّ كلمة السرّ لدى أمريكا، هو التطبيع مع دولة الاحتلال، ممّا يضطر أمريكا لتقديم الدعم الكامل لتلك الأنظمة أمام شعوبها وحمايتها من السقوط، وغض الطرف عن ملفات حقوق الإنسان التي كانت تخوفهم بها، ومن هنا فأمريكا ترعى الأنظمة الانقلابية وتقدم لها كل المساعدات الممكنة حتى تبقى ثابتة أمام تقلبات الشعوب، وهذا ما حصل في مصر ويحصل في السودان في هذه الأيام، عدا عن دعم الأنظمة الحليفة التقليدية.

سيترك هذا التطبيع بين دول عربية ودولة الاحتلال آثاراً عديدةً سواء على القضية الفلسطينيةِ، أو على الساحة العربية، فالقضية الفلسطينية عانت وما زالت من تراجع كبير وفشل أكبر في تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني الصامد حتى هذه اللحظة، ويعود ذلك لأسباب كثيرة ليس هنا معرض ذكرها، إلاّ أنّ ما نود ذكره هو أنّ برنامج منظمة التحرير المبني على المفاوضات الثنائية والتي اعتقدت أنه سيفضي إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة العبرية، قد فشل وانهار ولن يعود إلى أحلام ما قبل أوسلو من خلال نفس الآليات. وهنا يأتي التطبيع في مرحلة حرجة يفقد فيه الفلسطيني الدعم العربي القوميّ التقليديّ، ويزيد من إمعان حكومات اليمين الصهيوني المتلاحقة والمتعاقبة على غض الطرف عن أي اتفاق يكون فيه إرجاع أراضٍ فلسطينية محتلة، بل إنّ أصوات المطبعين بدأت تتعالى بلوم الفلسطينيين لعجزهم عن الاتفاق مع حكومة نتنياهو، ومن هنا فقد يكون القادم أسوأ على القضية الفلسطينية، وعلى ضياع ما تبقى من الأرض.

أمّا الخطر الآخر الذي سكون من آثار هذا التطبيع، هو الانهيار لدى بعض النخب العربية المنتفعة والملتصقة بتلك الأنظمة والتي ستصبح بوقاً يروج لبريق دولة الاحتلال الآفل، وهو عبارة عن داء يسري ويؤثر مع الوقت على بنية هذه المجتمعات من حيث تقبلها لهذا الواقع الجديد وتعاطيها معه.

خلاصة القول، الفلسطينيون هم الحصان الأسود في هذه المرحلة، وهم يعولون على وحدتهم وصمودهم وتماسكهم، وثباتهم على حقوقهم، ومن غير المتوقع أن يُسوَّغ أي حلّ أو يُفرض دون موافقتهم، وأي حدث يمكن أن يُفرض سيبقى اسمه احتلال وستتوارثه الأجيال القادمة كأمانة تاريخية، وقد تأتي تغييرات ومعادلات إقليميّة ودولية وذاتية تعيد عقارب الساعة إلى لحظة الحقيقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق