تدويناتشرعي

على قدر الرِّفعة والتفرُّد يكون الاصطبار

عجيبٌ ومدهشٌ هذا التحفيزُ البديع في قول الله عز وجل في سورة مريم:
“رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا” {٦٥}.
فهل ثمةَ حافزٌ للعبادة والاصطبار لها، أكبرُ من كون المعبود سبحانه لا سَمِيَّ له؛ لا مثيل ولا نظير ولا شبيه، بل هو الله المتفرّدُ بكل شيء من الجلال والكمال؛ بالربوبية والألوهية والحاكمية، ومتفرّدٌ بأسمائه وصفاته، “هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا” ؟!

ولله المثلُ الأعلى، وفي إطار معايشةِ القرآن الكريم واستحضارِه في تفاصيل حياتنا وقضايانا، واستلهامِه روحاً ونوراً وهداية،.. فهل ثمةَ حافزٌ للعمل والعطاء، والصبرِ على طريق الجهاد والنضال الذي تسير فيه، وأعبائه المُضنية، أكبرُ من أنك تعملُ – أخي الحبيب – وتنتسبُ لقضية لها كلُّ ذلك التفرّد والتميّز: شرفاً ورفعة، وقداسةً وبركة، وتاريخاً وعراقة، ومكانةً استثنائية على مختلف الصُّعُد الدينية والاستراتيجية والجغرافيا السياسية ؟!
وهل من شرفٍ يداني ذلك الشرفَ العظيمَ في أن الله تعالى قد اصطفاك لهذه القضية، واختارك جندياً في قلبها؛ في القدس وأكنافها، مجاهداً في ميادينها، مرابطاً على ثغورها، حاضراً في معاركها وملاحمها، يغبطك على ذلك كلُّ محبٍ أصيل نأَتْ به الديار !
وهو شرف يَطالُ كلَّ المنتسبين لهذه القضية العاملين لها، والمناضلين من أجلها، والمتفاعلين مع همومها، والمشاركين في عونها وإسنادها، من أبناء هذه الأمة العظيمة، الذين – رغم جراحِهم النّازفة وهمومِهم المتعاظمة – لم تتغير مكانةُ القدس وفلسطين وأولويةُ قضيتها لديهم.

لذلك، فإنه مهما بلَغَ منك تعبُ الجسد، وإرهاقُ النفس، وضيقُ الصدر. ومهما تعاظمتْ عليك الآلام والمعاناة، وطالتْ عليك قسوةُ الصراع والحصار والمواجهة المفتوحة مع الاحتلال،..
تذكر – أخي الحبيب – أنك تجاهد في سبيل ربِّ عظيم، لا سَمِيَّ له ولا نظيرَ ولا مثيل، *”فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا”*،..
وأنك صاحبُ قضيةٍ جليلة، متميزة، سامية، متفردةٍ في اجتماع كل هذه الرمزيات والأبعاد الدينية والتاريخية والاستراتيجية فيها.
فاعْرفْ قدرَك ومقامَك، وأيَّ عدو تقاتل، وعلى أيِّ ثغر نفيس تقف، وأي مصير ينتظرُ شعبَك وأمتَك،.. واستنهضْ كلَّ طاقتك، وكوامن الإيمان والرجولة والتحدي فيك. وأضِفْ إلى صبرك صبراً جميلا، ومصابرةً واصطبارا، وجهاداً ورباطاً، مع كثيرٍ من الرضا والتسليم والاحتساب.

ولقد رَوى لي قبلَ سنوات أحدُ علماء الشام أنه سمع من والده الشيخ الجليل، نقلاً عن علاّمة الشام الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله، قولَه: مفتاحُ النَّصر في آخر آية من سورة آل عمران، وهي قولُه سبحانه وتعالى:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق