إشراقات سياسية

شكرًا لدولة الإمارات

يُظهر حفل التوقيع على “اتفاقية السلام” بين دولة الاحتلال والإمارات والبحرين، حجم الأهمية لكل جانب، فدولة الاحتلال مثلها رئيس حكومتها نتنياهو أما الدولتين العربيتين فمثلهما وزير الخارجية.

بالنسبة لنتنياهو فهذه الاتفاقية تعزز من فرص بقائه على كرسي الرئاسة والنجاة من السجن، أما بالنسبة لقادة البحرين والإمارات فهم يدركون حجم الورطة التي ورطهم بها ترمب.

وفي الحقيقة لو نظرنا إلى المشهد بشمولية سنجد أن حكام الإمارات خدمونا من حيث لم يقصدوا، فاستجابتهم لطمع نتنياهو وترمب كشفت أوراق اللعبة واستفزت الجماهير العربية وحفزت الصفوف الداخلية الفلسطينية للتوحد بعد سنوات من مصالحة متعثرة.

ورغم أن الاتفاقية مكسب شخصي لنتنياهو إلا أن دولة الاحتلال لم تكسب فعليًا أي شيء، فالعلاقات الصهيونية الإماراتية متينة منذ سنوات طويلة، وهي قد وصلت لمرتبة التحالف الوثيق فما الذي ستضيفه الاتفاقية؟

تقود الإمارات منذ سنوات تحالف الثورات المضادة، وحركت الانقلاب ضد مرسي ودعمت السيسي الذي شدد الحصار على غزة وخنقها حتى كادت تموت، وقادت الحصار على قطر مما اضطر الأخيرة لتخفيف دعمها المقدم لحركة حماس، وحركت عمليات تخريب الثورات ووأد صوت الشعوب العربية وهذه أكبر خدمة قدمتها للاحتلال، فعندما يكون للشعوب العربية كلمتها فلن يكون للصهاينة أي صديق في المنطقة.

كما كانت الإمارات البوابة التي تدخل عبرها البضاعة الصهيونية إلى الدول العربية، من خلال شركات وهمية في دبي، واليوم بعد الاتفاقية فستفتح الشعوب العربية وحركات المقاطعة أعينها وربما نشهد مقاطعة للبضاعة الإماراتية؛ أولًا رفضًا لدور النظام الإماراتي المخرب في الدول العربية وثانيًا لأنها تحتوي على بضاعة صهيونية مسربة.

في المقابل خسر الاحتلال أكثر من نقطة قوة: حرق حلفاءه العرب وكشفهم أمام الجماهير العربية، وقد يخسر السلطة الفلسطينية التي تكبل المقاومة في الضفة، ويخاطر بفقدان شريان تسريب بضاعته إلى الدول العربية عبر الإمارات.

كانت الورقة الوحيدة بيد السلطة في المفاوضات مع الاحتلال هي تطبيع الدول العربية مقابل الدولة الفلسطينية، والآن الإمارات تقدم هذه الورقة مجانًا للاحتلال تاركةً السلطة بلا خيارات تفاوضية، ونتنياهو قالها بكل وقاحة أنه لن تكون هنالك دولة فلسطينية، كما أن السلطة تخشى من أن يكون دحلان المدعوم إماراتيًا هو البديل عن محمود عباس وتياره في حركة فتح.

بالتالي فهذه الخطوة ستقرب السلطة أكثر من حركة حماس بعد أن أصبحت لوحدها في مواجهة الاحتلال وتخلي الإمارات ومصر والأردن والبحرين عنها.

وحتى نفهم أكثر كيف أن الاتفاقية تخدمنا أكثر مما تخدم الاحتلال، نذكر بأن الإعلام العربي المتصهين عمل على تجميل صورة دولة الاحتلال، من خلال الزعم بأنها أخطر من إيران أو أقل وحشية من الأنظمة العربية وأن “لديها بعضًا من حقوق الإنسان”، وكان هذا الكلام يصدقه قسم من الرأي العام العربي.

وأيضًا رغم أن الناس عمومًا يكرهون النظام الإماراتي لدوره في دعم الثورات المضاد وتخريب الدول العربية، إلا أن البعض كان يرى فيها دولة تقدم المساعدات الإنسانية.

جاءت الاتفاقية بينهما لتنسف الصورة الإيجابية المخادعة لكل منهما، وأعطت مصداقية لكل الاتهامات التي كانت تكال للإمارات بالعمالة والتبعية للكيان الصهيوني، وأيضًا الاتهامات بأن الكيان الصهيوني يدعم الثورات المضادة والأنظمة الاستبدادية؛ لم يعودا في نظر الناس دولتين مكروهتين فحسب بل حلفاء الشر المطلق.

الاتفاقية التي رأيناها توقع في واشنطن هي ترجمة لحالة الاستقطاب الحادة التي تمر فيها المنطقة العربية منذ انطلاق الثورات المضادة، وظهرت هذه الأنظمة ملتفة حول أمريكا والكيان الصهيوني، وهذا يضرهم ويجعل محاربتهم مكافئًا لمحاربة الكيان الصهيوني في وعي الجماهير العربية.

كان بالإمكان أن يبقى هذا الحلف بعيدًا عن الواجهة الإعلامية، وكان بإمكان هذه الأنظمة الاستمرار بنفي وجود علاقات مع دولة الاحتلال، إلا أن كل شيء انكشف خدمةً لنتنياهو في معاركه الداخلية ووفرت له سلمًا للنزول عن الشجرة بعد فشل مشروع إعلان ضم الأغوار، وأظهرته بالبطل المغوار الذي استطاع تطويع الدول العربية وتدجينها، لكن فعليًا خطوته هذه أضرت دولة الاحتلال وأضرت حلفاءها في الإمارات والبحرين والثورات المضادة.

لقد وفروا لنا مناخًا مناسبًا من أجل إعادة تفعيل حملات مقاطعة الاحتلال وإعادة انطلاق الثورات العربية وإعادة توجيه البوصلة تجاه فلسطين، لكن نجاحنا مرهون بأن نستغل الفرصة جيدًا وهذا يتطلب منا:

التصعيد ضد الاحتلال، وردع المطبعين وأضعف الإيمان ردعهم إعلاميًا، والحشد من أجل الموجة الجديدة من الثورات العربية، وإفشال المشاريع الإماراتية في الدول العربية وإسقاطها فقد بات واضحًا للجميع أنها جزء لا يتجزأ من المشروع الصهيوني. يجب أن لا نسمح لبهرجة الاحتفالات الصهيونية أن تحبطنا، يجب أن تكون الاتفاقية حافزًا للشعوب العربية لمواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي وإسقاط الأنظمة الاستبدادية العربية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق