إشراقات سياسية

صراع الإرادات..بين الزورق الحربي غرباً والموقع العسكري شرقاً

تدخل غزة هذه الأيام من جديد حالة قاسية على المستوى الإنساني جراء تشديد الحصار الصهيوني على الفلسطينيين في القطاع المحاصر، بينما صعّد الشباب الثائر من فعالياتهم الاحتجاجية على الحصار الظالم رداً على العدوان الصهيوني بإطلاق البالونات الحارقة والمفخخة للتعبير عن حجم الألم والمعاناة التي يعيشها المحاصرون في غزة، والذين باتوا يفتقدون لأدنى مقومات الحياة الآدمية من ماء وكهرباء وعلاج.

ما يزيد عن عشرة أيامٍ مضت شهدت تصعيداً ومشاغلة بين الشباب الثائر ومن خلفهم فصائل المقاومة وبين الاحتلال الصهيوني نتج عنها احراق المئات من الدونمات الزراعية في المغتصبات المحاذية لقطاع غزة، بينما رد الاحتلال بالعدوان على القطاع بقصف عدد من المواقع العسكرية في مختلف مناطق القطاع، لترد المقاومة بقصفٍ مثله على الأراضي المحتلة.

الجديد هذه المرة في مثل هذه الأحداث هو اقتراب زورق عسكري صهيوني من شواطئ مدينة غزة بشكل غير معهود، ما استفز سكان القطاع الذين لم يعهدوا أن يتجرأ العدو على الاقتراب من حِمى القطاع الذي يعتبر بمثابة الشوكة في حلق هذا الكيان الغاصب، فتنوّعت الآراء حسب حال المعلّقين على تلك الحادثة، فمنهم المحب الحريص الذي ساءه هذا المشهد ودعا المقاومة لاستهداف أي آلية عسكرية تقترب من حدود القطاع، ومنهم المبغض المتربص الذي أخذ يشكك في قدرات المقاومة ويجرّح في قيادتها واستراتيجيها وخطها الجهادي التحرري.

بدايةً جميعنا يدرك أن هناك فجوة كبيرة وبون شاسع بين امكانيات العدو العسكرية والتقنية مقارنة بقدرات فصائلنا المحدودة المتواضعة، ومع ذلك لم تفتأ فصائلنا تفعل ما بوسعها وتتحدى المستحيل لتضييق الهوة بيننا وبين عدونا، لكن إدارة الصراع بين مقاومتنا المحاصرة وبين عدونا المتفوق على جميع الأصعدة تحتم على صانع القرار أن يُقدم مرة ويُحجم أخرى وفق التوازنات القائمة والمعطيات التي يفرضها الواقع، وذلك للوصول إلى فرض معادلات تحفظ توازن الرعب وقوة الردع لإبقاء جذوة الصراع متوقدة وعنفوان القتال قائماً.

لستُ هنا لأبرر أو أحلل لماذا لم تهاجم المقاومة الزورق الصهيوني الذي تقدّم لمسافة غير معهودة سابقاً، فلقد تحدث في ذلك الكثيرون وأسهبوا بما لا يدع مجالاً للمغرضين لبث سمومهم ودناءتهم على ابطالٍ يبذلون الغالي والنفيس للدفاع عن شعبهم ووطنهم وثغور غزتهم من أن تطأها قدم جندي مغتصبٍ نجس.

لكنني فقط أكتب هذه الكلمات لأبين للحريصين والمغرضين على حدٍ سواء أن المقاومة كذلك فرضت على العدو سابقاً واقعاً عسكرياً وقف الاحتلال عاجزاً أمامه عن الرد بسبب تقديرات وتوازنات خاصة بالعدو ترتكز إلى قوة وعنفوان واستعداد شعبنا ومقاومته للمواجهة.

ويكفي هنا أن نستحضر تقريراً سابقاً للقناة العاشرة العبرية ركزّت فيه على جرأة المقاومة في تدشين المواقع العسكرية على مقربة من السياج الفاصل، وتأثير ذلك على أمن المغتصبين واستقرارهم، والذين باتوا يشتكون من أصوات الرصاص والتفجيرات التي تحدثها عمليات التدريب بالقرب من بيوتهم في سابقة تاريخية للمقاومة الباسلة.

 مراسل القناة العاشرة العبرية “ألموغ بوكر” يعلّق في تقريره على تلك الحادثة بقوله: “إن مقاتلي حركة حماس يتعمدون القيام بتدريباتهم قريبا من الحدود في تحد واضح للجيش الإسرائيلي، منوها إلى أن هكذا مشاهد لم تكن قبل الحرب الأخيرة”

القناة العاشرة في تقريرها ذاك أشارت إلى أن الخوف يسيطر على سكان كيبوتس “نتيف هعسراه” الذين أعربوا عن فزعهم من قرب مقاتلي حماس من بيوتهم وكذلك تعمدهم القيام بتدريباتهم على مرأى ومسمع من الجيش دون حراك، وتحدث أحد مستوطني الكيبوتس “إيتاي ليفي” قائلا: “هذا مخيف، من المخيف أن ترى اقتراب أعدائك منك إلى هذا الحد وهم يتدربون يوميا، فأصوات التدريبات وتواجدهم القريب مخيف”.

ولكي نفهم جيداً أن المعركة بيننا وبين عدونا هي معركة عقول وصراع أدمغة تعتمد على حساباتٍ مدروسة وتوازناتٍ دقيقة، وليست كما يعتقد البعض أنها معركة هوجاء يختلط فيها الحابل بالنابل دون اعمالٍ للعقل من خلال الوقوف على الفرص والتحديات المتعلقة بأي عمل عسكري؛ إليكم تعليق قيادة جيش الاحتلال على هذه القضية حيث نقل المراسل” بوكر” عن مصدر عسكري قوله: “إن الجيش سيعرف كيف سيتصرف مع هذا الموقع إذا اضطر لذلك”.

تخيلوا.. الجيش الأقوى في الشرق الأوسط يتريث في الرد على تدشين موقع عسكري كامل بالقرب من بيوت المغتصبين جعل من حياة المغتصبين جحيماً، وبعض المغرضين والسذج أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بسبب مجرد اقتراب زورق صهيوني من بشكل غير معهود في بحر غزة.

وبالعودة إلى تقرير القناة العاشرة، فإن جيش الاحتلال تابع عن كثب تلك التدريبات -حسب القناة- وتم إبلاغ قائد هيئة الأركان “إيزنكوت” بما يحدث، وفي الآونة الأخيرة قام بزيارة المستوطنة وشاهد بنفسه ماذا تفعل حماس؟

أخيراً وبعد استعراض هذه الواقعة التي فرضت فيها المقاومة أمراً واقعاً وما تزال تفرضه على العدو؛ ندرك جيداً أننا ننتمي لمقاومة واعية وقيادة راشدة أثبتت التجارب حكمتها وحنكتها وقدرتها على إدارة الصراع مع العدو، بما يحفظ كرامة شعبنا ويضمن عنفوان مقاومتنا حتى يقضي الله أمره بتحرير بلادنا وتطهير قدسنا من الغزاة والمحتلين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق