تربويةشرعي

نظــرة في الأخلاق والسلوك والتصرف

قال الله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [32: النجم]

إذا كان علم الأخلاق يُعرّف بأنه: حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية، من هذا التعريف يتبين أن الخُلق في حقيقته وذاته حالة باطنية، أو أنه أمر داخلي تشتمل عليه النفس، وصفة تقوم بها فتطبعها بطابع معين، يميل بها إما إلى فعل الخير وإما إلى فعل الشر

إلا أن أفعال الإنسان الظاهرة تختلف كل الاختلاف عن هذا الأمر الباطني، فالخُلق في مفهومه وماهيته شيء، والفعل الذي من شأنه أن يصدر عنه ويكون مظهراً له شيء آخر هذه الأعمال الظاهرة هي التي يطلق عليها علماء الأخلاق اسم (السلوك).

وهي لا تسمى سلوكاً إلا إذا كانت صادرة عن إرادة، أما إذا صدرت عن المرء من غير إرادة لها أو تفكير فيها فإنها حينئذ لا تسمى سلوكاً، وإنما تكون (تصرفاً)، تدفع إليها الغرائز التي يشترك فيها الإنسان والحيوان على السواء. والفرق بين السلوك والأخلاق يتضح بأنّ السلوك هو ما ظهر للناس من العمل، بينما الأخلاق هي ما وقر في القلب واطلع عليه الرب. (فقد أُظِهر للناس حُسن السلوك ولكني مع ذلك سيء الأخلاق!)

ومن المعلوم في علم النفس أن كل سلوك منبثق من قیمة تدفع إليه، فالقیم هي الدوافع المحركة والمنظمة للسلوك، والقیم لا یقصد بها فقط القیم الشریفة ولا السامية، بل قد تكون القیم الدافعة للسلوك قیما متدنية جداً وقد لا تتجاوز الماديات المجردة، كالذي یحرك سلوكه في الحیاة حُب المال، فالمال هو قیمته التي تتحكم في كل سلوكياته.

بمعنى آخر نستطيع القول في نقاط محددة:

  1. الخُلق: شيء باطني داخلي من مكونات النفس البشرية، وصفة يميل بها الإنسان إلى فعل الخير أو الشر.
  2. السلوك: شيء ظاهري ولا يُسمى سلوكاً إلا إذا كانت صادرة عن إرادة نحو غاية معينة مقصودة بذاتها.
  3. التصرف: شيء ظاهري صادر دون إرادة تدفع به الغرائز المشتركة مع الحيوانات.

ولهذا اصطلح علماء الأخلاق على استعمال كلمة السلوك في الدلالة على الأعمال الظاهرة للإنسان، كما اصطلحوا على استعمال كلمة الخُلق في الدلالة على أعماله الباطنة، ووضعوا للأول تعريفاً يتفق وإنسانيته فقالوا:

إن السلوك هو أعمال الإنسان الإرادية المتجهة نحو غاية معينة مقصودة، فالعلاقة بين السلوك والخُلق إذا هي علاقة الدال بالمدلول أو الأثر بالمؤثر.

غير أن الخلق لا ينفرد بالتأثير في سلوك الإنسان، وإنما هناك عوامل وظروف يتوقف عليها تكييف الصلة بينهما، وفاعلية الأول في الثاني.

فليس من الضروري إذن أنه كلما وجد لدى إنسان خلق السخاء أن يسخو فعلاً، أو كلما اشتملت نفسه على خلق العدل أن يعدل فعلاً، أو على خلق الشجاعة أن يكون شجاعاً فعلاً، بل قد يتخلف ذلك لضيق ذات اليد مثلاً، أو لعجز عن تحقيق العدل بين الناس، أو لمرض يُـلم به يقعده عن ممارسة فعل النجدة والشجاعة … وهكذا

وقد يزور المرء مثلاً معسكرات اللاجئين، أو يرى المشوهين ممن خلفهم الاعتداءات في الحروب، فيرق قلبه وتستثار رحمته، وتوقظ بواعث الخير في نفسه، فيخصص لهم من ماله الخاص تبرعاً شهرياً، حتى إذا تقادم به العهد، فنسى شيئاً فشيئاً ما رأى من هول المصاب وشدة العذاب ووقع الكارثة التي حلت بهؤلاء المشردين، أخذ حماسه يفتر، ورحمته تقلّ، وشفقته تخبو، فيقبض يده عن البذل لهم، وتختفي العوامل والبواعث التي كانت تدفعه للتضحية من أجلهم، والسلوك نحوهم مسلكاً معيناً

يرتكز السلوك المثالي على مبدأ الإعطاء. عندما يجتمع شخصان بنية الأخذ، سينتظر كلاهما ليأخذا — فلن يعطي أي أحد منهما ولن يأخذ أي أحد، لكي نعطي، يجب علينا أن نمتلك ما نعطيه. يمكن للفرد أن يعطي فقط مما يملك. يشعّ الفرد بما هو فيه، تماماً كما يشع المصباح المضاء بالكامل نوره الأقصى. وعلى هذا الأساس يزدهر السلوك البشري الاجتماعي الإيجابي.

السلوك هو التعبير عن النوعية الداخلية للحياة وهو تبادلي فكما تزرع تحصد، والتصرّف طريقة لا إرادية قد تكون أحياناً شاذة عما اعتدناه من أخلاق الشخص وسلوكه فقد يرتكب جريمة سرقة أو قتل أو إيذاء ما دفعته به غرائزه في لحظة غضب ما فهنا يشترك مع الحيوان في تغييب الأخلاق دون إرادة منه أو قصد بعكس السلوك الذي تحكمه الإرادة والغاية المقصودة فالقاتل سلوكاً غير القاتل تصرفاً فالأول قصد بفعله وخطط ونفذ وأصبح سلوكه القتل والثاني تصرف لا إرادياً دون قصد.

وفي الإسلام ما یؤید هذه النظرة التحليلية في إرجاع السلوك الشخصي الظاهر إلى القیم الداخلية، ولیس أدل على هذا من حديث عائشة رضي لله عنها: (إنما نزل أول ما نزل منه (أي القرآن) سورة من المفصل، فیها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام.

ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر؛ لقالوا: لا ندع الخمر أبدا.. ولو نزل: لا تزنوا؛ لقالوا: لا ندع الزنا أبدا.. فهي توضح كیف أن الإسلام لم یتطرق للجانب السلوكي للصحابة حتى رسخ في قلوبهم قیمة طلب الجنة وقیمة الخوف من النار فبعدها كان من السهل عليهم ترك المحرمات بناء على هذه القیم الراسخة.

ولذلك فالإيمان في الإسلام لیس مجرد اعتقاد بل هو اعتقاد وقول وعمل، فالعمل أصبح ركنا في الإيمان بالرغم أن الإيمان محله القلب لأن هذا الإيمان ببساطة إذا لم ینبثق عنه عمل أو سلوك فمعناه أنه لم یتحول إلى قیمة في القلب لأن القیم یجب أن ینتج عنها سلوكاً ظاهراً، والإيمان الذي لم یتحول إلى قیمة في القلب هو إيمان لا ینفع صاحبه یوم القیامة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. كلام جميل جدا و بليغ. بوركت و بورك جهدك أستاذنا الفاضل.
    لطالما كنت مبدعا في انتقاءك للموضوع و مقنعا في تسلسله و طرحه.
    جزاك الله كل خير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق