من الذاكرة

“سلمة”.. في الطريق إلى يافا


في الطريق إلى يافا سألنا سائق الحافلة هل بالإمكان المرور من قرية سلمة المهجرة؟!.. أومأ برأسه موافقًا، متبعًا موافقته بسؤال هل أنتم من سلمة؟.. نعم تلك زوجتي هُجّرت عائلة والدها من هناك.
انطلقت حافلتنا من الطيبة مرورًا بشوارع “تل أبيب” وسط فلسطين المحتلة عام 48، وقد بدأ شريط الذكريات بالعودة إلى الطفولة، حيث أحاديث الجدة وقصصها عن سلمة وبيارات البرتقال التي أكسبت القرية شهرة واسعة.. أسوة بالأجيال التي عايشت النكبة وهُجرت من أرضها وحافظت على نقل الرسالة وتداول الذكريات كي لا تُنسى بلاد ارتكب بحقها أفظع جريمة على الإطلاق بـ “مؤامرة” ومباركة دولية..


قطع شريط الذكريات صدمة قول سائق الحافلة “هذه سلمة!”..

بذهول اعتلاه ألم سألنا “هل هذا ما بقي منها؟!”.. قليل من البيوت العربية القديمة التي حافظت على أصالة المكان وتاريخه الفلسطيني العربي..


حوّل الاحتلال سلمة إلى “شارع شالما”؛ وهو الاسم العبري لقرية سلمة الفلسطينية المُهجرة، وجعل منه مكانًا لمحال بيع وحياكة فساتين الفرح، فرح أراد به إخفاء معالم جريمة تهويد المكان ومحوه من الخارطة.. مرورًا بأملاك وقفية قد بيعت بملايين الدولارات وهرب “السمسار الخائن” لخارج فلسطين بجريمته تاركًا خلفه أماكن دينية حُولت لفنادق وبيوت ومحال تجارية.. وصولًا إلى دوار الساعة في يافا المحتلة وسجن من التاريخ هُوّد لـ “فندق” وأغلق؛ رُبما لإخفاء الجرم الصهيوني بحق التاريخ العربي هناك.. حتى وصلت الحافلة قرب بحر يافا، وقد سحرنا جماله.. تجلس على الشاطئ ممعنًا النظر في مياه بحر حرمت منه بسبب الاحتلال ومن خلفك مبانٍ وعمارات سكنية تحمل نظرة حضارية مزيفة في شكلها، ولكن مضمونها وجوهرها تهويد وسرقة تاريخ ومحو حضارة أصيلة..


بحر يافا الجميل بكل ما حمل من مشاعر علتها ضحكات وفرحة أطفالنا وهم يلهون على شاطئه لم يُنسينا جريمة التهويد وسرقة التاريخ التي مررنا بها واقعًا وتركناها خلفنا في سلمة وأطراف يافا.. مسجد البحر فوق شاطئ بحر يافا، والذي بُني عام 1914 ظل شاهدًا على عروبة وإسلامية المدينة وقريب منه كذلك مرفأ يافا الذي يتعرض لعمليات هدم وترميم بداعي الحضارة وقبلهما مسجد يافا الكبير ذو الأقواس والبناء العربي القديم.
فرحة وصولك للداخل المحتل ستسرقها بعد لحظات قليلة ذكريات روتها جدتك على مسامعك كثيرًا قبل أن ترحل وهي توصينا جميعًا بالحفاظ على مفتاح بيتها هناك.


في الطريق إلى يافا بقيت سلمة واقفة شاهدة على جريمة التطهير العرقي والاحتلال الإحلالي، بعد أن استبدلت بياراتها بعمارات وأبراج تجارية لخدمة مصالح وأهداف تهويدية صهيونية بدأت قبل 72 عامًا وما زالت مستمرة.. وفي سلمة ثبات عربي تحت وطأة سياسة تضييق الخناق عبر منع ترميم المنازل والمحال العربية؛ بهدف البيع الحرام والرحيل القسري.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق