إشراقات سياسية

الزيارات إلى الداخل من منظور صهيوني

كان لافتًا للنظر تساهل الاحتلال مع الذين يدخلون من الضفة إلى فلسطين المحتلة عام 1948م عبر الفتحات في سياج جدار الفصل العنصري، وأشهرها فتحتي فرعون في طولكرم والمدية في رام الله.

لم يقتصر التساهل على تغاضي جنود الاحتلال عن عبور عشرات الآف، بل أيضًا تغاضي شرطة الاحتلال عن تجول عشرات آلاف الفلسطينيين في يافا وحيفا وعكا وصولًا إلى القدس، مما يوحي بأن هنالك سياسة عليا لتسهيل دخولهم.

في العادة كانت سلطات الاحتلال تصدر تصاريح زيارة في فترة الأعياد، إلا أنه مع وقف التنسيق وتفشي كورونا فقد توقف إصدارها، والسؤال لماذا التغاضي عن اختراق الجدار الذي بني في الأصل ليمنع دخول فلسطينيي الضفة؟

لا يوجد أي توضيح رسمي صهيوني أما الصحافة الصهيونية فتناولت الأمر بشكل عابر، ومن ذلك تقرير (قبل يومين) لموقع 0404 المقرب من الجيش واليمين المتطرف نقل من خلاله تذمر المستوطنين في المناطق التي يمر عبرها الفلسطينيون من ما أسموه “فقدان الأمن”.

لماذا غض النظر؟

سنحاول قراءة موقف سلطات الاحتلال من هذه الزيارات، وسبب تغاضيها عنها، من خلال قراءة العقلية التي تحركها.

القرارات الأمنية الخاصة بالضفة وغزة يتشارك فيها: الجيش (وذراعه الاستخباري – أمان)، والشاباك، والمستوى السياسي (الحكومة والأحزاب).

يتبنى جيش الاحتلال سياسة العصا والجزرة في التعامل مع الفلسطينيين، فيميل لتشديد العقوبات كلما ازدادت المقاومة وإلى تخفيفها كلما تراجعت، كجزء من عملية تدجين الشعب وإعادة صياغة عقليته وفق سياسة “بدنا نعيش”، فالذهاب في “رحل سياحية” إلى الداخل المحتل جزء من هذه السياسة.

وهنالك الخلاف الشهير بين شارون ورئيس الأركان يعلون (عام 2005م) حين اعترض قائد الجيش على الانسحاب من غزة، لأنه كان انسحابًا “تحت النار” واعتبره مكافأة لما يسمونه “الإرهاب”، وأدى هذا الخلاف إلى عزل يعلون والمضي قدمًا في الانسحاب.

المتابع لممارسات الجيش وتصريحات قادته يلمس هذه السياسة؛ تلقى الحجارة من احدى القرى فتغلق مداخلها ثم يعاد فتحها بعد فترة مع التهديد بإعادة إغلاقها إن تكرر إلقاء الحجارة. يتبنى جهاز الشاباك سياسة شبيهة إلا أنه أكثر حذرًا من ناحية خوفه من تسلل مقاومين عبر هذه الحشود، فالجهاز يخشى أن يتحمل مسؤولية حصول أي عملية بسبب ذلك، بينما الجيش يميل أكثر للمخاطرة لأن اللوم لن يقع عليه.

أما المستوى السياسي الحاكم فتحكمه مزايدات اليمين المتطرف الذي يرفض إعطاء أي تسهيلات للفلسطينيين، ويعتبرهم كلهم “إرهابيين” بمن فيهم محمود عباس، وقد رأينا كيف رفض المستوى السياسي قرار الشاباك والجيش بتسليم الجثامين الشهداء وفرض عليهم احتجازها بعد عمليات 2015م.

فكان رأي الجيش والشاباك أن احتجاز الجثامين لا يردع المقاومين بل يؤجج الغضب الفلسطيني، إلا أن المزايدات الداخلية في حكومة الاحتلال كان لها رأي آخر.

المستوى السياسي لن يقبل في الوضع الطبيعي أي تسهيلات للفلسطينيين، إلا أنه منشغل حاليًا في الصراعات على الحكومة وأزمة كورونا والتصعيد في لبنان وغزة، ويعتبر أن قضية الدخول عبر الفتحات هي أمر هامشي يعالجه المستوى التنفيذي (أي الجيش والشاباك)، إلا أنه في حال وصل الأمر للإعلام والرأي العام سيكون هنالك كلام آخر.

إذًا يلعب الجهاز الأمني الصهيوني على وتر تقديم ميزات للفلسطينيين، حتى يساومهم عليها خاصة أن خطة الضم قادمة وقد تخرج احتجاجات ومظاهرات وربما عمليات، فيريد أن يقول لهم إما العمليات وإما زيارة شاطئ البحر.

كما يلعب أيضًا على وتر أن السلطة تضيق الخناق عليكم: تغلق المنشآت السياحية والمدن والاقتصاد منهار، ونحن نقدم لكم السياحة والترفيه وفرص العمل، في محاولة لخلق قناعة عند الناس بالمطالبة بعودة الاحتلال المباشر.

البعد الاقتصادي موجود لكن بشكل غير مباشر، فالقدرة الشرائية للفلسطينيين ضعيفة ولن تساهم كثيرًا في إنعاش قطاع السياحة الصهيوني، إلا أن ما يحرص عليه الاحتلال هو أن نبقى معتمدين عليه في كل نواحي حياتنا: الأكل والشراب والملابس والأجهزة الكهربائية والآن السياحة، فالاقتصاد هو سلاح للتحكم بنا ولإبقائنا سوقًا رخيصة للأيدي العاملة التي تبني الاقتصاد الصهيوني.

وربما من أهداف الجيش أيضًا الحصول على ميزانيات إضافية، حيث توجد عشرات الفتحات في الجدار الفاصل وبحاجة لملايين الدولارات لإصلاحها وصيانتها، فإن قام المستوى السياسي بسؤال الجيش عن أسباب “التسيب” على الحدود فسيكون الجواب: “نحتاج ميزانيات خاصة لإصلاح الجدار الفاصل”.

كيف نواجه مخطط الاحتلال؟ بالتأكيد لا نواجه مخطط الاحتلال بالامتناع عن التوجه للداخل المحتل، فالمطلوب هو انتشار التواجد الفلسطيني على أوسع نطاق ممكن فلا يعقل أن نقول هذه ارضنا ثم نمتنع عن الوصول إليها.

حتى لا نقع في الفخ يجب العمل على مسارين:

الأول: تبني السياحة الوطنية؛ أي نذهب للداخل بنية تعزيز ارتباطنا الوطني وليس “رحلة استجمام لدى جيراننا الإسرائيليين”، وذلك من خلال تشجيع زيارة الأقصى والقرى المهجرة، وتشجيع ثقافة عدم الشراء أو التعامل مع المستوطنين ودعم فلسطينيي الداخل اقتصاديًا ومعنويًا. الكثيرون قاموا بذلك خلال الأيام الماضية لكن هنالك قطاعات واسعة أخرى تحتاج لتوعية وتوجيه.

الثاني: معالجة أصل الخلل، وهو تراجع المقاومة في الضفة الغربية إلى أسوأ مستوياتها منذ عام 2014م (حرق الطفل محمد أبو خضير وحرب غزة) وذلك إثر إجراءات كورونا والأزمات الاقتصادية المتتالية. استمرار غياب المقاومة (بشقيها الشعبي والمسلح) عن ساحة الضفة الغربية له آثار مدمرة، وسيساعد الاحتلال على تدجين الشعب الفلسطيني وإعادة برمجة وعيه (لا سمح الله).

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق