اجتماعية

النسيج الاجتماعي في فلسطين بين فرضية الغائب والحاضر؟

تميزت العلاقات الاجتماعية الفلسطينية ومنذ فترات متاخرة بمتانة اواصرها وعراقة نشأتها وأصالة حضورها  وتقارب اصحابها بعضهم من بعض، فلم يعرفوا معاني الكره أو البغض ولم يُسجل عليهم اي مظهر من  مظاهر الإقتتال؛ إذ استبدلوا الكراهية والحسد بالمحبة والوئام  فالكل سواسية لا تفاضل بينهم الا بالخلق والتقوى،  متفقون على بناء نموذج اجتماعي رائد قائم على المساواة والمحبة والعطاء، معرضين عن معاني الكراهية السمراء والظنون السيئة، والنار المحرقة مابين القيل والقال.

إن من اهم ما دفعني الى كتابة هذا المقال هو ما تشهده العلاقات الاجتماعية الفلسطينية اليوم من تردي ملحوظ وتفكك لافت،  فلم تعد كما اسلفت متراصة بالمودة مترابطة بالمود، وهذا الحال ليس حكرا على  فلسطين وحدها بل اصبحت سمة عامة  في جل المجتمعات العربية وما تسيرً عليه من نماذج سيئة مهلكة تشرف أن تأكل الأخضر والبابس.

اما الاسباب التي أدت الى تلك المهالك فهي كثيرة جدا تعد ولا تحصى يضيق بي المقال لايرادها كلها لكن وان كان لا بد من ذكر بعضها اذكر منها ما يتعلق بالغيرة والحقد والكراهية وغياب فلسفة الإخلاق بين أبناء المجتمع الواحد بل إنعدامها في غالبية الإحيان نتيجة لغياب الدور الأسري التوعوي الذي من شأنه أن يكون حاضراً وبقوة في كافة الميادين، فعندما تغيب الأسرة يغيب معها الأمن والإستقرار والحبُ والإطمئنان والسكينية  وما يترتب على ذلك من انهيار وشيك وجلي لمنطومة العلاقات الإسرية وتبعاتها السلبية على أبنائنا وبناتنا، فالإنفتاح  على العولمة والإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي مع غياب آدنى درجات المتابعة، قد أحدث خرابًا وعاث فسادًا وعمل على تفكيك منظومة العلاقات الإجتماعية؛  فخلف هذه الشاشة الصغيرة تجرى أحداث كثيرة وقصص غريبة تقوم على الخداع والتجريح والتشهير  لا تراعي  أدنى  أدنى  مشاعر العلاقات الإنسانية وذلك تحت شعار الحب النقي إذ لا حب نقي خلف هذه الشاشات سوى الوهم والكذب وبيع صكوك حب فاشلة مصيرها الضياع والفشل.

أما في الحديث عن الاسباب السياسية فيقف في مقدمتها  الإنقسام الفلسطيني وما ترتب على ذلك من إنفصال شطري الوطن وما حاكا بينهما من تعميق للفصل أصبحت منظومة العلاقات في حالةٍ من البؤس و القطيعة التامة بين الأخوة الفلسطينين داخل البيت الواحد نتج عنها في غالبية الإحيان إنفصال تام لمنظومة العلاقات الإجتماعية الإسرية التي لم تعرف في سابق عهدها الإ المحبة والوئام، جاء الإنقسام الأسود ليفسد ودّ العلاقات ويعمق حدة الخلافات بين أبناء الوطن الواحد في ظل غياب معاني الوحدة الإجتماعية السامية والرامية إلى ترميمها حتى لو شكلياً في إعادة هيكلتها على أسس تعيد صياغة وحياكة معاني الوئام بين الإبناء  في ظل مخطط صهيوني يستهدف الكل الفلسطيني دون مراعاة لطيف على حساب طيف.

ومن الاسباب التي تقف مع الإسباب السياسية والإجتماعية هناك سبب لا يقل أثرا في ذلك  وهو السبب الإقتصادي الكاذب، إعتدنا في السنوات الإخيرة على المباهاة التامة والفشخرة اللإمتناهية تحت شعار التقليد الكذابّ والخداع والوهم، لقد أوهمنا أنفسنا كفلسطينين بأننا كأي شعوب العالم الأخرى يجب أن ننعم بالراحة حتى لو كان على حساب القروض البنكية اللامتناهية والتي أخذت في السنوات الماضية وحتى هذه اللحظات وتيرة متسارعة ترتب عليها خراب للبيوت وطلاق بعض الازواج لإنهم لم يعتادوا ولم يألفوا المظاهر الخادعة الكاذبة الغير متكافئة والتي أورثتنا حالة من الفساد الإقتصادي وسببت لنا كفلسطينين الشعور بالعزلة والفراغ النفسي نتيجة قوالب نمطية تم إستيرادها من الجيران والمعارف دون الحسبان بنتائجها العكسية وآثارها المدمرة على  الإسرة والمجتمع على حد سواء.

إن تناولي جانباً لبعض هذه الإسباب فقط يضعني أمام تساؤل رئيس هل نمتلك الشجاعةً الكافية والخطط الإصلاحية الجماعية المشتركة لإعادة ترميم منظمومة علاقتنا المتهالكة بدلاً من السير نحو طريق مظلم ومجهول بدأت بعض معالمه تظهر جلياً من خلال حوادث القتل المتكررة والتي كانت ولا زالت دخيلة على مجتمعنا وشارعنا الفلسطيني إذ لم نكن نألفها من قبل ، هذا إلى جانب تفسخ منظومة العلاقات الإجتماعية بين الإخوة داخل العائلة الواحدة تحت مبدأ تقاسم الأرث وما تبعه من خلافات عائلية إنتهت بقطيعة بينهم كان  كل ذلك سببه عوامل الجشع والطمع وإنعدام الإنسانية بينهم .

ما يجب فعله  الإن أو على المدى البعيد هو تبني رؤية أكثر واقعية وعمقاً لحل مشاكلنا بدلاً من الوقوف على حافة الماضي والندب على شريط ذكريات الخيبة وما أحدثتها من تصدع في العلاقات الإجتماعية الإسرية الفلسطينية، وهذا لن يتم إلا بتكاتف الكل الفلسطيني بدءً من مؤسساته الإسرية وإنتهاءً بمؤسساته الرسمية التي يحب أن تأخذ على عاتقها مسؤوليةحماية النسيج الإجتماعي من خلال البرامج التوعوية، وتسليط الضوء على ذلك عبر وسائل الإعلام  والتعبير عنها بشكل حر وجرئ بدلاً من التعبير عنها بشكل خجول حتى لا تتمادى ويتحول المجتمع الفلسطيني من مجتمع يتبنى القيم والتقاليد الحسنة إلى مجتمع عجوز في قيمه يستند إلى سلطة الثأر وأخذ الحقوق باليد عندها يصبح مصيرنا مجهول الهوية ومظلم تسوده معالم الصراع سواء الظاهر منها أو الخفي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق