اجتماعيةعلمي

وكأن الكورونا وصمة عار

. مريض يعاني من ضيق في التنفس، يكابد المرض في صمت، ويرفض التوجه إلى الفحص ومن ثم المشافي، فهو غير قادر على تحمل التبعات النفسية لتشخيص الكورونا.

. مئات المرضى يتلقون ما يسمي بإبر علاج الكورونا، والتي لا تمت لبرتوكلات العلاج المتفق عليها عالمياً بشيء، ويدفعون ثمن هذا العلاج من جيوبهم وبالغد سوف يدفعون ثمن هذاالعلاج من صحة الكليتين، وكل هذا هرباً من وصمة عار وهمية خلقها بعض فئات المجتمع وباتت تلاحق مرضى الكورونا.

.مريض يندم على أنه قام بفعل ما يجب فعله، حينما قام أجرى الفحص وأبلغ الجميع بمرضه، والآن ضُيّق عليه في رزقه، فهو سائق تكسي ويخاف البعض من الركوب بسيارته رغم أنه قد تعافي!


كل هذا وأكثر جنيناه من التنمر! كل هذا وأكثر سنبقى نجنيه ولو استمر الأمر كذلك سندفع ثمن تبعاته من صحتنا ومن أرواح من حولنا.

وعملاً بقول حبيبنا المصطفى عليه الصلاة والسلام من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
فها أنا اليوم أكتب لكم ما أود تغييره بلساني قلمي لعلي بهذا أحدُ من هذه الظاهرة التي تزيد من حدة المشكلة التي خلقتها هذه الجائحة في المجتمع الفلسطيني.

لأتحدث بتفصيل أكثر عن التنمر، وأثره على المرضى ومن واقع التجربة الفلسطينية، كان لي حديث مع معلمتي ومرشدتي الأستاذة هيام قزاز أبو عجمية، رئيس قسم الإرشاد، ومنسق فريق الدعم النفسي في إقليم جنوب الخليل.

-أستاذة هيام، التنمر، مصطلح قد لا يعرفه الجميع، حتى أن بعض من يقترفه لا يصنفه كتنمر، فما هو تعريف التنمر بشكل عام؟

يمكننا تعريف التنمر على أنه نوعٌ من أنواع الإساءة والإيذاء الذي ممكن أن يوجه إلى فرد أو جماعة.

– برأيك ما هي الأسباب والدوافع التي تدفع بعض فئات المجتمع للتنمر على مريض الكورونا، وهل الأمر مرض نفسي أم عارض اجتماعي متأصل وهل له علاقة بالتربية او التدين؟


برأيي أن التنمر على مصابي الكورونا، هو وسيلة لدى البعض للتفريغ عما بداخلهم من خوف وقلق وعنف.
حيث أن الشعور بالتهديد للحياة والخوف من المجهول والإصابة يولد عند الإنسان توتر وضغط، وبالتالي ينشأ عنده عدوانية، فتصب هذه الفئة عدوانيتها على المصابين وذلك بالاساءة لهم وتحميلهم المسؤلية الكاملة للإصابات والسخط عليهم ونبذهم.

أما التنمر بشكل عام فله الكثير من الدوافع لعلي أذكر لكم بعضها، من مبدأ أن معرفة السبب جزء من حل المشكلة وفهمها.

• الشعور بالإحباط نتيجة الاستسلام لما يحدث وعدم القدرة على مواجهة أو تغيير ما يحدث يولد لدى فئة من الناس إحساس بالقهر والظلم مما يدفعهم أيضاً للاساءة والتنمر على غيرهم فنحن لا نستطيع الوقوف في وجه المرض انما نستطيع ان نهاجم ما نعتقد انه سينشر المرض
• عدم الشعور بالأمان يربك الشخص ويضعف نظرته لذاته وهذا يبعده عن الشعور بالانتماء للجماعة التي يعيش معها مما يؤدي به الى التهجم عليهم .
• الأفكار الخاطئة التي يحملها البعض والتي يعتقد بأنه يصبح قوياً وله نفوذ إذا هاجم الآخرين واستقوى عليهم، ويصبح هنا محط انظار الاخرين ويحصد الاعجابات والتعليقات والفكاهة وهنا في ظل الجائحة وجد لنفسه مكانا ليظهر نفسه على مجموعة أصبحت محط انتقاد الاخرين.
• هناك من هو حاقد ولديه رغبة بالانتقام من أي شخص بسبب إشكاليات كثيرة تعرض لها اما في الصغر او في فترات قريبة .لهذا نجده يوجه حقده على المصابين وأنهم يستحقون ما حصل لهم وأنهم يستحقون الانتقاد من الجميع
• هناك من يريد كسب الاخرين والتأثير عليهم باضحاكهم وتسليتهم فيلجا للسخرية على غيره

خلاصك القول فإن للتنمر أسباب ترتبط بتنشئة الشخص وطفولته والظروف المحيطة به وترتبط أيضا بثقته بذاته وبطريقته في إبراز نفسه والشعور بالقوة، علاوةً على ذلك فإن عدم وجود قانون يردع الناس المسيئة، يجعل الأمر في تزايد.

– هل يمكننا القول أن قوائم الصحة أدت الى زيادة التنمر ضد مصابي كورونا ؟
نشر القوائم بحد ذاته لم يكن سبباً في زيادة التنمر، على العكس فإنه من المهم نشر القوائم حتى يستطيع الناس حصر المخالطين. ولكن الوعي المجتمعي والطريقة التي يتعاطى بها البعض مع هذا المرض جعلت من القوائم سبباً. ولو أن لدى الجميع الوعي بحقيقة المريض، لاعتبروا الإصابة به أمر طبيعي وحدوثه وارد في ظل هذا الانتشار لوباء كورونا في المنطقة.


. هل لعبت وسائل التواصل الإجتماعي دوراً في تفاقم ظاهرة التنمر؟
وسائل التواصل الإجتماعي منحت المتنمرين فرصة عظيمة لإخراج أفكارهم إلى حيز الوجود. وسائل التواصل الإجتماعي مستوى التنمر فيها يفوق الواقع، لإنها تسمح لكل شخص بالتعبير عما يريد بطلاقة وبلا حدود وبتجرد كبير من الإنسانية.

– في ظل غياب قانون يردع المسيئين، هل بإمكاننا نحن كأفراد في المجتمع أو كمؤثرين أو كأطباء أو وعاظ في المساجد المساهمة في الحد من هذا السلوك؟
– بالتأكيد هناك ما يمكننا فعله كأفراد للمساهمة في التخفيف من هذا السلوك، عن طريق عدم التعاطي مع المنشورات التي تستهدف السخرية أو مهاجمة المصابين ومقاطعتها وعدم التعليق عليها، بهذه الطريقة يتراجع المتنمر، لأنه لن يجد فرصته في الشهرة او الانتقام او لأي سبب كان . ممكن أيضاً تكثيف البوستات التي تستهدف مخاطبة الحس الإنساني لدى الجميع وإيصال الصورة القبيحة المؤدية لهؤلاء المتنمرين وبالتالي قد يتراجع المتنمر عن سلوكه.
كذلك المساجد لها دور هام في مخاطبة الحس الديني لدى الجميع من خلال عرض رأي الدين في المتنمرين ونبده لهم.
أما الكوادر الطبية تستطيع التقليل من هذا السلوك عن طريق نشر المعرفة والحقائق العلمية حول المرض وطرق الإصابة والعدوى لتوضيح الصورة أكثر، وبذلك تنفي ما يتم طرحه من قبل المتنمرين.

– كمرشدة ومنسقة لفريق الدعم النفسي لمرضى كورونا في إقليم جنوب الخليل، بالتأكيد استمعتي من المصابين لمواقف تنمر مروا بها واحتاجوا دعمكم النفسي ليجتازوها، هل يمكن أن تذكري لنا بعضاً من هذه المواقف؟

• من ضمن المواقف مثلاً، عائلة كانت بحاجة لمواد طارئة وضرورية للبيت، تواصلوا مع أكثر من طرف من محيطهم وقوبلوا بالرفض الشديد لمجرد الاستماع لما يريدون.
• فتاة شعرت بالقهر الشديد من صديقاتها، اللواتي تحدثن إليها وأخبرنها أنها لن تعود معهن كالسابق، خوفاً منها، هذا الموقف خلق بداخلها حزن وغضب وقهر، فساء وضعها النفسي وأصبح من الصعب عليها تقبل المرض الذي أصابها.
• طفل آخر من عائلة مصابة توجه لشراء حلويات له من سوبرماركت وبمجرد دخوله ضج الجميع وهاجموه بالصراخ ، كم أخافه هذا الموقف والذي لن ينساه، وكم خلق حقد لديه ولدى أهله على الجميع.

هل من كلمة ونصيحة توجهينها لضحايا التنمر، تساعدهم في تخطي هذا الأمر؟

أقول لهم أنتم أقوياء، لم يكن الذنب ذنبكم بالإصابة ،جميعنا عرضة للإصابة، أنت لست وحدك.
وأنصحهم بإهمال جميع الإساءات، وعدم الرد عليها أو الإكتراث لها والتفكير بأنها تمثل صاحبها فقط والذي يعبر عن عدم اتزان في شخصيته وسلوكه.

استغلوا فترة الحجر والمكوث بالبيت، وانشروا واكتبوا وعبروا عما تشعرون به أو ترغبون في مشاركته مع الأخرين، ولا تنسى أن تبتعد عن التنمر لكي لا تكون نسخة عنهم.
تعرفوا خلال هذا الوقت على شخصياتكم أكثر، اكتشفوا ما يميزكم وما لديكم من مهارات وأمور لم تكن معروفة لكم وعززوها وقووها، ستكتشفوا دوماً أن لديكم ما يميزكم عن الجميع.



– في نهاية الحوار أود أن أغتنم الحديث معك، وأعرج على سؤال أخر بعيداً عن التنمر، ما هي الأبعاد النفسية لهذه الجائحة و علينا بشكل عام وعلى المرضى على وجه الخصوص؟
– بشكل عام خلقت هذه الظروف لدى الجميع معاناة لم نشهد لها مثيل، فهي بعد جسدي ونفسي واجتماعي عن كل ما نحب وما نريد .عن كل ما كان يشكل لنا مصدر فرح وأمان، عن كل ما كان يُخرجنا من أصعب لحظات الحياة.
كنا إذا مرضنا أو تعرضنا لضغط نلجأ لشخص أو لمجموعة نتقرب منهم ونفرغ ما نكبت وما نعاني لهم ونجدهم عونا لنا، أما الآن و في ظل هذه الجائحة أصبحت النجاة هي في البعد الجسدي عن الآخرين، إنها مفارقة رهيبة عما اعتدنا الحصول عليه لنصل إلى السلام النفسي، أعلم أن تقبل الأمر مؤذي نفسياً لنا، رغم ذلك يمكننا فعله، لأن هذا الوقت سيمضي، وستعود يوماً ما حياتنا إلى سابق عهدها، وحتى ذلك الحين دعونا نكن عوناً لأنفسنا لمرضلنا لمجتمعنا، دعونا نقول ونفعل ما نقول: لا للتنمر على مرضى كورونا.

إلى هنا انتهى حديثي مع معلمتي ومرشدتي الأستاذة هيام قزاز أبو عجمية، وبدوري أود أن أذكرك أيها المتنمر، أنت سبب مباشر بتفشي الوباء في فلسطين، فالمواقف الصعبة التي وضعت بها المرضى، جعلت غيرهم يهربون من إجراء الفحص، أو من الإفصاح عن مرضهم حتى يتسنى للمخالطين أخذ الإجراءات اللازمة. مما زاد الطين بلة، وتفاقمت الإصابات وضاعت الخرائط الوبائية وجعلت منك عرضة للاصابة بالمرض ولربما للتنمر من شخص اخر ينتظر اصابتك.
تذكر أيضاً إن إفصاح المريض عن مرضه، وحجره لنفسه ولعائلته هي خدمة يقدمها المريض الذي لا ذنب له بمرضه، لك ولي وللمجتمع ككل من أجل كسر السلسلة المرضية لهذا الوباء، فمن الواجب علينا جميعاً مساندتهم فعلياً ومعنوياً، أكرر ما قالته أستاذتي، دعونا نصدح بها، فعلاً لا قولاً: لا للتنمر على مرضى كورونا. كونوا بخير، عدينة رسمي السويطي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق