إشراقات سياسية

• الربيع العربي، ونهضة التغيير!

اندلعت ثورات الربيع العربي في أواخر عام 2010 ومطلع عام 2011، جراء إحراق محمد بوعزيزي نفسه، ثم انتقلت الشرارة إلى دول أخرى، فتساقط حكام هذه الدول وانظمتها كما تتساقط أوراق الخريف، وكأنهم كانوا على موعد بالتساقط مع أول ورقة؛

فكانت البداية من عند زين العابدين، لتهب رياح التغيير بعد ذلك في أرض الكنانة، حيث أدت إلى سقوط نظام حسني مبارك، ثم تليها غضبات ليبيا حيث أردت القذافي قتيلاً، ومن ثم ثارت حناجر اليمانيين التي أجبرت علي عبد الله صالح على التنحي، إلى أن وصل لأهل الشام قبس من تلك الصيحات فالعرب منذ مائة عام خُمدت جذوة نضالهم، وأصبحوا تحت سطوة الدخلاء، غارقين في مستنقعات الطاعة، إذ لا حل ولا عقد إلا بأمرهم ومشورتهم، والشعوب في أبشع صورة حضارية شهدتها صفحات التاريخ منذ حقبة الحكم العثماني فولدت ثورات الربيع العربي كإعصار أخذ يقتلع أنظمةً بدت عقودًا عصيةً على الاقتلاع،

فلم يقتصر هذا على اقتلاع سلطاتٍ ومفاهيمَ سياسية فحسب، بل طال مفاهيماً ثقافيةً وقيمًا أخلاقيةً أيضاً كرّستها وتلاعبت بها سلطاتُ الطغيان، فأزالت أقنعة الخداع التي دامت عقوداً ، سواءً أقنعةَ الحكوماتِ أو الأحزابِ أو الجماعاتِ أو حتى الأشخاص، ومسحت الغشاوةَ عن قلوب الجيل الصاعد ليفرِّق بين العدو و الصديق الثوراتُ كانت نِتاج التغيرات التي شهدها العالمُ الإسلامي في تراجع المستوى المعيشي، وانعدامِ الحريات السياسية والإسلامية، وإفراطِ آلة القمعِ للأنظمة الاستبدادية ضد شعوبها،

فخرج جيل جديد قد رضع حلم الحرية، ودفعه ذلك لينزل إلى الساحات متحديًا أنظمة الطغيان، والدساتير التي كُتِبت بدمِ الشعوب المظلومة عملت الحكومات طيلة السنوات الماضية على محاربة كلَّ فردٍ يتجرأ على التمرد على السلطة، وإن كان فمصيره بيّنٌ واضح، إما القتل أو السجن أو يهرب للمنفى خوفًا من بطش اليد الحاقدة وليس الواقع السوريُّ عنا ببعيد، فهم عاشوا عقوداً من الزمن، ذاقوا فيها من عائلة الأسد وحزبهم البعثي الأمَرّين، فقد كبت على أفواههم، وحبس حرية آراءهم، وحارب أفكارهم ومعتقداتهم، فكانت الطائفة السُّنية تعيش أسوأ حالات الإضطهاد، بسبب التمييز العنصري الذي مارسه نظام الحكم

وما إن خرجوا بالهُتاف الأول حتى واجههم بأبشع صورة للإجرام، وأقبح سياسةٍ للقمع، وأوجع طريقة للتعذيب، فقتل مليون روح، وهجرَّ المُدن بأكملها، وملأ أقبية العنف بآلاف المعتقلين، وشرّد الملايين، منهم بالخيام وآخرون في المنفى، والمأساة لم تنتهِ بعد.. لن تستيقظ الشعوب وتنهض على فجر التغيير، وتعود لتاريخها العريق، ومجدها الدفين، قبل إسقاط الأنظمة الدكتاتورية، قبل أن تقوم قومة رجل واحد، يحاربون الإستبداد، ويخرجون المحتل الدخيل من بلدانهم، ويستبدلون كل أوجه الطغيان حينها فقط سنكون تلك الأمة المجيدة، وتعودُ أحلامُنا خَضراء جذعة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق