إشراقات سياسية

ما وراء الحشد العسكري الإسرائيلي في الشمال

توترت الأجواء الأمنية في الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة عقب سقوط أحد عناصر حزب الله اللبناني، وذلك على إثر القصف الإسرائيلي لإحدى النقاط العسكرية جنوب دمشق؛ وجاء هذا التوتر تحسّباً من ردة فعل وانتقام محتملة لحزب الله، ممّا أدى إلى أن اتخذ جيش الاحتلال احتياطات أمنية مشددّة، شملت الزجّ بحشود عسكرية قيل أنّها الأكبر بعد حرب لبنان عام2006م.

كثير من المراقبين يشككون بنوايا الخطوة الإسرائيلية وجديتها ويرون أنّ وراء هذا المشهد العسكري مشهد إعلامي له أهداف تتحقق داخل كواليس الأحزاب الإسرائيلية وارتدادات مؤثرة على الشارع الغاضب والمنتفض أمام منزل رئيس الوزراء.

ما يظهر من التحشيد العسكري في شمال فلسطين المحتلة إنّما هو صورة أقرب إلى الاستعراض منها إلى الردع، فواقع الحال  للطرف الآخر لا يشي بمواجهة مفتوحة، ولا بعملية عسكرية لحزب الله متدحرجة ولا حتى بردّ يجلب عليه ما لم تحسب عقباه، فالحزب مشغول بملفات معقدة في لبنان وخارجها وهو غير مستعد لأي مواجهة صغيرة أو كبيرة من شأنها بعثرة الأوراق، كما أنّ الحالة المزرية التي يحياها لبنان على وقع هبوط الليرة اللبنانية وما أعقبه من انهيار في مرافق الاقتصاد وانعكاساته على المواطن اللبناني، لا تجعل حزب الله يغامر بردّ يفاقم هذه المشاكل وخاصة أنّ كثير من اللبنانيين يحملونه مسؤولية هذا الواقع، كما أنّ الحزب لا يرغب بإعاقة  تنفيذ تعهدات مانحين دوليين بتقديم أحد عشر مليار دولار، إضافة لقرض من  البنك الدولي بعدّة مليارات  كحزمة إنقاذ للاقتصاد، ويرى أنّ أي تدهور أمني قد يحرم لبنان منها في هذا الظرف العصيب.

في الصورة المقابلة، فإنّ الحالة السياسية والأمنية في دولة الاحتلال غير مؤهلة لحرب قصيرة أو طويلة بإمكانها تجاوزها، وذلك لكثير من الأسباب؛  فإنّ دولة الاحتلال وعلى الرُغم من أنّها تمتلك ترسانةً متطورة وقوية من السلاح، لا تريد أن تخوض حرباً حقيقيّة جربتها في لبنان عام2006م، وفي حروب غزة الثلاث وجولات التصعيد المختلفة والتي لم تحقق فيها نصراً كما تعودت في حروبها التقليدية على كافة الجبهات، وقد تركت منازلاتها مع حركات المقاومة أثراً وأحدثت كيّاً للوعي لدى القادة السياسيين والعسكريين، وهم الحريصون على عدم تلويث تاريخهم بإخفاقات هم في غنى عنها.

إنّ الرسائل من التحشيد الإسرائيلي هدفها الأول تحويل النظر عن الأزمة السياسية غير المسبوقة التي يعيشها رئيس الوزراء ” نتنياهو” والتي تفاقمت بفعل قضايا الفساد التي يحاكم من أجلها، وبسبب اتهام الجمهور له بالإخفاق في معالجة جائحة كورونا وارتداداتها الاقتصادية، ممّا ألّب الناس على الخروج بشكل شبه يومي في مظاهرات لإسقاطه.

ومن هنا فقد يهرب “نتنياهو” باتجاه التوتير الأمني المضبوط للصمود أمام التحديات التي يواجهها، وقد يتقبل ردّاً ” يتمناه”من حزب الله مضبوطا بصورة هوليودية، فحجم الحشود العسكرية تلقي بظلال على حزب الله بأنّ يحافظ على سمعته ويقوم بالردّ المحتمل ثمّ يتم إغلاق الملف، ولحين حصول ذلك يبقى الاستنفار في حدود تحقيق المصلحة الداخلية.

من المستبعد أن تنفلت الأمور من عقالها في الشمال في هذه اللحظة، فواقع الحال لدى الفريقين غير مهيأ لحرب مفتوحة أو حتى جولة من التصعيد لعدة أيام، ويبقى أن تحقق هذه الحشود الباردة أهدافها على الساحة الإسرائيلية دون أن تسخن الأجواء ببارود المدافع.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق