قصة قصيرة

رحـلتــي مــــع العصــا

(قصة عن الاستغفار)

عن قتادة رحمه الله قال:

(إن القرآن يدلُّكم على دائكم ودوائكم، أما داؤكم، فذنوبكم، وأما دواؤكم، فالاستغفار)

رفع رأسه من السجود الأخير ببطء، والشمس الربيعية كأنها تخصّهُ بخيطٍ من دفئها؛ لتلامس طَرفَ وجهه المُجعّـد، الذي حفرت فيه الأيام طابعها، كأنها أخاديدُ دُموعٍ صَنعت طريقها للحيته البيضاءَ المتشعّبة في كل اتجاه، لتبث حال الزمن للناظرين والمتأملين في جمالها.

كعادتي كلّ يوم تقريباً، تأملّته مُطولاً وهو يُنهي صَلاته بالتسليم، كم كانت حركاتُه بطيئةً، شَعرْتُ أنّـه يملك زَمنه الخاص، يتحكمُ فيهِ بكُل هدوءٍ واطمئنان وثقة، ورفع يديه المُرتجفة نحوَ السماء، كأنها تبثُّ هُمومها لتفرغها، أو تُرسِلُ شيئاً ما، هل هي ارتعاشة كبار السنّ المعروفة؟، أم تلك ترنيمة خاصة ترافق كلماته المستغفرة، ودعائه بعد كل صلاة؟

 سارعَ إلى الإِمساك بعصاه الخشبية، فهي جُزء منه، وعلى علاقة -من نوع خاص- معه، تُشعره بِكمٍّ هائلٍ من الاطمئنان، كأنها تشق طريقه، ويهتدي بها، تسنده دائماً، كيف لا وهي من زيتونة (البلاد) كما يُسميها، والتي يكاد زيتها يضيء! فهو باعتقاده أنها مضيئة له طريقه بشكل ما.

ما زلت لا أعرف ما سرّ تلك العصا، وارتباطه العجيب بها، وحرصه الدائم عليها. يتناولها برفق، ويتفقدها كأنه يراها لأول مرة، ويمسح وجهه مُنتهياً بآخر خُصلة من لحيته.

جدي الحاج صبحي (أبو رافع) كما يعرفه أهل المخيم، في بداية الثمانين من عمره، لا أعرف هل هو يصحبني إلى المسجد أما أنا أحب رفقته، أحب النظر إليه كثيراً، أرى فيه عالَماً لا أعيشه ولا أعرفه، أرى في انحناءة ظهره استقامة الماضي، أو اعوجاج الحاضر.

ولا بدّ من القول له عقب كل صلاة: تقبّـل الله صلاتك يا جدي لأسمع جوابه المعتاد تقبل الله منا ومنك صالح الأعمال والأقوال.

أراه يتعب نفسه، ولماذا لا يُصلي في البيت؟! تساؤلٌ دائم باستغراب.

بابتسامته الخفيفة التي أضاءت وجهه عاتبني بحب، فالمساجد بيوت الله، وفيها نلقاه ويلقانا، ألا نجيب دعوة من ينادي علينا في اليوم خمس مرات؟

كالعادة، أربكتني الإجابة، فتلك أول مرة أفكر فيها بهذه الطريقة، فذلك جدي الأزهري المعروف بفصاحته وطيب معشره.

ويتابع كلامه الدافئ عنها، إنها النداء اليومي إلى اللقاء، إلى الصلاة، ولبثِّ الهموم والدعوات، لشحن النفس استعداداً إلى اللقاء القادم.

لقد زاد ارتباكي أكثر، وكادت كلماتي تتلعثم وتتزاحم على أطراف شفتيّ، أيها يخرج أولاً؟

لم يفهم ما أقصده، إنه يتعب في السير نحو المسجد كثيراً، هو قلقي عليه، ويكاد يقع أكثر من مرة في الطريق. ونتناوب أنا والعصا على الإمساك به.

فتأتي إجاباته كل مرة مربكةً لتفكيري، فمن يقع في طريقه إلى لقاء خالقه، أفضل ممن يقع في معصية عدم اللقاء، ويطمئنني بأن لا أقلق فطالما سمع النداء، واتكأ على عصاه، فلن يوقفه شيء من السير نحو المسجد، وفي كلُّ مرة يعتمد فيها عليها يزداد استغرابي وتكثر تساؤلاتي حولها.

وخطابه لي بـ “صغيري”، يزيد من حيرتي، بماذا أنا صغير في تفكيره ونظرته لي؟

ويكمل بأنه لو بقي يوم من عمره لن يتخلا فيها عن عصاه، كيف لا، وهي الرفيقة الحامية له كما اعتاد أن يصفها.

عبارتان أدخلني بهما في متاهة رمادية القرار؛ لأفتش عن ذلك الارتباط الغريب بينه وبين العصا والمسجد، خيوطٌ يصعب عليّ فكّ عقدها عن بعضها، أو حتى الإمساك بطرفها لأصلَ لما يقصده، ومع ذلك أحبه، وأحب رفقته، وسأحفر في ماضيه؛ لأصل إلى حقيقة هذا الارتباط.

أسمعه يدعو الله كُـلَّ يوم بعد الصلاة ويستغفره، وأنا أُؤمِّن من بعده، ولكن اليوم غابت الكثير من جُمَلِ دعائه الجميلة المعهودة، وسمعته فقط أكثر استغفاراً.

عاد وتحسس عصاه من جديد، وصمتَ قليلاً كأنه غاب في صفحة من أيام الماضي، طالباً مني أن أتعلّم منه، وألا أستهين بشيبه وكبر سنه، فكما اعتاد أن يقول: “الدهن في العتاقي”، ولكل مقام مقال، ولكل حاجة طريق وباب.

دعوته إلى الجلوس بجانب المحراب؛ ليريح ظهره، فأصدقاؤه هناك، أو من بقي منهم، وشيخ الجامع يحادثهم.

ساعدته على النهوض من جهة اليسار، وتسنده عصاه من الجهة الأخرى، ويسير بعزمه، وصوت طقطقة عظام قدميه تكاد تسمعُها بوضوح، ولكن يغيب الألم عن شفتيه كعادته، تلك قوّة يتميز بها، ويجلسُ ببطء شديد، والابتسامة ما زالت تتشكل على شفتيه، كأن زهرة خجولة تتفتح في حديقة وجهه، ويحتضن عصاه كأنها طفل صغير.

طرح سلامه مبادراً، فهو يحظى باحترام كبير بين روّاد المسجد، فردوا جميعاً بالمثل: وعليك السلام يا حاج أبا رافع، داعين الله أن يديم عليه الصحة والعافية.

قلت في نفسي وقتها: مشاركة كبار السنّ الحديث من أكبر الصعوبات التي تواجهني في حياتي، فكلامهم تبادلٌ للتاريخ أكثر من المستقبل، ورموز كلامهم مفاتيح الماضي، لنفهم المستقبل.

نظر إمام المسجد إليه متأملاً هذا الوقار: ما شاء الله، يا حاج، القوّة من الله لك دائماً، فأنت من أهل المسجد وروداه، الذين نعتز بوجودهم بيننا.

اعتدل في جِلسته ووضع يده على كتف الإمام؛ ليُـعْـلِمَهُم بسؤالي قبل قليل، فقد أحبّ أن يجيبني بحضورهم واستماعهم. فالفرق بين الدعاء والاستغفار ما لفت انتباهي، ولماذا أكثرَ اليوم من الاستغفار، وليس من الدعاء كعادته.

فأجابه الإمام بأن كلاهما مناجاة لله بأن يرحمنا ويغفر لنا، سارداً عليهم قولاً لابن القيم – رحمه الله -: أنَّ إبليس قال: (أهلكت بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار وبـلا إله إلا الله”، فلمَّا رأيتُ ذلك، بثَثْت فيهم الأهواء، فهم يُذنِبون ولا يتوبون؛ لأنَّهم يحسَبُون أنهم يُحسِنون صنعاً)

وأضاف آخر: مذكراً من أقواله: – رحمه الله – (المعاصي والفَساد تُوجِب الهمَّ والغمَّ، والخوف والحزن، وضيق الصدر، وأمراض القلب، حتى إنَّ أهلَها إذا قضوا منها أوطارهم، وسئمَتها نفوسُهم، ارتكَبُوها دفعاً لما يجدونه في صُدورهم من الضيق والهمّ والغمّ… وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب، فلا دواءَ لها إلا التوبة والاستغفار)

وآخر-كان بعيداً فاقترب-: نرجوه أن يفتح علينا رزقه، وأن ينعم علينا بالصحة.

فقاطعهم جميعاً في مداخلاتهم. مضيفاً:

أنّ الدعاء هو البيت الكبير الذي نحاول الدخول فيه لنسكنه في رحمة الله، نبثُّ فيه همومنا وحاجاتنا لله، ومطلوب منا جميعاً أن ندخل فيه يومياً داعين الله بكل شيء.

فالدعاء كالصلاة، والصلاة دعاء، والدعاء تحية وتهنئة ومباركة، وحتى تعزية، وتشجيع ورفع همة، وحياة لكل قلب مؤمن.

لأول مرة أعرف ذلك من جدي، مع أني أدعو الله معه، فعلاً فتحيتنا دعاء، وبه نهنئ ونبارك، وهو ما نقدمه مواساة إلى الغير، إنّه كل شيء، نعم، فهو بيت واسع ندخله جميعاً.

وتسابقت في تفكيري علامات استفهام كثيرة حول معنى الاستغفار بعد كل ذلك؟

كأن جدي كان يجول في خاطري، فأمسك بعصاه من طرفها، وشدّ عليها حتى ظهرت شرايين يده بكل وضوح، وأطرق قليلاً، ثمّ قال: إذا دخلت بيت الدعاء، فادخله بضعفك ورجائك، وادخله بطمعك في كرم الله، وتيقن بأن فيه غرفة خاصة لك.

في كل بَـيْتِ دُعاء هناك غُرفة لها باب واحد، باب قلبك، ادخلها بقوّتك وعزيمتك. فلا يدخلها ضعيف أو متردد، كُـنْ قوياً فيها، كأنك ستُحارب شيئاً ما، فالاستغفار هو غرفتك الخاصة في هذا البيت لا يشاركك فيها أحد، لا نوافذ مضيئة فيها، ولا نسيان لعصيان اقترفته.

اعتدلَ الإمام والآخرون في جِلستهم، فالاستماع إلى الحاج بدا أمراً محبوباً كالعادة، ولكنه جاء بالجديد والغريب في الوصف هذه المرّة، كيف لا وهو من يسميه البعض في المخيم بالأزهري، نعم، فقد كان من طُلاب الأزهر لفترة ما، وعاد منه، وهو يحمل عصاه تلك كما حدثني مرّة، ولكنه لم يكمل قصة وجوده هناك، أو من أين أتى بتلك العصا التي يقول عنها دائماً أنها من زيتونة البلاد، وقد جاءت معه من مصر!

وأظنني وقتها تحدثت بلسان الجميع مبادراً متعجباً فكيف يكون الدعاء بيتاً والاستغفار غرفة؟

والابتسامة تعود إلى الوجه الجميل، بعد أن أدار وجهه إلى لمحراب مشيراً إليه بعصاه.

في الغرفة الخاصة لكل واحد فينا كما في بيتنا، وكما نضع ملابسنا لنغسلها أو نستبدلها، فنحن نضع كل معاصينا وذنوبنا أمامنا، واحدةً تلو الأخرى، نتذكرها بزمانها ومكانها، نتألم من كل ذنب عملناه وعَلِـمْـناه، ونستغفر ربنا منه كثيراً، كأننا نمحو شيئاً، فإما يكون مستعصياً، وإما بسيطاً.

عمّ الذهول المعتاد ملامح الحاضرين، وَعَلَتْ أَصوات الاستغفار والتضرّع.

ففي غرفتنا نحن وحدنا أمام قوّتنا وضعفنا، أمام شُكْرِنا وجُحودِنا، وما عملنا، نتجرّدُ من كل كبريائنا كما نتجرد من قذارةٍ أصابتنا، نتجرّد من تلك الذنوب ذنباً تلو الآخر.

جالَ في خاطري حينها أنّ الدُّعاءَ يكونُ عامّاً لكلِّ شَيءٍ نَطلُبه في حياتنا، والاستغفارُ تَطهيرٌ لَمعاصينا بشكل منفرد وخاص.

وقطع انسياب أفكاري قول جدي: الإنسان يُذنب كثيراً، وهو لا يدري أحياناً، ويحتاجُ دائماً من دموعه المستغفرة أن تغسل ما ارتكبه من ذنوب. علينا أن نضع ذنبنا أَمَامَنا، ونَذْرِفَ عليهِ من دموعنا المالحة لغسله وتطهيره، نحاصره من كل اتجاه، فإنْ تَمدّدَ الذنب وكبُـر؛ مات القلب وأغلقت الغرفة، وقد تَنْـهَدِمُ إنْ غِبنا عنها كثيراً.

“ما أروعها من كلمات!” “وما أدقه من وصف!” خاطبنا الإمام جميعاً، وخاطبني الإمام بعدها:

الاستغفار كما فهمت الآن، أن تضع ذنبك أمامك وتنظر إليه بشفقة على نفسك، أن تحتقر هذا الذنب، وتعمل جاهداً على محوه بينك وبين خالقك فقط.

وواصل جدي عطاءه السلس ليزيد من فهمنا، فإنْ كان في الذنب حقٌ للغير أَعَدْناهُ، وإنْ فيه ظُلمٌ رَفعناه، بالدعاء نكون مع المُنعم، وبالاستغفار نكون مع النعمة.

“طمأنينة في كل خطوة نخطوها” ما قاله الإمام تالِـياً علينا قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم)، “فنحن لا ندري أي قرار هو خير لنا، لكننا نؤمن بأنّ الخيرة فيما اختاره الله لنا. وأنَّ الآدمي لا يخلو من ذنب أو عيب فساعة بساعة، والعذاب عَذابان: أدنى وأكبر، فالأدنى عذاب الذنوب والعيوب، فإذا كانَ العبد مُستيقِظاً على نفسه؛ فكلَّما أذنب أتبعه استغفاراً، فلم يبقَ في وبالها وعَذابها، وإذا لَها عن الاستغفار تراكمتْ ذنوبُه؛ فجاءته الهموم والضِّيق، والعَناء والتَّعب، فهذا عذابه الأدنى، وفي الآخِرة عذاب النار-لا سمح الله-، وإذا استغفر تنصَّل من الهمِّ؛ فصار له من الهُموم فرجاً، ومن الضيق مخرجاً ورزَقَه من حيث لا يحتسب”.

ويذكّرنا أحد الحاضرين أنَّ الذنوب مرتبطة برحمة الله ومغفرته، لقوله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا؛ لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فيغفر لهم).

وتابع آخر مشاركاً، “بالدعاء لك يا الله أرفع صوتي، وأسمعك مطالبي، وباستغفاري أعرض مكاسبي من المعاصي أمامك، فلكل عمل جزاء وأنا من أصنع العواقب. اغفر لي وسامحني يا رب”، عبارات قالها هزّتني في حيرة اللقاء وتداخل العبارات.

“لقد سَأَلَني شَيخي مرّة، لِماذا أنتَ مهموم يا رافع؟

قلت له أبحث عن حلّ لمشكلتي، غاب عني فترة، وعاد وسألني: أيها المهموم هل وجدت حلاً؟

قلت له نعم، لقد دعوت الله، واستغفرته”

موقف سرده جدي كان اختزالاً جَــزِلاً لكل ما سبق من حديث.

ويحاورنا الإمام، وهو يتحسس جبينه -يبدو أنه يعتصر ذاكرته- أنّ للدعاء أبواب كثيرة نحتاج الدخول منا لنجد الفرج لنا ولغيرنا، وقد نستغفر للقريب منهم والبعيد، الدعاء يقطع المسافات ويخترق الزمن أما الاستغفار فهو شأننا الخاص، في زمننا الخاص، بانفراد خاص كذلك.

ما زلت في نفسي أعتقد أن الإحساس الأروع في الحياة ليس أن ندعو فقط، بل أن نطمئن بدعائنا. وأن نستغفر كنظام حياة يومي، فقلوبنا مكتظة بأمور كثيرة، وبحاجة لمساحة دائماً فيها لنفرغها.

وعاود الإمام الحديث من جديد، ولكن احمرّت عيناه هذه المرة، وترقرقت الدموع في أطرافها: في عتمة الليل، والنجوم تطلُّ خجلةً من بين الغيوم، دع نفسك لمن يحمل همّك، لا تخجل من انتفاخ عينيك بُكاءً، ولا تُخفي احمرارها، لا ترفض الكتف الممتد لك لتستند عليه، قليلٌ هؤلاء في زمن المعاصي، دع ذنوبك تخرج من عتمة قلبك، لتشرق عليها شمس استغفارك وتطهرها؛ ليعود قلبك مساحة بيضاء مشرقة.

ما أجمل مجالستهم، فهي عبادة وخلق حسن، وأدب رفيع، وعلم غزير. تلك خلاصة لا بدّ من ذكرها بحضرتهم.

 الأحباب، ما نادانا به جدي هذه المرّة: من يحبكم يبحث عن همّكم، من يصدقكم… من كان صادقاً مع نفسه، ففي الليل وسكون الأصوات، دعوا صوتكم يعبر عنكم، ناجوا ربكم، وخاطبوه بمشاعر الأطفال، واحفروا قليلاً في ماضيكم ففيه كنوز ومصائب، وادفنوا إلى الأبد باستغفاركم من منها يعكر صفو حياتكم، وكونوا أصحاب القرار في التخلي عن كل معصية.

نعم، سأحاول!

هذا ما استطعت أنْ أقوله، فأنا الضعيف والغريب أمامهم الآن، أحاول أن أسبح في أمواج علمهم، فقد علمني جدي في الأمس القريب معنى العُزلة الجميلة، التي لا يُقْصَدُ بها البُعد عن الأصدقاء، ولا تعني أن نتوقف عن الحب، والمزاح والكلام، لا ننوي معها أنْ نبتعدَ عن أحد بقدر ما نريد أن نقترب فيها من أنفسنا! من ذنوبنا، لنعمل على إصلاح ما أفسدته الدنيا فينا. فالماء الراكد يأْسَنُ إنْ لم يتحرك، وهذا حال القلوب إن لم يحركها الاستغفار.

عاد الإمام من صمته، -وكانت يده تحمل خَدَّهُ الأيسر-: لنبحثَ عن خيطِ نورِ المغفرة ليتبعنا ليلاً… ما نحتاجه هو التفاهم مع ذنوبنا والتعرف عليها؛ علّنا نصل إليها، ونحاصرها في مكانها، وبقوة الاستغفار نمحوها. فكما تعلمنا من السلف الصالح أن الاستغفار غنيمة باردة، أصلح فيما بقي، يُغفر لك فيما مضى. وعلامة التوبة، البكاء على ما مضى، والخوف من الوقوع في الذنب، وهجران إخوان السوء، وملازمة الأخيار.

الجد: بالدعاء أنت تقول، وبالاستغفار فقط تشعر!، فهناك أيام تمر في حياتي دون أن يحدث فيها شيء، سوى أنها تمر، أود أن أعيش طويلاً، ولم أكن أرغب أن أصبح عجوزاً مثقلاً بالمعاصي. ومن المخجل أن أقف أمام الله، أرجو العفو، وأنا لا أعفو وأستغفر.

وتعاودني مسامرة جدي السابقة عن العزة، عزة المؤمن في تذلله بين يدي خالقه، تلك الدرجة الإيمانية التي طالما تمنيت الشعور بها، أن أعيشها كما أشعرها فيه، فهي عزة ليس فيها تكبر أو تفاخر، وليست بغياً أو عدواناً، وليست هضماً للحق، أو ظُلماً لإنسان، بل الحفاظ على إيمانٍ يجب أن يُصان، يُصان بالاستغفار الدائم، فلا تتعارض العزة مع البكاء والتضرع؛ لتنتج عنها الرحمة الإنسانية، بل لعل خير الأعزاء، هو من يكون خير الرحماء، إذ قال الله تعالى وإن ربك لهو العزيز الرحيم.

تأملني الإمام، وَشدَّ على يَدي، وكأنه فهم نظراتي إلى جدي، وضياعي في معالم شخصيته، وكأنه أدرك ما يجول في صدري من أحاديث النفس المتعبة.

يا أمجد: للمؤمن بالله كبرياء لن يصلها فقط بالعمل؛ بل بالعمل النظيف، العمل الذي يرافقه الاستغفار ليغسله، وليلاقي القبول، أن تقولَ ذنوبك التي تأكل داخلك في نصف كلمة، ألا تكرر معصيتك ألاّ تُصرّ عليها، ألا يراك الآخر عارياً أبداً بسببها، أن تحمي عملك كما تحمي سرّك.

وأمسك جدي بيدي الأخرى يدعوني أن أسموَ بروحي وبإيماني، حين شيطاني يطفو بجسده في حياتي، أن أتواضع بديني كبرياءً على الاخرين، وأن أعفو وأسامح، وأرحم المسلمين.

قلت لكم في موعظة الأمس عصراً: أن القيمة الحقيقة للإنسان لا تكمن بالمظهر الجميل واللسان المعسول، بل بقلب عامر بالإيمان، وعقل يخلو من شوائب التفكير والضلال. يكفيكم أنكم عند الله لا تهونوا وهو القائل: (لا تهنوا ولا تحزنوا)، وقوله تعالى: (ونكتب ما قدموا وآثارهم)، كل آثارنا مكتوبة، آثار خطواتنا للخير ومشينا للشر، وبذور أفكارنا المختلفة، وأعمالنا التي نمت وأزهرت هنا وهناك، وبصماتنا المشرقة في كل مكان، صدى دعائنا في القلوب، وأثر استغفارنا على جراح أعمالنا.

لا بد لي أن أعودَ إلى المربع الأول؛ لأكمل فهمي عن الاستغفار فمحاورة الحاضرين دِينٌ ودنيا، فقلت متسائلاً: ماذا قال نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- في الاستغفار؟

 بادرني جدي بالحديث على مسمعهم، أنه أمر، وليس طلباً لأهميته، فالاستغفار في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان ذلك بعد ارتكاب ما يستدعي طلب المغفرة من الله، أو بعد الطاعة، أو على كل حال، تالياً قوله تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام: (وَيا قَومِ اسْتَغفرُوا ربَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ…)، وقوله تعالى لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: (فَسَبِّحْ بِحَمدِ رَبِّكَ وَاسْتَغفرهُ إِنَّهُ كان تَوَّاباً).

وتستمر أنهار المعرفة من كل اتجاه، فجدي عن يميني والإمام عن يساري، وآخرون يحيطون بنا، وأنا بين كل ذلك أحاول أن أرتوي بمعرفتي أكثر، ويذكرنا الإمام أنه صلى الله عليه وسلم كان يُكثر من الاستغفار، فكان يستغفر الله بعد كل صلاة، وكان يستغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة.

وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: “من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب”.

والنتيجة أن ما تعلمته في المدرسة قد يكون سطراً بعد كل ما سمعته، أو حتى عنواناً مختصراً، كان أستاذنا جمال يحدثنا عن أمور ديننا، وأنَّ الاستغفارَ من أعظم أنواع الذكر، ومعناه طلب المغفرة، وحفظنا منه عبارة سيد الاستغفار، بأن نقول: “اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت”.

هذا كل ما كنت أعرفه! فقد فاض قلبي حباً بهذا اللقاء، أحسست كأنني تعلمت اليوم أشياء لم أتعلمها طوال رفقتي لجدي، والغداء ينتظرنا، وأنأ أعلم كم تحب جدتي جدي، فهي لن تأكل إلا معه! وكثيراً رأيت حلاوة السنين في حديثهما، وما طبعتهما به، وما صنعته العشرة بينهما.

ودّع الحضور، وصافحهم بقبضته القوية، وغادرنا المسجد نحو البيت، فبيتنا ليس ببعيد، وكان لا بدّ لي أن أغتنم الفرصة للحديث لأكمل ارتوائي من رحلته، وسر العصا، فقد ملكت اهتمامي لمعرفة سر ارتباطه بها، فقد حدثني عن زيارته لمصر ودراسته في الأزهر، وكيف عاد، ولكن تلك العصا تشغل تفكيري.

توقفَ وأسندَ ظهره إلى سور البيت، ونظر إلى السماء مترحماً على الشيخ محمد، فمنه تعلّم كيف يصونُ دينه، كلما مزّقته المعاصي، يُرَقعه بالاستغفار، وكلما ابتعد عن الطريق، أعادته العصا!

أكان يضربه بالعصا؟

لأول مرة ضحك بهذه السعادة، حتى أن عيونه كادت تدمع على ما قلته، يضربني؟!

ولأول مرّة يجرني من أُذني ممازحاً لندخل البيت، جاءته طاقةٌ غريبة من سيرة العصا؛ ليحدثني قصتها مع شيخه محمد.

جلسنا في الحوش تحت الشجرة، ماداً قدميه على كرسيه من القش، كان شوقي لا يوصف لأعرف القصة، فأحضرت له كأس ماء كما يحب، ولا أعرف كيف ابتلت يداي، هل كنت أملأه، أم أسكب الماء عليها، أم فاض الكأس، وأنا أسرح في خيالي وتوقعاتي، وبالهناء والعافية شرب وارتوى، وباركني، ودعا لي بالسُّقيا من الكوثر مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويزداد الشوق، فكم من قصة حدثتني بها، إلا أن قصة الشيخ محمد والعصا تشعرني بشوقٍ أكبر.

عندما كان شاباً صغيراً، أرسله والده ليتعلم في الأزهر، وكان الزمان زمان حرب، وصل هناك وكان يسكن في غُرفة فيها تسعة أشخاص، وكان الفقر علامتهم الوحيدة، سراويلهم شبه ممزقة، وطعامهم بعض الخبز والجبن، وحباتٌ من الفول المدمّس، وحبة بندورة مجعّدة الوجه، وحبات زيتون جفت من قلّة الزيت عليها.

في أول يوم دراسي، دخل عليهم شيخهم غرفة الفصل، تعلو رأسه عمامة بيضاء، ويلبس جبة صوفية، وسروالاً أبيض، وبيده عصاه، نظروا إليه بتمعّن، وكانوا جالسين ملتصقين ببعضهم من ضيق الغرفة، وهزّ رأسه دون أن يخاطبهم بأي كلمة، وتبادلوا النظرات، منهم من بدت عليه علامات الخوف، وآخرون اجتاح القلق مفاصلهم.

يتساءلون بصمت الطفولة، من هذا الشيخ الجليل، وحوله هيبة ترتجف منها القلوب.

وقفوا جميعاً لرد السلام والتحية دون تردد، وقفة واحدة، والرؤوس إلى الأسفل والعيون تحاول أن ترتفع لأعلى لتسرق نظرات أخرى من وجه الشيخ القادم.

تجوّل بينهم، كأنه يعدُّهم، أو يتفقدهم، حتى أنهم أحسوا أنه يبحث عن شيء ما بينهم، أو فيهم. ماذا كان يريد؟

إنه استاذهم، شيخهم محمد ومعلمهم، وقتها لم يجرؤ أي منهم على الحديث أو حتى الاستفسار، هم في عالم لا يعرفونه ويجهلونه، منهم السعودي والفلسطيني والمصري، والأردني والسوداني، وغيرهم الكثير، صقلهم هول الموقف والحضور بقالب الصمت والترقب.

هل هو الخوف أم الاحترام ما جعلهم بتلك الحالة، لا أكذب إن قلت لكم نعم، كانوا خائفين ولكن لا يعرفون من ماذا، لم يكونوا خائفين من شيخهم، ولا من عصاه التي يحملها، ولا من غربتهم، كانوا فقط خائفين!

شعرت أني أجلس معهم في غرفة الفصل عندما بدأ شيخهم درسه عن الإسلام والإيمان والجنة والنار…..

 كانت عقولهم الغضة تلاحق كلماته، وتحفظ منها الكثير، ويشرد منهم بعضها، لم يكونوا معتادين على الحديث أو حتى الاستماع لأحدٍ باللغة العربية الفصيحة، حتى أن بعض كلماته حسبوها ليست عربية، وفي نهاية الأسبوع الأول عندما هموا بالخروج عائدين إلى غرفتهم القريبة من الأزهر، وقف الشيخ على باب الفصل طالباً من الجميع المغادرة بهدوء، إلا رافع!

طَلَبٌ أربكَ هدوءَ جدي وعزمه إلى الخروج، ابق هنا يا رافع، فأنا أحتاجك…

كان كمن حظي لحظتها بشأن ما

فأجابه بكلمات مترددة تغلفها رهبة كبيرة: حاضر يا شيخي

اصطحبه إلى غرفة كبيرة مقوّسة تشبه المكتبة، وفيها طاولة كبيرة عليها بعض الكتب والأوراق ومحبرة وريشة، وكرسي خشبي. ونافذة تطلُّ على الساحة، تتزاحم خيوط الشمس فيها مع الستارة المتأرجحة من الهواء الداخل عند فتح الباب.

جلس وتأمله بنظرات حانية، “سأعطيك وظيفة”

وظيفة لي؟

فقد طلب منه أن يهتم بالغرفة وينظفها كلما احتاجت ذلك، وعند تخرّجه سيعطيه عصاه هذه أجرة له.

سائلاً: هل توافق؟

تسارعت بتزاحم كبير الكلمات والتساؤلات في ذهن جدي، أنا؟

وما تلك الأجرة الغريبة؟ عصا الشيخ!

تبسّم شيخه، كأنه فهم حيرته بصمته، وكانت تلك ابتسامة فرّجت خوف قلبه، وأزالت الرهبة التي تربط مفاصله، نهض عن كرسيه حاملاً عصاه عارضاً إياها عليه فأنت من فلسطين، والعصا من شجرة زيتون مقدسية، أخذها عند زيارته إلى الأقصى، وهي أكثر ما يعتز ويفتخر به من ذكرى، وبما أنه فلسطيني، وطالب عنده فإنه أحق بها من غيره.

شعر جدي بفرح غامر، فهو الموعود بأن يكون صاحب عصا الشيخ ومن أحبه، وأصبحت له واسطة، نعم شعر أنه يختلف عن الآخرين…. كم كان صغيراً في كل شيء حتى بنظرته إلى هدية الشيخ وقتها!

وباستعجال وافق… وسيقوم بما يطلبه منه.

 ولكن شيخه استدرك كلامه، بأن هناك واجب عليه أن يقدمه إلى العصا كل يوم.

كلّ يوم! ما الواجب اليومي هذا غير أنه سينظف الغرفة!

بدت الأمور تزداد صعوبة وقلقاً، بل وأحس بعبء قادم.

سيعطيه العصا مقابل ترتيب الغرفة، هذا صحيح، ولكن لها واجب آخر لتستحق أن تبقى معك.

كان على استعداد لأداء واجبها بعون الله، ولكن يبقى السؤال ما الواجب الآخر؟

أخبره بأنها من الأرض المباركة، وهي تطرق قلب من يحملها، وتسمع الآذان وقع خطاها، كلما حملتها سترافق لسانك خطواتها بالتسابيح اليومية، والاستغفار والذكر.

ثم ناوَلَه العصا، وطلب منه حملها، كم كانت خفيفة وناعمة، وفيها بضعة عُقدٍ بارزة، تفقدها بنظراته المُعجبة المبتهجة، مع أنه لم يفهم حتى الآن كيف سيسبح الله بالعصا؟

فعلاً، كيف سيسبح الله بالعصا، ونحن نستخدم المسبحة لذلك، أو أصابع أيدينا.

كنت مستعجلا ًلتكتمل الحكاية، فالعصا قطعة خشبية شبه مستقيمة، لا روح فيها ولا حياة، ولكن الأثر هو ما تتركه فينا، ففيها الكثير من الاستقامة، وبعض العقد الدخيلة التي يجب أن نتحسسها يومياً، فهي تشبه الذنوب التي يجب أن نعمل على محوها من استقامتنا.

فقد عوّد شيخه نفسه كلما نظر إليها، أو حملها أن يتذكر ورده اليومي من التسبيح والاستغفار، فهو يرى فيها استقامة كبيرة، وقدسية المكان والزمان الذي أتت منه، وفيها بعض العوج الخفيف، وبعض ندوب الزمن التي لا تنمحي، فهي تشبه الحياة التي نحاول أن نسير فيها باستقامة، ولكن لا بد من هفوات، لا بد من أخطاء، وكذلك لا بد من عودة صادقة عنها.

قد أكون فهمت الآن، فشيخه أراد أن يقول له أن العصا رفيقته، فيها يرى مسير الحياة إن استقام، أو حتى حادَ عن الطريق الصحيح، وأن حياة البشر لن تستقيم تماماً، مهما عملنا من الصالحات، فالسير في طريق الاستقامة يجب أن يرافقه استغفار كثير وتوبة دائمة.

من يومها، وهو يتذكر شيخه، ولا ينسى تسابيحه واستغفاره ويتكئ عليها ليس من تعبه، بل لتذكره بواجباته التي عاهد شيخه عليها، بصوتها على الأرض ذكرى نافعة من شيخه محمد رحمه الله، فقد توفي مريضاً، وكان من وصيته له قبل ذلك، ألا يفرط فيها، وأن يهديها لغيره عندما يمر الزمان مسرعاً من عمره.

أطال الله في عمرك يا جدي، ورحم شيخك محمد.

تذكر الآن، وبما أني سألته سابقاً عن الاستغفار. أنه في يوم جمعة كنا يحضر الصلاة في الأزهر، ووقف الشيخ محمد خطيباً وقتها، وبعد أن حمد الله، وصلى على رسوله، حدثهم عن فوائد الاستغفار العشرة، طالباً منهم أن يسموا كل أصبع من أصابعهم بواحدة منها.

ليتني سمعتها من قبل -قلت في نفسي- فقد شغل الاستغفار تفكيري، وحجز مساحة واسعة في قلبي إلى المغفرة.

والله إنه يحفظ الخطبة عن ظهر قلب، كأنها طُبعت في ذاكرته، وقال علّك تحفظ منها شيئاً؛ لتحفظ نفسك من الزلل.

بعد أن حمد الله، وصلى على نبيه، حدثهم شيخهم بأن الاستغفار زادُ الأبرار، وشعار الأتقياء، به تسعَدُ القلوب، وتنجلي الهموم، وتثقل الموازين، وتُرفَع الدرجات، وتُحَط الخطيئات، وكم جلب الاستغفارُ لأهله من الخيرات، وكم صرف عنهم من البلايا والمُلِمَّات، والاستغفار دواءٌ وعلاجٌ نافع، يقشَعُ سُحُب الهموم، فهو البَلسَم الشافي، ومَن لزِمه فلا بد أن يربح.

استمعُ وأحفظُ، وأعدّها على أصابع يديي، فيا لها من ثمرات!

حدثهم أن أولاها يُنقّي القلب ويُطهِّره من ظُلمات المعاصي والذنوب؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكِتَت في قلبه نكتةٌ سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زِيدَ فيها، حتى تعلوَ قلبَه، وهو الران: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}

وذنوبنا تُسوِّد القلب، وكلما أذنبنا ذنباً زادت ظُّلمة قلوبنا، وعظم سوادها، فإذا بادرنا بعد الذنب بالتوبة والاستغفار، نقي القلب وهذب ونظف.

وتمر بذاكرتي مقولة عن قتادة رحمه الله حين قال: إن القرآن يدلُّكم على دائكم ودوائكم، أما داؤكم، فذنوبكم، وأما دواؤكم، فالاستغفار، فقد وعد الله مَن استغفره أن يغفر له قال الله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}

وتأمَّلت مع جدي، قوله سبحانه “غفَّار”، ليدلَّ على عظيمِ عفوِه، وواسع مغفرتِه، وحفظت من هذه الآية جيداً، قال سبحانه: {وَمنْ يَعمَلْ سُوءاً أَو يَظلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً}

وثانيها مما حفظته، أنه من لزم الاستغفار؛ سرَّته صحيفتُه يوم القيامة؛ فهنيئاً لمن يداوم عليه، يجيءُ يوم القيامة قد ذهبت سيئاتُه هباءً، وتضاعَفت حسناتُه وعظُمَت، فقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (طُوبَى لِمَن وَجَد في صحيفته استغفاراً كثيراً)

تشوقت إلى سماع الثالثة، فأنا أعدّ على أصابعي تلك الدرر الجميلة، كأن لأصابعي الآن مظهراً آخر، وخاتم لكل واحد منها، فكانت أن الاستغفار سبب للنجاة من عذاب النار، قال سيد الخلق: (يا معشرَ النساء، تصدَّقْنَ وأكثِرْنَ الاستغفار، فإني رأيتُكن أكثرَ أهل النار).

وتذكرت مقولة لجدي عن السلف الصالح: “إني لأرجو ألَّا يَهلِك عبدٌ بين نعمتينِ؛ نعمة يحمَدُ الله عليها، وذنب يستغفِرُ اللهُ منه”.

ويؤيدني جدي فيما قلت، منتقلاً إلى رابعها فإنه – الاستغفار- سبب إلى رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة، فقد قال صالح عليه السلام لقومه: {يَا قَومِ لِمَ تَسْتَعجِلُونَ بالسَّيِّئةِ قَبلَ الحَسنَةِ لَولَا تَسْتَغفِرُونَ اللَّهَ لَعلَّكُمْ تُرحَمُونَ}، فكثرة الاستغفار والتوبةُ مِن أسباب تنزُّل الرحمات الإلهية، والفلاح في الدنيا والآخرة.

واكتملت أصابع يدي الأولى عدّاً بالخامسة، فالاستغفار سبب لدخول الجنة، قال الله سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فاحِشةً أَو ظَلمُوا أَنفُسهُمْ ذَكـرُوا اللَّهَ فَاستَغفَرُوا لِذُنوبهمْ وَمن يَغفرُ الذُّنوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلمْ يُصِرُّوا على ما فَعلُوا وَهُم يَعلَمونَ}

فالصالحون يخطئون، لكنهم يبادرون بالاستغفار والتوبة، فأعقَبَهم الله بكثرة استغفارهم جنات النعيم.

وبادرني بالسادسة قبل سؤالي وطلبي، عالماً بشوقي لأكمل عدها، ولأضعها في أصابع يدي الثانية، أن الاستغفار سبب لرفعة الدرجات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل ليَرفَعُ الدرجةَ للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب، أنَّى لي هذه، فيقول: باستغفارِ ولدِك لك»

فنظرت له بإعجابي، وكيف يرفع الاستغفارُ العبدَ المؤمن بعد موته؟

وكان حدثني عن الاستغفار للميت، ولكن نسيت القصة.

هي قصة النجاشي، حين نعاه رسولنا صلى الله عليه وسلم. النجاشيَّ حاكم الحبشة يوم مات، فقد طلب صلى الله عليه وسلم من الصحابة: أن استغفروا لأخيكم، وكان عليه السلام إذا فرَغ مِن دفن الميِّت، وقف عليه، فقال: «استغفروا لأخِيكم، وسَلُوا له بالتثبيت، فإنه الآن يُسأَل».

وانتقلنا إلى السابعة، فأنا أحب الرقم سبعة، فهو يذكرني بأيام الأسبوع، وشهر مولدي، وعدد أخوتي.

فكانت أوسعها معنىً، وكثير ما نطلبها في حياتنا، فالاستغفار سببٌ لسَعَة الرزق، ونزول المطر، وكثرة المال، حين قال نوح عليه السلام: {استَغفرُوا ربَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غفَّاراً* يُرسِلِ السَّماءَ عَلَيكمْ مِدْراراً* ويُمْدِدكمْ بِأَموالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكمْ جنَّاتٍ ويَجْعلْ لَكمْ أَنْهاراً}.

ما أعظمها من فوائد ونعم كثيرة نحصل عليها بالاستغفار الصادق.

 والآن ما الثامنة التي سأضيفها لجسدي عضواً نافعاً، فكانت أن الاستغفار سبب للقوة: حين قال هودٌ عليه السلام لقومه: {استَغفرُوا ربَكُمْ ثُمَّ توبُوا إِليهِ يُرسِلِ السَّمَاءَ عَليكمْ مِدْرَاراً ويَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ}.

فعلاً، كانوا مِن أقوى الناس، ولهذا قال عنهم القرآن: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}

أما التاسعة فكانت أنه سببٌ إلى تفريج الهموم والكُرُبات، ودفع العذاب في الدنيا: قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: «مَن لزِم الاستغفارَ جعَل اللهُ له مِن كلّ ضيقٍ مخرجاً، ومِن كل همٍّ فرجاً، ورزقه مِن حيث لا يحتسب»

فكم من رَجُلٍ لزِم الاستغفارَ ففرَّج اللهُ همَّه، وأزال كربَه، وأبدل أحزانَه أفراحاً، وضِيقَه سَعَةً، وعسرَه يُسراً، وفقرَه غِنىً، وأقبلَتْ عليه المَسرَّات. والاستغفار سبب لدفع العذاب في الدنيا: قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.

وسأختم أصابعي العشرة لتكتمل الوظيفة، فهي مطلب كثير من الناس، وقرة عيونهم، وزينة الحياة الدنيا بالنسبة لهم، فالاستغفار سبب لكثرة الولد: قال نوحٌ عليه السلام: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}، فالاستغفار سببٌ لنزول الغيث، وحصولِ البركة في الأرزاق والثمار، وكثرة النسل والنَّماء، وكثرة النِّعَم.

 ويحادثني كذلك عن القرطبي رحمه الله حين قال: أن رجلاً شكا إلى الحسن الجُدُوبةَ، فقال له: استغفِرِ الله، وشكا آخر إليه الفقر، فقال له: استغفِرِ الله، وقال له آخر: ادعُ الله أن يرزقني ولداً، فقال له: استغفِرِ الله، وشكا إليه آخر جفافَ بستانه، فقال له: استغفِرِ الله، قال: فقلنا له في ذلك؟

فقال: ما قلتُ مِن عندي شيئاً، إن الله تعالى يقول: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ}.

والآن عرفت قصة العصا التي طالما رأيته يتأملها، ويحملها، وكنت ألعب بها صغيراً، والله لقد زاد حبي لها.

هي لك… الآن

كانت عبارة أسكتت لساني، وتجمّدت أمامها لأول مرة، هي لي؟

كيف؟

وكيف سأؤدي حقها، وأحفظ واجبها؟

“بما علمتك، طوال رفقتك لي”

كان الامتحان الذي سأدخله بقية عمري، ومرت السنوات علينا مروراً رحيماً، فالحياة مع الإيمان عامرة دائماً، فيها اطمئنان وراحة يفتقدها الكثيرون، وما زلت يومياً أعد على أصابعي تلك الفوائد العظيمة، وأكثر من استغفاري. وأعلق العصا على الحائط، وأخبر زواري قصتها دون ملل أو كلل، لذلك قررت أن أكتب قصتي ليقرأها من بعدي، فقد أصبحْتُ أباً، وعندي من الأولاد والبنات من يحتاجون لذلك الإرث الروحاني العظيم، رسالة يجب أن أوصلها لهم، وأن ترسخ في عقولهم، ميراث نافع لا يجف رحم الله جدي الحاج رافع، وشيخه محمد، لقد حملت عنكم الأمانة، أمانة الذكرى النافعة، أعانني الله لأكون خير خلف لخير سلف.

-انتهت-

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق